قدم مكتب صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة ( يونيسيف) بالمغرب، أول أمس الثلاثاء بالرباط، تقريرا حول وضعية الأطفال بالمملكة، تضمن لمحة عن تطور وضعيتهم خلال السنوات الخمس الأخيرة.
ويستفاد من التقرير أنه رغم الجهود التي يبذلها القائمون على القطاع الصحي، فإنه ما يزال زهاء 5 أطفال من أصل 100 يموتون دون الخمس سنوات، بسبب إصابتهم بأمراض تنفسية وبحالات الإسهال الحاد، بينما يتوفى نصف هذا العدد قبل إتمام الشهر الأول، لأسباب ترتبط بنقص المراقبة الطبية وقلة العلاجات خلال فترة الحمل وعند الولادة. كما يشكل سوء التغذية سببا آخر من أسباب الوفاة المبكرة.
وأفاد التقرير أن نسب الإرضاع الطبيعي من الثدي عرفت بالنسبة إلى الأطفال الأقل من 6 شهور، في أقل من عشر سنوات، تراجعا كبيرا من 41 في المائة إلى 32 في المائة خلال سنتي 2003/2004. وازدادت هذه الوضعية تفاقما، بحسب نتائج "الدراسة متعددة المؤشرات وصحة الشباب"، التي أنجزتها اليونيسيف بتعاون مع وزارة الصحة وصندوق الأمم المتحدة للسكان، لتحصر هذه النسب في حدود 15في المائة فقط، سنة 2006.
وبخصوص انتقال فيروس فقدان المناعة المكتسب – السيدا من الأم إلى طفلها، فإنه، على حد ما وصلت إليه نتائج الدراسة، "ما زال الفيروس يكتشف لدى الطفل قبل اكتشافه لدى الآباء، في غالبية الحالات".
وفي ما يتعلق بحق الأطفال في الولوج إلى العلاجات الطبية، فإنه جرى تسجيل الكثير من الاختلالات، التي تعود بالأساس إلى التوزيع غير العادل لشبكة مؤسسات العلاجات الصحية الأساسية بين مختلف الجهات، إذ يلاحظ وجود مؤسسة واحدة لكل 4930 نسمة في بعض المناطق، بينما توجد، في مناطق أخرى، مؤسسة واحدة لكل 36800.
وتتجلى الأسباب الهيكلية لهذه الوضعية، حسب نتائج الدراسة، في قلة الاعتمادات المالية التي ترصد لقطاع الصحة وضعف المخصصات المالية، التي ترصد للمرأة والطفل في هذه الميزانية، والتي لا تتجاوز 7 في المائة، وندرة الموارد البشرية وسوء توزيعها، يضاف إلى ذلك سوء التدبير وغياب التنسيق بين القطاعين العام والخاص، فضلا عن مظاهر العزلة، التي تعاني منها الكثير من المناطق، واستفحال ظاهرتي الفقر والأمية.
وتتعلق النقطة الثانية التي عالجتها الدراسة بموضوع الحق في التنمية، وذلك من خلال ضمان الولوج إلى تعليم تتوفر فيه مقاييس الجودة. وفي هذا الصدد لاحظت الدراسة أنه جرى، منذ سنة 2000، تحقيق تقدم ملموس في مجال تعميم التعليم الأولي، بينما تسجل، في الوقت ذاته، التأخير الكبير في آجال تنفيذ الإصلاح على مستوى بعض أسلاكه.
ويتجسد النقص في جودة التعليم، من جانبه، في ضعف المردودية، إذ تبقى نسب الهدر المدرسي من بين النسب الأكثر ارتفاعا في العالم العربي، إذ تصل إلى حدود 6 في المائة على مستوى السلك الابتدائي، حسب إحصاءات حديثة أصدرتها وزارة التربية الوطنية في غشت من سنة 2007، ليبلغ العدد الإجمالي للتلاميذ الذين يغادرون المدرسة 218568 كل سنة.
