اتهم محمد اليازغي أعضاء المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي بسياسة تصفية الحسابات، لأنهم لم ينتظروا حتى يلتئم المجلس الوطني، ويقدم تقريره، ويتخذ المجلس ما يراه مناسبا، وقال إن "هذه السياسة لا يمكنها أن تمر، وبالفعل فقد رفضها المجلس الوطني".وأكد الكاتب الأول
ونفى اليازغي أن يكون قدم استقالته، وإنما غادر موقعه ككاتب أول، وجمد نشاطه في المكتب السياسي، مشددا على أنه سيستمر في ممارسة نشاطه كمناضل قاعدي، وسيتحمل مسؤوليته كعضو بالمجلس الوطني، مبرزا أنه سيعمل على انبثاق قيادة جديدة للاتحاد الاشتراكي، وسيدافع عن مرشح آخر لتولي منصب الكاتب الأول، الذي قال إنه سيسعى لإقناع الاتحاديين بأن يكون انتخابه مباشرة من المؤتمر، وليس من المكتب السياسي.
بداية, نرحب بمحمد اليازغي، في هذا الفصل الأول من منتدى مجموعة "ماروك سوار" خلال سنة 2008، والذي ارتأينا أن نخصصه لتشكيلة طبعت الحياة السياسية في البلاد، على مدى السنوات الماضية. كما أنها تشكل اليوم محورا رئيسيا في الجدل حول الحياة السياسية بالمغرب.
يتعلق الأمر بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فشكرا لكم، السيد اليازغي، على هذا الحضور، وعلى تخصيص مجموعة "ماروك سوار" بهذا الانفراد الإعلامي، بعد اجتماع المجلس الوطني للحزب.
- في البداية، أشكركم على دعوتي إلى هذا المنتدى، الذي هو الأول في السنة الجديدة. أعتقد أنها مناسبة، بالفعل، عبر مجموعتكم الصحفية، لفتح النقاش وإطلاع القراء المغاربة على عدد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لم أشارك في اجتماع المجلس الوطني للحزب، في بدايته، حتى يكون الأمر واضحا، ذلك أنني توجهت إلى الاجتماع، في اليوم الثاني بعد الظهر.
أذكر، هنا، أنني حددت في رسالتي إلى المكتب السياسي وإلى مناضلي الحزب، في شهر دجنبر الماضي، أنني سأوضح موقفي خلال اجتماع المجلس الوطني التالي. كان لابد إذن من ترك الفرصة للمكتب السياسي وللمجلس الوطني من أجل النقاش. وبالفعل كان النقاش مهما ومثمرا، إذ ناقش المناضلون مع المكتب السياسي القضايا التي تهمهم. وكان المكتب السياسي في قلب النقاش أثناء اجتماع المجلس الوطني.
بالفعل، كانت هناك نداءات من طرف العديد من المناضلين، خلال النقاش في اليوم الأول، لكي أحضر اجتماع المجلس الوطني، فوجهت رئاسة الاجتماع دعوة لكي أحضر. هنا ارتأيت أن علي، بالفعل، أن أحضر، وأوضح الأمور أمام المجلس الوطني.
- هناك، في الواقع أمران اثنان. هناك، أولا الانتخابات التشريعية لسابع شتنبر، التي صدمت نتائجها مناضلي الاتحاد الاشتراكي. فرغم أن عدد مقاعد الحزب لم يتغير كثيرا، مقارنة مع انتخابات 2002، انحدر الحزب من الرتبة الأولى إلى الرتبة الخامسة، من حيث عدد المنتخبين. إن الفرق ضئيل، سواء من حيث عدد المقاعد أم عدد الأصوات، لكن هناك تراجعا، وهذا هو الواقع، الذي أحدث صدمة داخل الحزب، على جميع المستويات، من المكتب السياسي إلى الفروع.
وعندما عين جلالة الملك الوزير الأول، جمع الحزب برلمانه، المتمثل في المجلس الوطني. وعندما اتصل بي السيد عباس الفاسي، مباشرة بعد تعيينه، قلت له إنني لا يمكن أن أعطي موقفا بشأن الحكومة المقبلة إلا بعد انتهاء أشغال المجلس الوطني للحزب. وهذا هو الأمر الثاني، أي الحكومة بعد الانتخابات.
