مسؤول قيادي ب بوليساريو سابقا

سيداتي الغلاوي: لا حل ولا مفاوضات دون الصحراويين الوحدويين

الخميس 13 دجنبر 2007 - 21:56
سيداتي الغلاوي سفير بوليساريو في روما سابقا

كشف سيداتي الغلاوي، سفير بوليساريو في روما سابقا، الذي غادر الجبهة قبل أربع سنوات وعاد إلى أرض الوطن, أن الصحراويين الوحدويين يفاوضون في منهاست الصحراويين الذين ما زالوا ينتمون إلى بوليساريو.

وقال إنه لا يوجد بعد الآن أي طرف يستطيع إبعاد الصحراويين الوحدويين من المفاوضات. وبخصوص الجولة الثالثة المرتقبة شهر يناير المقبل, أكد سيداتي أنه يتوقع أن يشارك وفد بوليساريو تحت الضغط نفسه، وبالتوجيهات ذاتها التي يتعرض لها من قبل السلطات الجزائرية. وكشف الفاعل السياسي الصحراوي أن الجانب الصحراوي المغربي يفاوض جهة لا تملك سلطة القرار. وعن المؤتمر رقم 12 الذي تعتزم الجبهة تنظيمه ما بين 14 و18 دجنبر الحالي في منطقة تيفارتي، أوضح محاور "المغربية" أنه ما دام هذا المؤتمر يعقد تحت خيمة جزائرية، فلا يمكن انتظار الجديد، وقال إن محمد عبد العزيز والموالين للجزائر سيعودون إلى الساحة، وكشف أن هناك تحركات ومعارضة داخلية بدأت تهز أركان الجبهة الانفصالية، مبرزا أن سكان المخيمات ملوا الانتظار في أراض قاحلة، وملوا العيش كرهائن بيد زمرة من الأشخاص يتحدثون عن جمهورية لا توجد إلا في مخيلتهم، مشددا على أن هناك بالفعل أصواتا داخل تندوف تنادي بالبراغماتية، وترى مصلحة حقيقية وشاملة في مشروع الحكم الذاتي.

واعتبر المبادرة المغربية بإقامة حكم ذاتي في الصحراء, بمثابة أرضية للمفاوضات, لأنها تحظى بتأييد دولي واسع, وأنه لم يعد مكان للمناورة الجزائرية بدفع بوليسارو نحو الانتحار.

وتحدث سيداتي عن مجموعة من القضايا المرتبطة بملف الصحراء المغربية التي يضطلع المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية بدور مهم على الصعيدين الداخلي والخارجي في التعريف بها وفي خدمة مواضيعها الحساسة ومعالجة المشاكل المرتبطة بها. كما كشف سيداتي الأهمية التي توليها دول الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومجلس الأمن للمبادرة المغربية باعتبارها طريق سيار لنقل منطقة المغرب العربي إلى حالة جديدة يسودها الأمن والتعاون، مشيرا إلى الخيارات الممكنة لإرغام الجزائر على الانضمام إلى الصف الدولي والعدول عن قرارها الذي لا يتوفر على أي مسوغ شرعي، وتحميلها مسؤولية أمن المنطقة، خاصة بعدما تحولت الرقعة الجغرافية، التي تمنحها للبوليساريو إلى منطقة خطيرة للاتجار في الأسلحة والمخدرات وتنفيذ العمليات الإرهابية والهجرة السرية.

وفي ما يلي نص الحوار.

في البداية، نريد منكم أن تحدثونا عن آخر مستجدات ملف المفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو، بعد جولتي منهاست الأولى والثانية، وهل يمكن الحديث عن مكتسبات تحققت لفائدة المغرب؟

- في ما يخص مفاوضات منهاست، أثبتت حقيقة ملموسة، تعتبر نقطة إيجابية سجلها المغرب لفائدته، وهي أن المغرب فند بشكل قاطع ادعاءات جبهة البوليساريو التي ظلت تدعي وتزعم أنها الممثل الوحيد للصحراويين. وهذا هو أول مكسب حققه المغرب، بحضور فاعلين صحراويين ضمن الوفد المغربي، من خلال السيد خليهن ولد الرشيد، الذي هو رئيس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، والسيد ماء العينين، الأمين العام للمجلس، بالإضافة إلى أعضاء عناصر صحراوية أخرى دعمت الوفد المغربي.
إذن وجود الأعضاء الصحراويين داخل الوفد الرسمي المغربي يدل على أن الصحراويين الوحدويين الموجودين في الأقاليم الجنوبية أصبح لديهم صوت داخل الأمم المتحدة، يحظى بالتقدير اللازم من قبل المنتظم الدولي، لإيجاد حل لهذه المعضلة. وهي مسألة فندت ادعاءات البوليساريو القائلة إنها الممثل الشرعي والوحيد، إذ ظهر طرف صحراوي آخر وحدوي، يدافع عن مشروع الحكم الذاتي، الذي يعتبر الحل المتقدم والأنجع، وكذلك البراغماتي، لهذا النزاع المفتعل.

