يحتفل الشعب المغربي، اليوم الأربعاء بفاس، بالذكرى التاسعة لاعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش. ضمن هذا العدد، تخصص "المغربية" ملحقا خاصا، احتفاء بالحدث، الذي يشكل مناسبة لرصد سنة من الأنشطة الملكية المكثفة.
هناك الكثير مما يقال عن ملك لا يرتاح له بال، ولا يستقر به مقام، من دون قطع المسافات، وتفقد أحوال البلد، بالطول والعرض. كم يلزم المرء من بحث، وعد وإعادة العد، لإحصاء آلاف الكيلومترات، التي يقطعها الملك في السنة، وفي كل زيارة وجولة؟ هناك العديد من المحطات، المليئة بالدلالات، نقف، في هذه الورقة، عند واحدة منها. تتعلق بزيارة أنفكو.
للإشارة، كانت هذه المنطقة شهدت، بين منتصف دجنبر 2006 وبداية يناير 2007، كارثة إنسانية، غرقت في مأساتها جماعة أنمزي- تونفيت بإقليم خنيفرة، التي فقدت نحو 30 طفلا، قضوا بأمراض مزمنة، تسببت فيها موجة البرد القارس. لم تكن المأساة بفعل الطبيعة، وإن كانت عاملا مباشرا فيها، فالسكان اعتادوا على قساوة الطبيعة، وتعايشوا معها، ولم تعد قادرة على أن "تأخذ منهم لا حق ولا باطل"، كما يقال، ولكن المأساة حدثت أساسا بفعل انعدام بنية تحتية صحية ملائمة، فليس هناك ماء ولا كهرباء، ولا طرق، ولا وسائل الاتصال، ولا أسباب العلاج. ليس هناك سوى البؤس والفقر والجوع والجهل والمرض والحاجة والإحباط.
وحين تغرق المنطقة في التساقط الكثيف للثلوج، وينخفض مستوى الحرارة إلى 16 درجة تحت الصفر، وتنقطع الطرق والمسالك، يصبح السكان معزولين عن العالم الخارجي، ويبيتون وجها لوجه أمام رائحة الموت، عزلا من كل وسائل المقاومة الطبيعية والبشرية والتكنولوجية.
أنفكو لا يمكن أن تكون من زمن آخر، وأن تبقى بلا محل من إعراب الوطن، فيما هي، ككل موقع ومدشر ومدينة وقرية ودوار، في القلب والعين. أنفكو، استفاقت يوم ثاني ماي المنصرم على يوم آخر، استعادت فيه إحساسها بالانتماء إلى الوطن، لتدرك المعنى العميق للنشيد الوطني، وتستعيد الثقة في الذات، وتمارس حقها في أن تتنفس الحب والأمل في الحاضر والمستقبل، وتنام الليل هانئة مطمئنة، وهي تعرف أن عينين باتتا ساهرتين على راحتها، في تينك الليلتين، ليلتي الجمعة ثاني ماي، والسبت ثالث ماي، اللتين ما كانتا ككل الليالي. ففي حضن أنفكو، كان يقضي الليل نفسه مواطن مغربي برتبة ملك، يمنح القرية حقها الطبيعي في الحلم بغدها الجميل. ملك غير معني بتوزيع أحلام الأوهام، بقدر ما هو منشغل بواقع الحال، وبالمآل والاستقبال، الذي لا يبنى بخطب وكلام، وإنما بتدابير وإجراءات عملية، ومخططات تنموية في عين المكان.
انشغال صاحب الجلالة بأوضاع المنطقة لم يكن، طبعا، وليد تلك الأيام الثلاثة (الجمعة والسبت والأحد)، التي قضاها بأنفكو، وإنما هو تتويج لمبادرات سامية انطلقت منذ بروز المأساة، من خلال توجيهات ملكية إلى الحكومة لاتخاذ ما يلزم من تدابير لفك العزلة عن العالم القروي والمناطق النائية، عبر خلق المرافق الضرورية، وإحقاق سبل العيش الكريم للمواطن المغربي في جل المناطق. وأثمر ذلك التحرك، في أعقاب مأساة أنفكو، وضع مخطط لمواجهة أخطار موجة البرد والانخفاض الحاد في درجات الحرارة على سكان المناطق الجبلية النائية، الذي تخلفه عادة التساقطات الثلجية، خلال فصل الشتاء، وخاصة بالمناطق الأطلسية الجبلية ذات الطبيعة الوعرة، التي تعرف تجمعات سكانية منعزلة.
وطيلة مقام الملك بإقليم خنيفرة، لعدة أسابيع، ومقامه بأنفكو، لثلاثة أيام، كان جلالته يعطي الانطلاقة للعديد من المشاريع الاجتماعية والاقتصادية، بمختلف مدن وقرى الإقليم، مشاريع ترمي إلى تحسين ظروف عيش السكان، من خلال ولوج جيد للخدمات الاجتماعية الأساسية، وتدعيم الخدمات العمومية، ودعم كفاءات وقدرات الجمعيات المحلية، إضافة إلى تشجيع الأنشطة المدرة للدخل.
ويتبين لمتتبع لهذه المشاريع أنها، مثل الأوراش الأخرى التي يفتحها جلالته في مختلف مناطق البلاد، مدققة ومرقمة، بمبالغ التمويل وأجندة الإنجاز، تشمل فك العزلة، وشق الطرق، وفتح المسالك، وتحسين الخدمات، في مجالات الصحة والتربية والتمدرس، وتغطية الدواوير بشكبة الهاتف المحمول، وتقريب الإدارة من المواطنين، والحماية من الفيضانات، والتزويد بالماء الشروب، والتطهير السائل، واستصلاح السواقي وقنوات الري، وتعزيز الأنشطة المدرة للدخل، وبناء المرافق الجماعية، والمراكز الاجتماعية.
ولا يشكل العمل الملكي على هذه الواجهة نشاطا ظرفيا أو موسميا، بل إنه يندرج ضمن استراتيجية متكاملة للبناء والتشييد، تقع التنمية البشرية في صلب أهدافها وأولوياتها، وهذا ما شدد عليه جلالة الملك في أكثر من مناسبة، في ظل الانتظارات الكبيرة لدى فئات عريضة من الشعب المغربي، وباعتبار تنمية الإنسان، في مختلف أبعادها المادية والمعنوية، هي الهدف الأخير والأسمى في كل مشروع مجتمعي جدير بالمصداقية. تنمية الإنسان من خلال مشاريع حقيقية على الأرض، تغذي الأمل في الحاضر والمستقبل، وتضع حدا لميولات ونزعات التشاؤم والإحباط.