وبالفعل، ناقش المجلس موضوع المشاركة في الحكومة، وكذا نتائج الانتخابات، وانتهى إلى اتخاذ قرارين مهمين، يتعلق الأول بإحداث لجنة لتقييم الانتخابات، أوكلت إليها مهمة دراسة كل الجوانب في الموضوع واستخلاص الدروس. أما القرار الثاني للمجلس، فكان هو تفويضه المكتب السياسي لإجراء وتدبير الاستشارات بخصوص تشكيل الحكومة الجديدة. ولابد من التأكيد هنا على أن القرار الثاني خضع للتصويت داخل المجلس، وكانت النتيجة هي 251 صوتا مع القرار، وثلاثة معارضين، و13 ممتنعا عن التصويت.
تقرر أيضا، آنذاك، أن يجتمع المجلس الوطني بعد مدة شهرين من ذلك التاريخ. لكن بعد تشكيل الحكومة، ظهر أن بعض الرفاق من المكتب السياسي اعتبروا أن هناك حاجة وضرورة لحدوث صدمة في البلاد، وفي الاتحاد الاشتراكي. كانت هذه الصدمة، في تقديرهم، تتمثل في العودة إلى نمط في القيادة، سبق أن عرفه حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، في نهاية خمسينيات القرن الماضي، ويتعلق الأمر بالقيادة الجماعية للحزب.
من جهتي، اعتقدت بإمكانية حدوث الصدمة، لكن أعربت عن تخوفي من الوقوع في أزمة لا أحد يعرف إلى أين ستؤدي. وبخصوص هذا الوضع في المكتب السياسي، اعتقدت أنه من واجبي أن أوجه تلك الرسالة إلى المكتب السياسي وإلى المجلس الوطني وعموم المناضلين. لم أقل في الرسالة إنني أقدم استقالتي، فأنا لم أستقل. غادرت موقعي ككاتب أول، وجمدت نشاطي في المكتب السياسي، إلى حين اجتماع المجلس الوطني.
- أولا، أوضحت لإخوتي في المكتب السياسي أن هذا المسلسل الذي مضوا فيه صعب، ثانيا قدمت في المجلس الوطني توضيحات حول فكرة الرجوع إلى القيادة الجماعية، وحول الموقف الذي اتخذته حفاظا على وحدة الحزب، فلو استمررنا في الصراع على أشياء أعتقد أنها غير ذات أهمية، لكنا في وضعية أسوأ مما هي عليه اليوم، كانت قناعتي هي أن القيادة الجماعية لا تصلح للحزب.
- هذا قرار اتخذته لأفسح المجال لأعضاء المجلس الوطني ليناقشوا هذا الأمر، فلو حضرت، لاعتبر الناس أنه لم يعد هناك مشكل، وبالتالي، وعندما ظهرت الحاجة إلى حضوري، استجبت لنداء إخوتي.
- المكتب السياسي عقد اجتماعه الأسبوعي يوم (الثلاثاء)، ولم أحضر، وقلت للمجلس الوطني إنني من الآن فصاعدا، سأشتغل كعضو بالمجلس الوطني.
- ليس في المكتب السياسي.
- لم يكن هناك انتقاد لتقديم سبع حقائب، إذ التزمت في المشاورات بتوصية المجلس الوطني، وطرحت أنه لا يمكن أن يقع التعامل مع الحزب على أساس وزنه الانتخابي، أي المرتبة الخامسة، بل اعتبارا لوزنه السياسي ووزنه الحقيقي في المشهد السياسي. وهكذا عرضت 7 قطاعات يطالب الاتحاد بالمسؤولية على رأسها.
- هذا كان في بداية المشاورات، لما اجتمعت بالسي عباس الفاسي، بعد مجلسنا الوطني، طرحت نقطتين، الأولى متعلقة بالبرنامج، على أساس أن لنا أرضية مشتركة للعمل في إطار الكتلة. كانت قضية البرنامج أساسية، خلافا لما راج إعلاميا من أحاديث عن صراعات وسباقات وتهافت على الحقائب. لا، نحن بدأنا بالبرنامج، أما القطاعات، فأنا لم أعقد أي اجتماع مع الوزير الأول المعين دون أن أرجع إلى المكتب السياسي. وكنا نناقش ما يجري، وبخصوص أهمية القطاعات، لم يكن هناك رأي يشاطره الجميع، فحين كنا نناقش الأمور، هناك من يعتبر أن هذا القطاع المعين ليست له أهمية، فيما يعتقد آخر بأهميته. لذلك أنا باشرت المشاورات على أساس مبدأ أن يكون لنا وجود وازن داخل الحكومة. ولهذا، من بعد البرنامج، انتقلنا إلى الهيكلة الحكومية، وبدأنا نناقش إمكانية إعادة الهيكلة، واقترحت هيكلة جديدة، فكان رد الوزير الأول المعين أن الهيكلة اطلع عليها جلالة الملك، وبالتالي لا يمكن مراجعتها.