هل تعتقدون أن هذه مسألة لن تتعرض للعراقيل في المستقبل، علما أن الطرف الآخر حاول منذ البداية إبعاد الصحراويين الوحدويين من المفاوضات؟

- لا أعتقد أن بوليساريو أو أي طرف آخر يستطيع بعد الآن أن يبعد الصحراويين الوحدويين من المفاوضات. إن وجود الأمين العام للأمم المتحدة وممثله الخاص وإشراف المنظمة الدولية على المفاوضات مع الاعتراف بعضوية الوفد المغربي المتضمن للصحراويين الوحدويين هو برهان على أنه لا حل ولا مفاوضات من دون الصحراويين الوحدويين، إذا كنا فعلا نريد حلا دائما وعادلا لهذا المشكل، وطبق ما نص عليه قرار مجلس الأمن 1754، الذي ينص على حسن النية. وحسن النية لا يمكن أن يثبت إلا بوجود صحراويين من داخل الأقاليم الجنوبية. كما أن التقدم بمشروع الحكم الذاتي هو في حد ذاته عربون على حسن النية.

أعلنت جبهة بوليساريو عزمها التوجه إلى الجولة الثالثة من المفاوضات، هل لديكم معلومات عن الخطة التي ستلجأ إليها في التفاوض مع الجانب المغربي؟

- يبدو مع الأسف أن أمر البوليساريو محسوم بشكل مسبق إذا لم تحدث معجزة. وهذا يحيلنا على الحديث عن خطتهم، إنهم يتلقون دائما التوجيهات والتعليمات من الجزائر. وبالنسبة للجانب المغربي، أعتقد أن الوفد الذي سيتوجه إلى الجولة الثالثة من المفاوضات سيشارك بالرؤية نفسها وبالتوجيه ذاته. فالمبادرة التي تجري بشأنها المفاوضات هي مبادرة مغربية. أما البوليساريو فيوجد اليوم في وضعية لا يحسد عليها، إنه يبحث بكل الأشكال عن طريقة يخفف بواسطتها من وطأة الضغط الدولي الناجم عن دعم الأمم المتحدة ومجلس الأمن والدول الكبرى للمبادرة المغربية.

وكما ذكرت بالنسبة للوفد المغربي سيشارك بالإرادة نفسها التي شارك بها في الجولتين الأولى والثانية، وكما يعلم الجميع أن جلالة الملك محمد السادس، في خطابه الأخير، وضح الخطوط الحمراء، وأثبت المعطيات التاريخية والسياسية للقضية برمتها، وقدم حلا مناسبا يتمثل في الحكم الذاتي ولا شيء غير الحكم الذاتي.

إعلان بوليساريو عن رغبتها في الذهاب إلى الجولة الثالثة من المفاوضات جاء بعد الإعلان عن تنظيم ما سمي مؤتمر الجبهة بين 14 و18 دجنبر بتيفارتي. وراج الحديث عن بروز خلافات تخترق صفوفها. كيف تقيمون الأجواء التي تسبق عقد هذا المؤتمر؟

- شخصيا لا أتوقع أي حلول كبيرة ومهمة عن نتائج هذا المؤتمر. إنه المؤتمر رقم 12. إننا خبرنا لسنوات طريقة وأسلوب البوليساربيو في عقد المؤتمرات. والحديث عن أجواء استثنائية تحيط بهذا المؤتمر مسألة تتضمن الكثير من الصحة، ويتعلق الأمر بوجود معارضة داخلية وتحرك داخلي بدءا يهزان أركان الجبهة. فالناس ملوا الانتظار في أراض قاحلة، وملوا كذلك العيش كرهائن بيد زمرة من الأشخاص يتحدثون عن جمهورية لا توجد إلا في مخيلاتهم. وبطبيعة الحال هناك أصوات تنادي بالبراغماتية، وترى مصلحة حقيقية وشاملة في مشروع الحكم الذاتي.

