حين شاهدت بندير الحاجة الحمداوية، وهو يرافق أغاني ورقصات حميد بوشناق، في إحدى السهرات التلفزيونية، وهما فوق "البلاتو" في انسجام ووئام تامين، يهزان بإيقاعهما المتناغم جيل الشباب الجديد.
ويشدان أنظار من بقي في البيوت متسمرا أمام الشاشة، هي القادمة من سنوات الخمسينيات، يوم كانت تهز، بالبندير ذاته، ليالي الرباط وباريس ووهران، وهي تصدح "أخوتنا في الإسلام، هزوا بنا الأعلام، وزيدوا بنا لقدام"، وهو الشاب الغض اليافع، الذي طلعت به الموجة الأخيرة، حينها قلت إن هذا لم يلغ ذاك، وإن هذا الدمج، وهذا التفاعل بين موسيقى وإيقاعات أغاني اليوم وأغاني الأمس، هو عين ما تسعى نحوه مختلف الحضارات، والأديان، والأعراق، والقوميات، نحو التعايش والاندماج والاستمرار، من دون إقصاء الآخر أو إلغائه.
فكما الحضارات تتلاقح وتأخذ من بعضها البعض، كذلك مختلف ألوان وأنماط الموسيقى قابلة، هي الأخرى، للتفاعل والاندماج والانصهار (الكناوي، الراب، الشعبي، الرينبي، الزعري، الحوزي، الميتال، البلوز، الراي...).
للموسيقى، كلغة عالمية، دور الريادة في تقريب الأذواق، والمفاهيم، والرؤى، والأحاسيس. ومن هنا، فإن الثقافة والفنون تعتبر أدوات نافذة في التقارب والتعارف والتعايش بين الشعوب.
حين وصلت بلادنا موجات فنية أنكلوساكسونية (إنجليزية وأميركية)، مثل رقصات التويست، وأغاني الروك أند رول، والبيتلز، وميوزيك كونتري، وغيرها، وأخرى قادمة من بلدان أميركا اللاتينية (الصامبا، والرامبا، والصالصا، والتانغو...)، وموجات فنية متعددة ومتنوعة، ولول بعض محدودي الآفاق من المتعصبين والمتزمتين ضد هذه الأنماط "الدخيلة"، وحاربوها، ولم يتفاعلوا معها. لكن هذه الموجات الفنية لم تمنع ولم تأخذ مكان الأغنية المغربية والعربية، لم تحجب فيروز، وأم كلثوم، وفايزة أحمد، ولا ألغت أحمد الغرباوي، وبهيجة إدريس، وأختها أمينة، بل ظلت مختلف هذه الألوان والفنون تتعايش في ما بينها، وكانت بمثابة "قيمة مضافة"، فتحت عيون وأبصار وأذواق المغاربة القابلين للانفتاح على ما تنتجه الشعوب الأخرى، واستجاب لها الناس وتغنوا بها ورقصوا لها ومعها.
إن عدم الاهتمام بهذه الظاهرة، أو عدم متابعتها ورفضها (الرفض كان كذلك من نصيب فرقة ناس الغيوان في بدايتها)، لم يساهم في موتها واقتلاعها من جذورها، بل، على العكس، سيترك الموقف السلبي من هذه الموجة الفنية الأجيال الجديدة تعيش غربة طالما عانى شبابها الأمرين، وسيترك جيل الشباب الجديد ينحو منحى مبتذلا ودونيا، ويسلك مسالك غير سوية، فعوض مهاجمتها ومعاقبتها، يفترض الاقتراب منها.
يتذكر الفنان عمر السيد، من مجموعة ناس الغيوان، أن التحفظ والاعتراض نفسيهما واجهتهما المجموعة في بداياتها الأولى، ابتداء من موسيقاهم وكلماتهم، وصولا إلى اللباس، الذي ظهر به أعضاء المجموعة، وطريقة تصفيف شعورهم. ومع مر الزمن، استأنست العيون والأذواق بالكلمات، وبطريقة اللباس وتسريحة الشعر.
إنه مثال حي ونموذج لما يلاقيه أي ابتكار وإبداع جديد، أو أي فكرة جديدة عندما تطرح للمرة الأولى، قد يجد هذا تجاوبا وقبولا من الشباب، بينما قد يلاقي تحفظا وامتعاضا من قبل من هم أكبر سنا منهم.