لكن رغم ذلك، خضعت الهيكلة للمراجعة، وبالخصوص في مسألتين في غاية الأهمية، تتعلق المسألة الأولى بالبيئة والماء، اللذين كانا ملحقين بوزارة التجهيز والنقل، واعتبرت أن هذا شيء لن يكون في صالح العمل الحكومي الجماعي، وبالتالي أسندا إلى وزارة الطاقة والمعادن، وهذا أمر إيجابي، مثلما هو معمول به في العديد من الأقطار، ثم كانت هناك في الهيكلة الأولى فكرة أن تكون الصحة عبارة عن كتابة دولة، وبطبيعة الحال لا يمكن للإنسان أن يتصور حكومة فيها وزارة للشؤون الاجتماعية، وداخلها كتابة الدولة في الصحة، فالصحة قطاع أساسي وحيوي، والمغرب يتوفر على كفاءات وأطباء، ومع ذلك يحشر القطاع في كتابة دولة، ثم روجعت هذه القضية، ليستقل القطاع كوزارة بذاتها.
- حتى أكون واضحا، كان هناك قرار داخل المكتب السياسي بعدم المطالبة بقطاعي التعليم والمالية، في المرحلة الأولى، وأنا نفذت هذا الأمر، رغم أنني لا أشاطر مائة في المائة الحيثيات، التي استند إليها، خصوصا أنه كان هناك رأي آخر لدى عدد من الإخوة يقول بمبدأ التناوب على الوزارات، وبالتالي ليس من الضروري أن تكون هناك وزارات يعاد لها المسؤولون الاتحاديون. لكن ما حصل، وهذا قلته في المجلس الوطني، أن الفكرة لم يكن فيها إقصاء، ففتح الله ولعلو يمكن أن يكون في وزارة أخرى، وأنا بالفعل تحدثت معه عن وزارات أخرى، يمكن أن تكون له المسؤولية فيها، لكن حصل أنه في لقاء بين إدريس جطو والوزير الأول المعين، عباس الفاسي، دار حديث بحضور الأخ فتح الله ولعلو، وصرح جطو بأنه سيصعب تصور حكومة لا يكون فيها ولعلو، لأنه وضع التصاميم الأساسية للاقتصاد، وكان مشرفا على الإصلاح المالي، وهو الذي هيأ القانون المالي، الذي سيعرض على البرلمان، بعد تشكيل الحكومة. وتحدث ولعلو مع عبد الواحد الراضي ليخبرني بهذا الأمر. وبالفعل، راجعنا الوضعية، وطالبنا مجددا بالمالية والاقتصاد، لكن القطاع لم يسند إلى الاتحاد الاشتراكي.
- لم أقل هذا. قلت إن امتناع نسبة 65 في المائة من المغاربة هي بمثابة علامة استفهام ضخمة، بالنسبة إلى الدولة، وإلى الأحزاب السياسية، وعموم المغاربة، وعليه، فإننا إذا لم ننتبه جيدا إلى الأمر، هناك مخاطر لاختناق الديمقراطية المغربية الفتية. قلت، أيضا، بالنسبة إلى أداء الاتحاد الاشتراكي، لو أن المغاربة كانوا شاركوا في التصويت بنسبة 70 في المائة، وحصلنا على هذه النتيجة، كنت، في هذه الحالة، سأحضر أمامكم، مع أعضاء المكتب السياسي، وأقدم استقالتي للمجلس الوطني. فلو أن 70 في المائة من المغاربة شاركوا، وأعطوا للحزب نتيجته الحالية، لكان الأمر سيصبح مختلفا تماما. سيكون الأمر هنا عقابا واضحا للحزب، أما بمشاركة 37 في المائة فقط، فإن الجميع يطرح السؤال حول امتناع الناخبين عن التصويت. وما زال الجواب في مرحلة الفرضيات والاجتهادات، وقد يتطلب الأمر أعواما للتحليل والوقوف على الأسباب.
- حصلت، في بداية الأمر، محاولة من طرف المكتب السياسي، فقد جاءني الرفيق محمد الصديقي، باسم المكتب السياسي، وقال لي إننا في حاجة للمساعدة من جانبك، لكي نجتاز هذا الوضع.