وتتحدد الأسباب الهيكلية الكامنة خلف هذه الوضعية في ارتفاع نسب الفقر وغياب تعبئة عامة لكل القطاعات وراء وزارة التربية الوطنية لدعم مجهوداتها.
أما المستوى الثالث الذي اهتمت به الدراسة، فيتعلق بالحق في المشاركة، سواء كان ذلك في الوسط العائلي، أو في المدرسة أو داخل المؤسسات أو على مستوى الهيئات المنتخبة أو الهيئات القضائية، كما في داخل الفضاءات الثقافية أوفي وسائل الإعلام. وفي هذا السياق ما زالت هناك الكثير من الجهود التي يتعين بذلها.
ويعالج القسم الرابع المتعلق بالحق في الحماية، الكثير من النقاط منها على الخصوص الأطفال العاملون والأطفال ضحايا الاستغلال الجنسي والأطفال الذين يتعرضون لسوء المعاملة والأطفال في وضعية إعاقة.
وبينت الدراسة، على سبيل المثال، أن الأرقام الرسمية للأطفال العاملين والذين يبلغ عددهم زهاء 642 ألفا تبقى أرقاما لا تعكس الواقع، ذلك أن مليون ونصف المليون من الأطفال البالغين سن التمدرس لا يذهبون إلى المدرسة، وحيث أن العمل المنزلي لا يؤخذ، في الغالب، بعين الاعتبار. ويبقى أن 87 في المائة من الأطفال العاملين يتمركزون في الوسط القروي.
أما الأطفال في وضعية إعاقة، فإنهم لا يتمتعون، دائما، بحقوقهم الأساسية. إذ تبقى نسب المتمدرسين بين هؤلاء المتراوحة أعمارهم ما بين 6 و 11 سنة، ضعيفة ولا تتعدى 32 في المائة مقارنة بالمعدل الوطني الذي يقارب 93 في المائة. كما أن ولوج هذه الفئة للخدمات الصحية الأساسية يبقى محدودا فضلا عن تعرض البعض منهم لبعض مظاهر الحيف الاجتماعي وللعنف الجسدي والنفسي.
وأكد الممثل المساعد لليونيسيف بالمغرب، لينين غوزمان، أن نتائج الدراسة التحليلية تعكس التقدم الكبير، الذي أحرزه المغرب في مجال تكريس حقوق الطفل، التي تتجسد أهم مظاهرها في مجالات صيانة الحق في الحماية والحق في التعليم والحق في الصحة والحق في المشاركة، وهي نتائج تسنى تحقيقها "بفضل الالتزام السياسي على أعلى مستوى وكذا بفضل تعبئة جميع مكونات المجتمع المغربي، بما في ذلك القطاعات الحكومية المعنية بملفات الطفولة والمرأة والتنمية الاجتماعية والفاعلين الجمعويين والمنظمات الدولية".
وأضاف أن برنامج التعاون بين الحكومة المغربية واليونيسيف برسم الفترة2007 - 2011 ساهم في دعم جهود المغرب في هذا الاتجاه من أجل رفع تحدي تطبيق معاهدة حقوق الطفل والمضي نحو تحقيق الهدف الرابع ضمن الأهداف الإنمائية للألفية، والذي يروم تقليص وفيات الأطفال دون سن الخامسة إلى ثلثي العدد في أفق2015 .
من جهتها، ذكرت وزيرة الصحة، ياسمينة بادو، بأن المغرب يعد ضمن البلدان الأولى التي صادقت على المعاهدة الدولية المتعلقة بحقوق الطفل ( سنة1993 )، مبرزة أن المملكة اتخذت العديد من الإجراءات لتجسيد هذه المعاهدة، من خلال برامج التلقيح والنهوض بالمؤسسات الصحية وطب الأطفال حديثي الولادة في المستشفيات العمومية.
وشكل هذا اللقاء أيضا مناسبة لتقديم التقرير حول "وضعية الأطفال في العالم 2008"، حول موضوع "لنضاعف الجهود من أجل بقاء الأطفال".