اليوم أمثال "الفناير"، و"بيك الخاسر"، وفرق "الهيب الهوب"، و"دركة" و"هوبا هوبا سبيريت"، وغيرها من المجموعات، تؤثث فضاءات الفرجة وسط الشباب، وتدعوها أحزاب سياسية وتنظيمات عرفت بجديتها وتقاليدها المحافظة، لإحياء مهرجاناتها وملتقياتها، كما فعل حزب "القوات الشعبية" مع "بيك الخاسر"، الذي لا يجد غضاضة في تنشيط حفل غنائي لحزب "العدالة والتنمية" إذا ما عرض عليه ذلك، من دون أن أي استعداد لتغيير كلماته أو طريقة أدائه، ولا يتردد في حضور لقاءات كاتب الدولة سابقا في الداخلية، فؤاد عالي الهمة، في حركته لكل الديمقراطيين، التي جابت البلاد بالطول والعرض.
المهرجانات الفنية والثقافية، التي تنظم في مختلف المدن والأقاليم، هي فضاء ومجال للترفيه عن النفس والاستفادة، وفرصة لإبراز طاقات الشباب، ونشر قيم الانفتاح والتسامح، ونبذ كل أشكال التطرف والتعصب. المهرجانات الفنية والثقافية اليوم هي بمثابة تطوير كمي ونوعي لتلك الفضاءات والمواسم التقليدية، التي كانت تؤثث ليالي وأيام زمان، أثناء مواسم الحصاد، وفي مناسبات الفرح الجماعي، فهي مهرجانات تعد استمرارا لتلك الثقافة الجماعية، التي تعمل على شد أواصر التآلف والالتحام والتآزر، والتي لم تكن بدورها تخلو من عراقيل وانتقادات من طرف المتزمتين.
وبغض النظر على ما يطبع هذه المهرجانات من نواقص وثغرات، التي تصل أحيانا إلأى ارتكاب خروقات وانتهاكات، بيد أن ذلك لا يمكن أن يغطي على ما تحبل به من غنى وتنوع التعدد الثقافي والفني، الذي يبرز ما يزخر به المغرب من إمكانيات وطاقات في شتى حقول المعرفة والإبداع، في ربط مرن بين الماضي التليد والحاضر الجديد، إلى جانب كون هذه المهرجانات تعمل على تجنيب الشباب مزالق الانحراف والارتماء في مسالك التطرف والتكفير.
والأهم من هذا وذاك أنها تتيح فضاءات رحبة أمام الشباب للتعبير عن مشاكلهم، عن طريق الأغنية، أو الرقص، أو اللوحة الفنية، وغيرها من أشكال التعبير، حتى لا يبقى الشباب عرضة للأفكار السوداء الظلامية، التي تبثها تيارات تتستر برداء الدين، أو تدعو إلى العدمية.
الفرق الموسيقية الجديدة، مثل "الفناير"، تتطرق كباقي الفرق الموسيقية الأخرى، لمواضيع جادة، وملتزمة، وهادفة، مثل الدعوة إلى التشبث بقيم الانفتاح والتسامح، ونبذ التعصب والانغلاق، كما تتطرق إلى مواضيع الانتخابات، والسيدا، والفقر، والظلم، والتسلط، وفلسطين والعراق... تحاول أن تتحدث باسم الشباب المغربي المتعطش لسماع أغانيها، بغاية ترميم ذاته المشروخة، اليائسة، الحانقة، والمتمردة على كل أشكال الإقصاء والتهميش والحيف الاجتماعي والسياسي.
إن هناك طريقتين للتعامل مع الشباب في عالم اليوم، طريقة تعتمد الأقفال والأسوار والخوف وسيلة لترويض الأجيال الجديدة وإخضاعها لسلطة الانضباط والنمطية. وطريقة الثقة في ذكاء المواطن، واعتماد المشاركة والحوار وحرية التعبير عن الذات. ففي عصر الإنترنت، لم يعد هناك ما يبرر إعادة إنتاج هذه الأسوار في دواخلنا، التي ليس من شأنها سوى تفريخ أجيال من الشباب لا ترى أمامها سوى طريق "البومبا" و"البارود" و"الكربينا".