كان جوابي هو: إنني مستعد، لكن لا بد من الاعتراف بأن ما حصل خطأ، ومن شأنه أن يؤدي إلى إحداث أزمة إضافية. بعد ذلك، فعلا، كتب أعضاء من المجلس الوطني ومسؤولون سابقون رسالة، ثم حاولوا مع المكتب السياسي بلورة طريقة للتعامل مع الوضع. استقروا، في نهاية الأمر، على فكرة أن التحضير للمؤتمر الوطني المقبل للحزب سيشكل مناسبة لتحديد العمل الذي يمكنني إنجازه ولمعالجة الكثير من القضايا.
- إن مسؤوليتنا جماعية في المكتب السياسي في هذه النقطة، ذلك أن المجلس الوطني فوض المكتب السياسي مهمة النقاش والحوار مع الوزير الأول المعين، من أجل الوصول إلى نتائج تكون مشرفة بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي.
بطبيعة الحال، كنت أنا هو الطرف المخاطب بالنسبة إلى المكتب السياسي، لكن لم أجر أي اتصال مع الوزير الأول المعين قبل الاجتماع مع المكتب السياسي. هناك أمر واحد سمحت بشأنه لنفسي بتحمل المسؤولية، وذلك بشأن الأسماء المقترحة للاستوزار، ضمن الحقائب المسندة إلينا في الحكومة الجديدة. إن العديد من أعضاء المكتب السياسي مؤهلون لأن يكونوا وزراء، وفي المجلس الوطني، العشرات من المناضلين، الذين قد يعترضون على هذا الاسم أو ذاك.
- قلت إنني كنت سأقدم استقالتي لو أن 70 في المائة من الناخبين صوتوا، وحصل الحزب على النتيجة الحالية. في هذه الحالة كنا سنجد أنفسنا أمام تصويت عقابي.
- ما أواخذه على المكتب السياسي هو أنه لم ينتظر اجتماع المجلس الوطني لكي أعرض أمامه تقريرا حول المشاورات مع الوزير الأول، وحول تشكيل الحكومة. في هذه الحالة، كان للمجلس الوطني أن ينجز تقييمه، ويقرر ما إذا كنا فشلنا، أو ربحنا.
لكن المكتب السياسي أراد أن يحسم في هذه المسألة قبل اجتماع المجلس الوطني، ولهذا أعتقد أن المكتب السياسي انخرط في سياسة تصفية الحسابات. وهذه السياسة لا يمكنها أن تمر، وبالفعل فقد رفضها المجلس الوطني.
- أولا، هذه الأمور لم تثبت بشكل قطعي، ثم إنني صرحت، عن قناعة، بأنني لم أكن وراء أي قائمة سوداء. قلت ذلك في المنصة أمام المؤتمر. أما أن تكون هناك صراعات بين المسؤولين، فذلك أمر طبيعي، وقد تحصل أخطاء.
إلى جانب ذلك، حددنا استراتيجية وطنية، فعلى مستوى الكتلة الديمقراطية، يجب ألا ننسى أن الكثير من الناس كانوا ينوون دفن هذه الكتلة، لكن العكس هو ما حصل. ورغم أن نتائج الاتحاد لا ترضينا، فإن الكتلة هي القوة السياسية الأولى في البلاد. دفعنا كذلك، كحزب، في اتجاه استراتيجية الأغلبية، لكي يصوت لها المغاربة وتستمر.
- هذا صحيح، لكن عندما شكل الاتحاد الاشتراكي حكومة التناوب التوافقي لم تكن لدينا، مع الكتلة، أغلبية في البرلمان، وفي أي بلد ديمقراطي، عندما لا يتوفر حزب على أغلبية، فهو يلجأ إلى التحالف. ففي ألمانيا، مثلا، تحالف الاشتراكيون الديمقراطيون مع الديمقراطيين المسيحيين، وهم على نقيض، بل أعداء. بهذا المعنى، فإن المشاركة في حكومة لا يعني تغيير الموقف، بل البحث عن حلول وسطى، ليست هي ما نريده، لكن ليست أيضا ما يريده الآخرون. ولا يحصل العكس إلا عند توفر حزب، أو حزبين، على أغلبية مطلقة.
- السي محمد الحبابي، أنا أحترمه، لكن... (مبتسما)، كانت له الحرية في أن يقول وينشر ما يشاء.
- بطبيعة الحال، هذه هي رغبتي، أن أصبح مناضلا قاعديا. وأعتقد أن للمناضلين القاعديين موقعا مهما في حزب سياسي. لن أنسحب من الحياة السياسية، بل سأبقى في الحزب مناضلا، وسأعمل من أجل أن يستفيد حزبي، أن ينفتح على الشباب، وعلى النساء. وأيضا كسب رهانات التحول، التي يوجد الحزب بصددها.