هل يمكن أن تنجح هذه الأصوات في فرض وجودها داخل الجبهة؟

- مسألة يصعب الجواب عنها، لأن الجزائر المتحكمة في مصير البوليساريو ما زالت كما هي، متمسكة بالمواقف نفسها. ولا أشك في أن الأشخاص الذين توافق عليهم سيعودون إلى الساحة، وفي مقدمتهم محمد عبد العزيز. ولا أظن أنه سيكون هناك تغيير كبير على مستوى القيادة. لكن ما يبدو مؤكدا هو أن الاستياء والتذمر يتوسعان بشكل كبير في صفوف الصحراويين في المخيمات، الذين ملوا قيادة جثمت على صدورهم لأزيد من 32 سنة، وقامت بعدة تجاوزات، أتلفت ميزانيات بملايير الدولارات، وتاجرت في المساعدات التي تمنح لسكان المخيمات من قبل منظمات المجتمع المدني الأوروبي. فالصحراويون هناك أشبه بركاب طائرة مخطوفة من قبل هذه الجبهة.

تشير بعض التقارير أن قرار البوليساريو بعقد مؤتمره في تيفارتي جاء لاستفزاز المغرب من جهة، والإيحاء بأنه لا يعقد في أرض جزائرية من جهة أخرى. ما هي قراءتكم بشأن هذا الحدث؟

- إن تنظيم بوليساريو لهذا المؤتمر في تيفارتي، مسرحية مكشوفة لا يمكن إعطاؤها حجما أكبر. يجب أن نعتبر أن المستوى المتقدم للمغرب، في ظل الدعم الدولي لمشروعه، هو مركز لا يمكن زعزعته بعقد البوليساريو مؤتمرها هنا أو هناك. لقد سبق للجبهة أن نظمت العديد من التظاهرات في المناطق، التي تسميها بين قوسين "مناطق محررة". والتي هي في واقع الحال منطقة معزولة اختارتها الأمم المتحدة لتأكيد قرار وقف إطلاق النار. فهي أراض مغربية صحراوية جغرافيا وتاريخيا، وهي متروكة في شكل مناطق خالية كخط أزرق. إلا أن البوليساريو يحاول بين الفينة والأخرى إثارة الانتباه بحركات لا يمكن بحال من الأحوال أن ترقى حتى إلى مستوى سياسة الأمر الواقع.

صحيح أن الجزائر تعاني ضغطا دوليا، وهي مطالبة برفع وصايتها عن البوليساريو. ولهذا فهي تدعي الحياد وتقول إن دورها يقتصر على دعم حق تقرير المصير، فيما هي تتحكم في مصير البوليساريو. إننا نراها في كل المنابر الدولية، وفي الأمم المتحدة كلما طرحت قضية الصحراء، فهي التي تتحدث، وهي التي تتحرك، ولا تترك للبوليساريو هامشا للخروج من هيمنتها ووصايتها. فالمؤتمر رقم 12 لن يقام فوق أراض جزائرية، ولكنه يقام تحت خيام جزائرية. فالجزائر هي التي تؤمن الاتصال والدعاية والنقل والأكل والمشروبات لتحصل في النهاية على النتائج التي تريدها. وخلاصة القول إن ادعاء الجزائر الحياد في هذا الملف هو مثل كذبة إخوة يوسف على أبيهم، وهي كلمة أريد بها باطل.

هل يمكن للمغرب أن يحدث اختراقا للتواصل مع أشخاص داخل الجبهة أو مقربين منها، تهمهم مصلحة الصحراويين ولا تهمهم الوصاية الجزائرية؟

