أكدت نتائج دراسة تحليلية أعدها صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، حول وضعية الطفولة بالمغرب، أنه، رغم التقدم الكبير الذي أحرزه المغرب في مجال تكريس حقوق الطفل، ما يزال يتعين بذل المزيد من الجهود على الكثير من الأصعدة.
وعكست النتائج مظاهر التقدم المسجل في مسار تكريس حقوق الطفل في مجالات الحماية، والتعليم، والصحة، والمشاركة، والتحديات التي تواجهها هذه الشريحة.
وعزت الدراسة تحقيق هذه النتائج إلى "الالتزام السياسي على أعلى مستوى، وكذا تعبئة جميع مكونات المجتمع المغربي، بما في ذلك القطاعات الحكومية المعنية بملفات الطفولة والمرأة والتنمية الاجتماعية والفاعلين الجمعويين والمنظمات الدولية".
وتضمن تقرير اليونيسيف، الذي أنجز وفق مقاربة حقوق الإنسان، تطور وضعية الأطفال، خلال السنوات الخمس الأخيرة، وكذا أهم مواطن القصور في مجال احترام حقوق الطفل، عبر معالجة كل مستوى من مستوياتها على حدة، وتحليل أسبابها واستخلاص التوصيات التي من شأنها المساعدة على تجاوز التحديات المطروحة. الإطار العام للدراسة تحدث عن التحولات التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة وخاصة التحول الديمغرافي، الذي كان أسرع مما كان متوقعا، إذ بلغ عدد السكان سنة 2004 أزيد من 29 مليون نسمة، منهم 11.7 مليون شخص دون سن الثامنة عشرة، أي أنه نمو سجل وتيرة نسبتها 1.4 في المائة، مقابل نسبة 2.04 في المائة خلال العشر سنوات الماضية.
أما على المستوى السوسيو اقتصادي، فسجل التقرير تراجع معدلات الفقر، إذ لم تعد تهم سوى 13.7 في المائة من المغاربة، مقابل 23.1 في المائة في الوسط القروي، وتبقى نسبة 25 في المائة من السكان معرضة لهذه المعضلة، لأن الفئات المحرومة والهشة لا تستفيد إلا بشكل محدود وغير منتظم من الخدمات الاجتماعية الأساسية. لذلك يأتي إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لتقويم الاختلالات، وتحسين الوضعية الاجتماعية لتلك الفئات.
إن ضمان حق الأطفال في الحياة يقتضي اتخاذ تدابير تتيح تمديد معدل الأمل في الحياة، عبر مكافحة الأمراض، وضمان الرعاية الصحية، وتوفير الماء الصالح للشرب والأغذية الصحية والغنية... كما يقتضي ضمان صحة الأم. وذلك وفق ما تنص عليه اتفاقية حقوق الطفل الدولية.
ويستفاد من التقرير أنه رغم الجهود التي يبذلها القائمون على القطاع الصحي، فإنه ما يزال زهاء 5 أطفال من أصل 100 يموتون دون الخمس سنوات، بسبب إصابتهم بأمراض تنفسية وبحالات الإسهال الحاد، بينما يتوفى نصف هذا العدد قبل إتمام الشهر الأول، لأسباب ترتبط بنقص المراقبة الطبية وقلة العلاجات خلال فترة الحمل وعند الولادة. كما يشكل سوء التغذية سببا آخر من أسباب الوفاة المبكرة.
وأفاد التقرير أن نسب الإرضاع الطبيعي من الثدي، عرفت بالنسبة إلى الأطفال الأقل من 6 شهور، في أقل من عشر سنوات، تراجعا كبيرا من 41 في المائة إلى 32 في المائة خلال سنتي 2003/2004. وازدادت هذه الوضعية تفاقما، بحسب نتائج "الدراسة متعددة المؤشرات وصحة الشباب"، التي أنجزتها اليونيسيف بتعاون مع وزارة الصحة وصندوق الأمم المتحدة للسكان، لتحصر هذه النسب في حدود 15 في المائة فقط، سنة 2006.
وبخصوص انتقال فيروس فقدان المناعة المكتسبة (السيدا) من الأم إلى طفلها، فإن الفيروس ما زال يكتشف لدى الطفل قبل اكتشافه لدى الآباء، في غالبية الحالات.