- لا. وأنا بالعكس عازم على العمل من أجل إنجاح المؤتمر المقبل، في كل الميادين. فالحزب في حاجة إلى بلورة جديدة لاختيارنا الاشتراكي الديمقراطي، حتى يستطيع أن يستوعب ويضم آلاف الشباب من المغاربة، نعتقد أن مستقبلهم في مشروعنا المجتمعي. ثم لابد أن ندعم إصلاحا شاملا للحزب. فإذا كان من أهمية للانتخابات السابقة، فذلك في كونها أظهرت الصعوبات والاختلالات القائمة. وبالتالي فإن الحزب يحتاج إلى إعادة نظر في هيكلته، وفي تصرف مسؤوليه المحليين والإقليميين والجهويين، في علاقتهم مع الشعب.
ثم على حزبنا أن يناقش تجربة السنوات الأخيرة، التي يختلف الكلام حولها بين الأفراد داخل الحزب الواحد، وبين هذا الحزب وذاك، وبين محلل وآخر. نعتقد أن علينا، كحزب، أن نناقش هذه التجربة، باعتبارنا تحملنا فيها مسؤولية كبيرة، في إدخال البلاد إلى سياسة المصالحة. كان ذلك بتصويتنا على دستور 1996، وقبولنا قيادة حكومة التناوب التوافقي، وهذه صيغة واضحة، يتعلق الأمر بتناوب توافقي، وليس تناوبا خرج من صناديق الاقتراع.
في هذا السياق، لا أجزم أن الملك الراحل الحسن الثاني، قبل وفاته، أعطانا ثقته، كنا في الطريق. ثم جاء جلالة الملك محمد السادس بفلسفة جديدة للحكم، بمعنى جديد للسلطة، بحساسية خاصة تجاه الحريات ودولة الحق والقانون. بذلك دخلنا إلى مرحلة أخرى، هي المرحلة التي شهدت تشكيل حكومة إدريس جطو، بالصيغة التي جاءت بها، واعتبرنا آنذاك أنه ليس هناك ما يبرر التخلي عن المنهجية الديمقراطية. وجاء خطاب جلالة الملك محمد السادس، في سنة 2005، فأكد أنه ملتزم بالمنهجية الديمقراطية. وبصورة عامة، انطلاقا من النقاش السياسي الذي تمخض عن المرحلة في المغرب، وعلينا، نحن في الاتحاد الاشتراكي، أن نناقش هذه المعطيات في المؤتمر المقبل، وتحديد الخط السياسي، الذي يتعين علينا نهجه، لكن لا أعتقد بأن المؤتمر سيغير الاستراتيجية، وهي الاستراتيجية التي اتبعناها منذ 1975، وأكدتها كل المؤتمرات، وهي خطة النضال الديمقراطي، لكن يجب أن نوضح الأمور بكيفية نهائية، على الأقل للمرحلة المقبلة. ولدي نقطة في هذا السياق، ويتعلق الأمر بتجديد القيادات.
ـ كنت دائما واقفا في موقف المدافع عن أفكار ومناهج عمل أؤمن بها في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. والمثال البارز في هذا هو اقتناعي بأن الكاتب الأول للحزب، يجب أن ينتخب من طرف المؤتمر، وهي الطريقة ذاتها التي يسلكها رفاقنا في الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، ونجحوا فيها، وسأحاول، خلال التحضير للمؤتمر المقبل، أن أدافع عن هذا المبدأ.
ـ أنا سأظل مدافعا عن تجديد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وسأدافع عن مرشح آخر لتولي منصب الكاتب الأول.
- بالنسبة إلى السي محمد الكحص، أسجل أنه لم يعبر إطلاقا، سواء في نطاق الحزب أو في نطاق المجلس الوطني، عما عبر عنه في الصحافة، حيث قرأت ذلك. وقد قررنا رفض الاستقالة التي تقدم بها.
ـ حتى الآن أمارس المهام الموكولة إلى وزير الدولة في أحسن الظروف، وطبقا للالتزامات التي عبرنا عنها منذ الشروع في العمل. وبطبيعة الحال أنجزت دراسة حول كل القضايا الكبرى المتضمنة في برنامج الحكومة. وطرحت وجهة نظري تجاهها، منذ الاجتماع الأول لمجلس الحكومة، حيث طرحت القضايا الأساسية، التي تواجهها البلاد، وسأظل في خدمة الشعب المغربي.
