بعد أسبوعين من النشاط المحموم، بات واضحا طموح الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، لأن يصبح لاعبا أساسيا في عملية السلام بالشرق الأوسط، وأن يضع فرنسا في قلب الساحة الدبلوماسية العالمية.
فمنذ بداية الشهر، حضر ساركوزي قمة مجموعة الثماني في اليابان، وقدم عرضا خاصا في البرلمان الأوروبي، واستضاف اجتماعا شارك فيه 43 من زعماء دول الاتحاد الأوروبي والدول المطلة على البحر المتوسط، لإطلاق تحالف أوروبي متوسطي. وأفسحت الشكوك الأولية المجال للإشادة اعترافا بقدرته على الجمع بين العدوين اللدودين، إسرائيل وسوريا، تحت سقف واحد، وإعطاء دفعة لعملية السلام المتعثرة منذ عقود في المنطقة.
قال بول باكو، أستاذ الشؤون السياسية في جامعة العلوم السياسية، بمدينة ليون "جرى تنفيذ الحدث بشكل جيد، ومن المؤكد أنه يجسد على أنه نجاح لساركوزي، لكن النجاح بني حول صور وخطب عصماء. من السابق لأوانه بشدة القول ما إذا كان أي من هذه الجهود الدبلوماسية سيسفر عن نتائج ملموسة، أو يعزز الموقف الدولي لفرنسا".
وربما يسخر منتقدون من أداء ساركوزي المؤثر، ويثيرون الشكوك بشأن الفوائد التي ستعود من اتحاده المتوسطي على المدى الطويل، لكن قلة هي التي تستطيع أن تشكك في الطاقة الهائلة التي بذلها منذ تولت فرنسا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في فاتح يوليوز.
قال ساركوزي، الاثنين الماضي، مع توجه آخر ضيوفه إلى المطار "إنني سعيد أن كل شيء قد أنجز. سيخف عبء العمل قليلا لأن العبء، بصراحة، في الأيام الأخيرة كان ثقيلا جدا، أكثر من ذي قبل".
وجاءت الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، التي تستمر ستة أشهر، في لحظة مشؤومة بالنسبة لساركوزي، إذ انخفضت معدلات التأييد له إلى مستوى متدن، بلغ 34 في المائة، وصدم باستياء الناخبين من شخصيته الفظة وضعف الاقتصاد.
لكن هذا لم يردع ساركوزي، إذ سعى إلى استغلال فرصة سانحة على الساحة الأوروبية، فالمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، ورئيس الوزراء البريطاني، غوردون براون، مشتتان بسبب المشاكل السياسية الداخلية التي يواجهانها، ما خلف فراغا على القمة.
وأوضح ساركوزي مدى الجدية التي يتعامل بها مع دوره في الاتحاد الأوروبي، حين ظهر، الأسبوع الماضي، أمام البرلمان الأوروبي الذي كثيرا ما يشهد خلافات، ليرد على أسئلة لأكثر من ثلاث ساعات، من دون الرجوع إلى ملاحظات مدونة، رغم أنه كان يعاني من اضطراب النظام اليومي، نتيجة فروق التوقيت الذي يعقب السفر بعد زيارته لليابان.
وعرض برنامجا طموحا، بأمل أن يجد سبيلا لإنقاذ معاهدة لإصلاح الاتحاد الأوروبي، نسفها رفض الإيرلنديين لها في استفتاء، ووعد بالتوصل إلى اتفاق بشأن التغير المناخي في الاتحاد، البالغ عدد أعضائه27.
قال هانز إيرت بويترينغ، رئيس البرلمان الأوروبي "لا أستطيع أن أتذكر خلال 29 عاما لي في البرلمان أنني رأيت رئيسا أوروبيا يمضي ثلاث ساعات ونصف في مناظرة، ويجيب عن كل الأسئلة".
لكن في الأسبوعين الأخيرين بدا واضحا أن ساركوزي يتطلع إلى الحصول على دور كبير لنفسه، ليس في أوروبا فحسب، بل أيضا في الشرق الأوسط، حيث أقنع معظم زعماء المنطقة بالتوجه إلى باريس والمشاركة في بعض المفاوضات الحساسة.
وساعدت دعوته في إعادة تأهيل الرئيس السوري، بشار الأسد، في الغرب، ورغم رفض الأسد مصافحة رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، في باريس، فإن وجودهما في الغرفة نفسها يعطي أملا في المستقبل.
وقال ساركوزي الذي بدا عليه الرضا للصحفيين "أظهرت القمة أن هناك حاجة إلى أوروبا وفرنسا إذا كان للسلام أن يتحقق في الشرق الأوسط". ويبدو حريصا على لعب دور الوسيط، فيما تعاني الولايات المتحدة من التشتت بسبب الانتخابات الرئاسية، وعمل جاهدا لإقناع واشنطن بنواياه الطيبة.
ولم تفعل الإدارة الأميركية أي شيء، حتى الآن، للوقوف في طريقه، ما يغلق صفحة الاتهامات المتبادلة، حين كان الرئيس الفرنسي السابق، جاك شيراك، في منصبه، لكن محللين حذروا من أن على ساركوزي ألا يتوقع الكثير. وقالت كلارا أودونيل، الباحثة بمركز الإصلاح الأوروبي في لندن "من الواضح أن ساركوزي وجد متعة بالغة تحت الأضواء، لكن القيادة يجب أن تأتي من الولايات المتحدة. فرنسا تستطيع أن تلعب دورا مفيدا في مساعدة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكنها لا يمكن أن تقود أبدا".