وفي ما يتعلق بحق الأطفال في الولوج إلى العلاجات الطبية، فإنه جرى تسجيل الكثير من الاختلالات، التي تعود بالأساس إلى التوزيع غير العادل لشبكة مؤسسات العلاجات الصحية الأساسية بين مختلف الجهات، إذ يلاحظ وجود مؤسسة واحدة لكل 4930 نسمة في بعض المناطق، بينما توجد، في مناطق أخرى، مؤسسة واحدة لكل 36800.
وتتجلى الأسباب الهيكلية لهذه الوضعية، حسب نتائج الدراسة، في قلة الاعتمادات المالية التي ترصد لقطاع الصحة وضعف المخصصات المالية، التي ترصد للمرأة والطفل في هذه الميزانية، والتي لا تتجاوز 7 في المائة، وندرة الموارد البشرية وسوء توزيعها، يضاف إلى ذلك سوء التدبير وغياب التنسيق بين القطاعين العام والخاص، فضلا عن مظاهر العزلة، التي تعانيها الكثير من المناطق، واستفحال ظاهرتي الفقر والأمية.
ورغم اعتماد نظام التأمين الصحي الإجباري، فإن 30 في المائة فقط من السكان يستطيعون الاستفادة من تأمين صحي.
وتتعلق النقطة الثانية، التي عالجتها الدراسة، بموضوع الحق في التنمية، وذلك من خلال ضمان الولوج إلى تعليم تتوفر فيه مقاييس الجودة. وفي هذا الصدد لوحظ أنه ، منذ سنة 2000، تحقق تقدم ملموس في مجال تعميم التعليم الأولي، بينما تسجل، في الوقت ذاته، التأخير الكبير في آجال تنفيذ الإصلاح على مستوى بعض أسلاكه.
ويتجسد النقص في جودة التعليم، من جانبه، في ضعف المردودية، إذ تبقى نسب الهدر المدرسي من بين النسب الأكثر ارتفاعا في العالم العربي، إذ تصل إلى حدود 6 في المائة على مستوى السلك الابتدائي، حسب إحصاءات حديثة أصدرتها وزارة التربية الوطنية في غشت من سنة 2007، ليبلغ العدد الإجمالي للتلاميذ الذين يغادرون المدرسة 218568 كل سنة.
وتتحدد الأسباب الهيكلية الكامنة خلف هذه الوضعية في ارتفاع نسب الفقر وغياب تعبئة عامة لكل القطاعات وراء وزارة التربية الوطنية لدعم مجهوداتها. بيد أن ذلك يتوقف على "سيطرة بعض المعتقدات والقيم. ذلك أن حل المشاكل المعقدة، المرتبطة بجودة التعليم تحيل على سؤال جوهري لم يتم الحسم فيه بعد وهو: ما هو المشروع المجتمعي الذي يطمح المغاربة إلى بنائه للمستقبل؟".
وتعتبر الدراسة أن هناك عدة أطراف معنية بتمكين الأطفال من حقهم في التعليم، على رأسها وزارة التربية الوطنية المسؤولة المباشرة عن جودة التعليم وملاءمة الكتب المدرسية مع مقتضيات اتفاقية حقوق الطفل، والبرلمان كمراقب لعمل الحكومة الخاص بتحسين جودة التعليم، والفاعلون في المجتمع المدني الذين يثيرون النقاش حول الموضوع. وتبقى أسر الأطفال في طليعة المتدخلين.
غير أن التقرير انتقد سياسة المغادرة الطوعية التي لم تراع أهداف الإصلاح التربوي.
الحق في المشاركة والتعبير الحر.
أما المستوى الثالث الذي اهتمت به الدراسة، فيتعلق بالحق في المشاركة، سواء كان ذلك في الوسط العائلي، أو في المدرسة أو داخل المؤسسات، أو على مستوى الهيئات المنتخبة أو الهيئات القضائية، كما في داخل الفضاءات الثقافية، أو في وسائل الإعلام.
وتقف الدراسة عند عزوف الآباء عن أخذ رأي أطفالهم بعين الاعتبار وخاصة في الأوساط المتدنية اقتصاديا. كما تقف عند محدودية المبادرات التشاركية لفائدة الطفل في المدرسة، وخاصة في مؤسسات الرعاية الاجتماعية. كما تثير الانتباه إلى تجاهل الأطفال في وسائل الإعلام.