ـ قد يكون ذلك ظاهرا للبعض كما يبدو لكم، لكن ما هو أساسي هو ثقة جلالة الملك في الحكومة، وثقة الشعب تجاهها. وهي حكومة قدمت برنامجا حظي بالموافقة من طرف جميع مكونات الأغلبية، وذلك ما يعبر عن الانسجام المطلوب أن يسود العمل الحكومي والسياسة العامة.
بالطبع، مادمنا في إطار حكومة ائتلافية، فإن لكل طرف خصوصيته، مع العلم أنه كلما حصل خلاف أو تعارض أو ما يشبه ذلك، في عمل الحكومة، يتعين آنذاك على الوزير الأول أن يتدخل باعتباره منسقا للحكومة.
ومع ذلك، أقول إن الحكومة الحالية هي حكومة أغلبية، وتمارس عملها على أحسن وجه. ولعلها حكومة لقيت تجاوبا من جانب الصحافة، باعتبار ألا أحد يمكن أن يتحدث عن موقف أو مواقف المواطنين تجاه البرنامج أو العمل.
ـ أريد أن أذكر بأن الاتحاد الاشتراكي هو الحزب الأول الذي طرح مسألة الإصلاح الدستوري. وكان ذلك في المذكرة المرفوعة، مع حزب الاستقلال، المؤرخة في أكتوبر 1991، ثم المذكرات التي تلتها، وخصوصا مذكرة الكتلة سنة 1992، وكذا مذكرة سنة 1996. وفي كل المذكرات أكدنا أن الإصلاح الدستوري لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار توافق بين المؤسسة الملكية والقوى الديمقراطية. وأريد أن أذكركم بخطاب العرش، والكثير من الناس يمرون عليه مر الكرام، إذ وصف الملك الملكية بأنها سلطة غير تنفيذية وغير تشريعية وغير قضائية. وهذا بالضبط ما نريده نحن من وراء الإصلاح الدستوري. ومع ذلك، فإن الإصلاح الدستوري وارد.
وما يريحني أكثر أن الأفكار والمشاريع التي تتضمنها خطابات جلالة الملك تسير في هذا الاتجاه، وفي اتجاه الأفكار التي ناضلنا ونناضل من أجلها منذ سنين. وما كان سيخيفني، في المقابل، هو ألا تقبل أعلى سلطة في البلاد لا الحداثة ولا الديمقراطية ولا الحريات العامة ولا المساهمة السياسية للأحزاب.
المشكل إذن هو أنه لو كان رئيس الدولة لا يقبل بالحداثة ولا يقبل بالديمقراطية ولا يقبل بالحريات ولا مساهمة الأحزاب السياسية. لا تنسوا أنه، في بداية الاستقلال، كان الخلاف الأساسي قائما، وكانت هناك نظرية في عهد المرحوم الحسن الثاني، تغمده الله برحمته، أن الدولة يجب أن تتأسس خارج الأحزاب، وأنه لا يجب أن ندخل إلى الديمقراطية إلا بحذر، بيد أن المشروع المجتمعي الذي ينادي به جلالة الملك نرتاح له كل الارتياح، ولا أرى في ذلك تنقيصا من العمل، ولكن على العكس من ذلك فإنه يبرز أننا كنا على حق من أجل ما ناضلنا في سبيله
- المكتب السياسي يصدر بلاغا كل أسبوع، وأنا شرحت للصحافة طبيعة ومفهوم المشاركة النقدية، ويوميا يتساءل الناس هل سيحصل برود أم لا. فريقنا البرلماني طبق باقتناع التوصيات، طبقا لبرنامجنا والتزاماتنا، نريد أن تكون لمجموعتنا كامل المصداقية، والحضور وبالتالي الحيلولة دون ترك الفراغ لأي كان.
وزير المالية جاء باقتراحات جديدة أخذت بعين الاعتبار المطالب المطروحة، وفي الأخير صادق الجميع على مشروع القانون المالي. فبالنسبة للضرائب، مثلا، نجد أن البنوك والمؤسسات الكبرى طالبت بتخفيض الضريبة إلى 35 في المائة ونحن رفضنا ذلك.
لكن قبلنا بتخفيضها بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، بل أكثر من ذلك، اقترحنا ما هو أقل من حيث نسب الضرائب، وما انتقدناه هو بالنسبة للبنوك والمقاولات الكبرى كما قلته، وكان هناك تدخل وزير المالية، الذي عالج هذا الموضوع جزئيا، وما تبقى خلال السنة المقبلة.
- أنتم الذين تقولون إنني لست عضوا فاعلا.
- التأثير، كما تعلمون، لا يرتبط بالمسؤوليات المقننة. نحن شاركنا في الحكومة، ونحن خمسة وزراء من الاتحاد الاشتراكي، ولكن نحن وزراء الاتحاد الاشتراكي، وغدا، حتى إذا أصبحت مجرد مناضل في القاعدة، وقرر الحزب أن أبقى في الحكومة، فمن المحقق أن أبقى في الحكومة.
- إن المغرب قدم مبادرة جد مهمة، لأن الحكم الذاتي بالصحراء هو فتح الآفاق أمام الانفصاليين للالتحاق بالوطن، وكذا المحتجزين الذين سيساهمون في بناء هذه المنطقة، وثانيا فإن المغرب الذي يعتبر دولة مركزية سيصبح لامركزيا، وهناك توجه في سياق اللامركزية بدأه المغرب إلا أنه مازال خجولا، وأنا كنت أتمنى أن تلعب الجزائر دورا تحفيزيا والدفع بالانفصاليين للتوجه نحو هذا الحل.
المغرب فتح كل أبواب الحوار، فهو لا يطرح مشروع الحكم الذاتي بعيدا عن أي نقاش. وكما قال رئيس البعثة المغربية في المفاوضات فإنه مخطط نقبل بمناقشته في أدق تفاصيله.
ويجب الـتأكيد هنا على ضرورة حل مشكل الصحراويين المحتجزين الذين يعيشون في ظروف غير مقبولة مطلقا، خاصة وأن الجزائر التي تتوفر على أزيد من 100 مليار دولار لا توفر أي شيء لهؤلاء، ونجدها عكس ذلك توفر كامل الدعم للدبلوماسية وتعزيز أنشطة البوليساريو بالخارج واستقبال الضيوف، وعلى المحتجزين أن يعيشوا من التسول الدولي، وهذا غير إنساني.
حاليا، كانت هناك الجولة الثالثة وسنذهب إلى الجولة الرابعة، وأظن أن على الدول الكبرى إقناع الجزائر والبوليساريو للخروج من هذا النفق المسدود.
بالنسبة لمشكل الصحراء، الذي يعني الجميع، الدولة والمجتمع والأحزاب وغير ذلك، يلاحظ أن هناك تراجعات في عمل حزبكم، أثرت سلبا على علاقاته الخارجية، إذ يبدو كما لو أن هناك نوعا من التخلي عن العديد من المهام، التي كان من المفروض أن يقوم بها لصالح هذه القضية، كما كان يقوم بها دائما في عز قوته وحتى وهو في المعارضة، نستحضر هنا المواقف المعادية التي اتخذها الحزب الاشتراكي السينغالي، التي تطرح على الاشتراكيين المغاربة عددا من الأسئلة حول مدى تحركهم لفائدة القضية الوطنية على مستوى عدة أصعدة، أبرزها الأممية الاشتراكية؟
- أولا، للتذكير، أقول إننا لا نعيش على إيقاع التراجعات، الحزب مخلص لمبادئه وقيمه ويعمل على أن تكون في صلب الإصلاحات والتغييرات التي ينهجها، ومرورنا من المعارضة إلى المشاركة في الحكومة إذا اعتبر تراجعا، فهذا شيء آخر.
التراجعات تتمثل في نتائج الانتخابات، في فقدان الكونفدرالية، في عدد من التصدعات، خروج الأموي وصحبه، الساسي وجماعته، بنعتيق وأصدقائه...
- هذا موضوع آخر. بالنسبة لدورنا في موضوع الصحراء نحن نقوم به، وداخل الحكومة نلمس ما تقدمنا به داخل مقترح المغرب، وثانيا كحزب، لم نتخل بتاتا عن الدفاع عن هذا الموضوع، وكذلك، ككاتب أول، ساهمت في العديد من البعثات لمناقشة إما رؤساء دول أو حكومات أو مسؤولين، ولم نقف مكتوفي الأيدي، ثم كحزب، لنا إطار مهم هو الأممية الاشتراكية التي لم تتخذ أي موقف ضد المغرب، الحزب السينغالي عنده مخاض منذ سنوات حول هذه القضية، لأنه لا يجب أن ننسى أن الحزب الذي كان يساند المغرب هو الحزب الاشتراكي السينغالي، وفي عهد عبدو ضيوف كان حزب واد معاديا للوحدة الترابية للمغرب، ولما انتخب واد رئيسا للجمهورية السينغالية، كان هناك تعاون أخوي مع هذا القطر ودعمه في حل مشاكله الاقتصادية، رغم ضعف وسائلنا، جعل هذا البلد ينتقل إلى مدافع عن هذا الموضوع.