أما الترفيه، فيعد أحد أهم عناصر إدماج الشباب في محيطهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وتعتبر مراكز الإيواء ودور الشباب والجمعيات الشبابية وحركات الطفولة، فضاءات لمزاولة الحق في الترفيه. ويتحدث التقرير عن 30 مركزا لإيواء الأطفال عبر المملكة توفر أنشطة ثقافية ورياضية ورحلات ومسابقات، لكنها تبقى محتكرة من فئات محدودة من الرواد. في حين تعتبر دور الشباب وعددها 300 دار موزعة بين العالم الحضري (200) والعالم القروي(100)، المتنفس للترويح عن النفس وصقل المواهب، غير أن أقل من 3 شباب فقط من أصل 10 في البوادي، يستفيدون من هذه الأندية، رغم الجهود المبذولة لمضاعفة أعداد هذه المؤسسات.
القسم الرابع المتعلق بالحق في الحماية، يعالج الكثير من النقاط منها على الخصوص الأطفال العاملون والأطفال ضحايا الاستغلال الجنسي والأطفال الذين يتعرضون لسوء المعاملة والأطفال في وضعية إعاقة.
وبينت الدراسة، على سبيل المثال، أن الأرقام الرسمية للأطفال العاملين والذين يبلغ عددهم زهاء 642 ألفا، تبقى أرقاما لا تعكس الواقع، ذلك أن مليونا ونصف المليون من الأطفال البالغين سن التمدرس لا يذهبون إلى المدرسة، وحيث أن العمل المنزلي لا يؤخذ، في الغالب، بعين الاعتبار. ويبقى أن 87 في المائة من الأطفال العاملين يتمركزون في الوسط القروي.
أما الأطفال في وضعية إعاقة، فإنهم لا يتمتعون، دائما، بحقوقهم الأساسية. إذ تبقى نسب المتمدرسين، بين هؤلاء المتراوحة أعمارهم ما بين 6 و 11 سنة، ضعيفة ولا تتعدى 32 في المائة، مقارنة بالمعدل الوطني الذي يقارب 93 في المائة. كما أن ولوج هذه الفئة للخدمات الصحية الأساسية يبقى محدودا، فضلا عن تعرض البعض منهم لبعض مظاهر الحيف الاجتماعي وللعنف الجسدي والنفسي.
وتعرض التقرير إلى وضعية الأطفال ضحايا الاستغلال الجنسي من خلال رصد المكالمات الهاتفية التي ترد على المرصد الوطني لحقوق الطفل، إذ أن ثلاثة أرباع هذه المكالمات تهم الاعتداءات الجنسية.
واتخذت إجراءات لضمان ملاءمة التشريع الوطني مع القانون الدولي منها إصلاح القانون الجنائي الذي يقضي بتشديد العقوبات الخاصة بالجنح المرتبطة بالدعارة.
ويعاني الفاعلون الجمعويون بدورهم غياب التأطير وقلة الموارد. أما الدولة، فإنه يتعين أن تعمل، كما ذهبت إلى ذلك الدراسة، على تعزيز قدراتها والرفع من الموارد المالية المخصصة لقطاع الصحة، وذلك بالإقرار السريع لنظام للتغطية الاجتماعية خاص بالفئات الأكثر فقرا وتقوية هامش "الحق في الصحة" في التشريعات الوطنية.
ينشط اليونيسيف في أكثر من 150 بلدا ومنطقة عبر العالم لتمكين الأطفال على البقاء على قيد الحياة ومساعدتهم على النمو والتفتح، وذلك منذ نعومة أظافرهم وإلى غاية انتهاء مرحلة المراهقة.
ويدعم اليونيسيف، الذي يعد أول مزود عالمي للقاحات الوجهة، على الخصوص، للبلدان السائرة في طريق النمو، سياسات البلدان بخصوص الصحة والتربية الغذائية للأطفال والولوج إلى موارد الماء الصالح للشرب ووسائل التطهير والصرف الصحي. كما يساند على توفير تعليم أساسي تتوفر فيه مقاييس الجودة لفائدة الأطفال من الجنسين وحمايتهم من مظاهر العنف وجميع أشكال الاستغلال وتقليص تعرضهم لمخاطر داء السيدا.
ويضمن تمويل هذا الصندوق بفضل مساهمات طوعية من أشخاص ذاتيين وشركات ومؤسسات والحكومات.