ولاحظنا في بعض الاجتماعات، خاصة اللجنة الإفريقية داخل الأممية الاشتراكية، أن خطاب مندوب السينغال خطاب غامض، فنبهته، وبعثت بمذكرة أضفناها لمذكرة توصل بها بعد أن طرح المغرب مقترح الحكم الذاتي، وأنا لم أعلم بما حصل إلا وأنا في مكة.
وكان هناك بطبيعة الحال اتصال مع فريق الحزب الاشتراكي للاستمرار في المناقشة.
كثير من الأحزاب أعضاء في الأممية الاشتراكية كانت لا تساند المغرب، لكنها لم تستطع الدفع بالمنظمة ككل في توجهاتها، ونحن من واجبنا الاستمرار في الحوار، لأنه لابد من إقناعها وهذا ما نقوم به داخل الأممية الاشتراكية.
- في الماضي كان لنا حوار قائم، وعمر الحضرمي نحن أول من اتصل به.
- وأيضا من أجل أن يشعروا بأن الانفصال باب مسدود، وأنا شخصيا، اتصلت كذلك بالعديد من أجل العودة إلى المغرب.
- الجواب الوحيد الذي سأقدمه في هذا الإطار هو أنه ليست لدي صلاحية اتخاذ القرار، في حين أنني أثرت أمامهم تجربة القيادة الجماعية تاريخيا، التي لم تنجح، ولن تنجح في اعتقادي مستقبلا، ولهذا أنا لا يمكنني أن أزكي هذه الصيغة، والحل إذن هو الحوار داخل المجلس الوطني.
- إن جلالة الملك يستدعي من يريد.
- هناك الكثير من الحكومات لم تعمر طويلا. وهناك حكومات أخرى كان الناس يتوقعون سقوطها، لكنها استمرت وواصلت عملها. وقضايانا الحزبية الداخلية لا تؤثر في الحكومة. نحن أعضاء في الحكومة، وبالتالي فنحن مشاركون فيها.
- هذا غير صحيح، فالذين لم يتمكنوا من اللقاء مباشرة، اتصلوا بي هاتفيا وبعثوا رسائل قصيرة عبر الهاتف.
- نحن في الاتحاد الاشتراكي، لدينا قواعد وإجراءات، وأعتقد أن الحزب سيستمر في مناقشة الوضعية الحالية وتحليلها، وبالتالي إقناع المناضلين من أجل التمكن من الاندماج أكثر مع الجماهير، خاصة أننا حزب يتبنى رؤية سوسيو اقتصادية لمعالجة أوضاع المغرب، وتحديد خط سياسي مقبول، وفي هذا الصدد وجهنا الدعوة إلى مكونات اليسار للعمل المشترك، إما الوحدة داخل حزب واحد، أو وحدة النضال. وفي حالة الحزب الاشتراكي الديمقراطي تقرر حل التنظيم والالتحاق بالاتحاد الاشتراكي، فكان ذلك مكسبا كبيرا للحزب. ولهذا لا بد من الاستمرار في الحوار والنقاش مع باقي المكونات إلى حين بناء هذا القطب الاشتراكي الكبير، الذي نطمح إلى تأسيسه، والذي من شأنه أن يجيب عن تطلعات المغاربة.
- ما ألاحظه أن بعض الإخوان من الحزب الاشتراكي الديموقراطي سابقا يتصرفون اليوم داخل الاتحاد الاشتراكي كقادة اتحاديين في الحزب، وهناك قيادة. لم أسمع شخصيا، ولم يطرح معي أن هناك تشكيلا لأي تيار. وفي حال حدوث ذلك سيكون الأمر خطأ كبيرا. لا بسبب قضية التيارات، ولكن لأن المندمجين هم الذين سيقودون التيار، وهذا سيخلق أزمة قاتلة لهم داخل حزب الاتحاد الاشتراكي.
- حتى إذا كان هناك شخص مفضل عندي فلن أصرح باسمه.
- موقفي داخل الحكومة هو معارضة أي إجراءات عقابية ضد الصحافيين.
- نعم، يمكن للصحافيين أن يعتمدوا على موقفي في هذا الاتجاه.
- من جهتي، أنا مسرور كوني لم أجد أي تساهل من طرف الصحافيين خلال هذا النقاش.