- أظن أن الاختراق أو الحوار مع جبهة بوليساريو جرى منذ أن أعلن جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله نداءه المشهور "إن الوطن غفور رحيم". ومنذ ذلك اليوم، حدث الاختراق، وهو، اختراق حق من أجل الحق. ومنذ ذلك التاريخ، يستقبل الوطن بشكل يومي عائدين من مختلف الطبقات، أناس بسطاء يفرون من حجيم المخيمات، وقياديون بارزون قرروا ترك البوليساريو لأسباب وجيهة ومنطقية. وهذا يكفي للبرهنة على أن الفكر الذي كان يؤمن بدولة صحراوية قد اخترق. واخترق بالحقيقة وليس بالتضليل، وبالشرعية والحق وليس بالباطل، الذي يتعلق به الطرف الآخر، إن التجربة الطويلة والمريرة أثبتت استحالة تشكيل كيان صحراوي مستقل. وبالتالي فالذين ما زالوا هناك هم إما أشخاص لا حول لهم ولا قوة، والكثيرون منهم يتحينون الفرصة للالتحاق بأرض الوطن، وإما أشخاص ما زالوا على كل حال يفضلون امتيازاتهم الشخصية على مصلحة أبناء وطنهم.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أعتقد أن تأسيس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، هو في حد ذاته وسيلة لمد يد الحوار. وفي هذا السياق، نادى السيد خليهن رئيس المجلس بفتح جسور الحوار مع الإخوة في المخيمات وفي جبهة البوليساريو. وهناك نقطة أساسية ومهمة تتجلى في أن جلالة الملك محمد السادس يجدد دائما في خطاباته "إن الوطن غفور رحيم".

على ذكر المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، إلى أي مدى يمكن اعتباره الخيمة الكبيرة، التي تتسع لكل الصحراويين، بمن فيهم أولئك الموجودون في المخيمات؟

- إن المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية هو فعلا خيمة كبيرة، ومظلة، وباب مفتوح لكل الصحراويين، ويضم تمثيلا لكل القبائل والشرائح والتنظيمات المدنية والسياسية والاجتماعية، وهو الهيئة التي باستطاعتها أن تجد الحل المناسب للمشكل. لكن لا بد من الإشارة إلى أن عناصر في جبهة البوليساريو تناصب المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية العداء، وتتخوف وتخاف منه، لأنه أصبح يهددها في العمق، من خلال الشرعية التي اكتسبها في الداخل والخارج، ولأنه يتيح بالفعل التمثيلية لكل حساسيات الصحراويين.

والمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية هو أيضا وسيلة وأداة مناسبة لإيجاد الحلول لعدد من القضايا العالقة، التي تطلب إجراء اتصالات مع كافة الصحراويين من دون استثناء. وللمجلس دور في حل عدد من المواضيع المرتبطة بمستقبل المنطقة، مثل ملفات الفوسفاط والشواطئ والسكن والأشبال. وكلما عمل المجلس على حل معضلة على مستوى الأقاليم الجنوبية، كلما أعطى صورة أوضح عن الحياة في هذه المناطق، وقرب إليه سكان المخيمات في تندوف والحمادة، الذين يتأكدون أن هذه هي الهيئة التي ستحل مشاكلهم في المستقبل، كما تحل حاليا المشاكل المطروحة.

هل سبق لأشخاص من المخيمات أن اتصلوا بالمجلس؟

- إن رئيس المجلس أعلن في فترة سابقة أنه على اتصال مع عناصر في جبهة بوليساريو، وأنه مستعد للحوار معهم.

على المستوى الديبلوماسي، ما هو حجم التأييد الخارجي الذي يحظى به المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية؟

- إن كل الزيارات التي قام بها أعضاء المجلس في الخارج كانت زيارات ناجحة، سواء لإسبانيا أو فرنسا أو بلجيكا. لقد كانت زيارات هادفة ومثمرة، وكان لها صدى إيجابي، وتلقت دعما كبيرا من قبل أوساط سياسية كانت في السابق لا تستمع إلا للرواية التي يروجها البوليساريو، مثل ما كان عليه الأمر في الأندلس أو جزر الكناري وبعض النقابات والأحزاب هنا وهناك. فالمجلس خلق ديناميكية أعطت وتعطي ثمارها.

هل أجرى المجلس اتصالات ببلدان عربية؟

- ليست لدي أسماء جهات عربية محددة. ولكن العلاقات الخارجية للمجلس بشكل عام تعتبر شاملة، وتعمل على إبراز القضية الوطنية الأولى للمغرب من عدة زوايا ولما فيه مصلحة المنطقة المغاربية بشكل خاص، والمصلحة العربية بشكل عام.

بالإضافة إلى دول الاتحاد الأوروبي التي ذكرتم، فرنسا وإسبانيا وبلجيكا، التحقت أخيرا بريطانيا بموكب الدول المؤيدة، وأعلنت دعمها للمبادرة المغربية، كيف تقيمون الدور البريطاني في هذه القضية؟

- إن الموقف البريطاني هو اعتراف بالحقيقة، وهو خطوة تتماشى والشرعية الدولية التي أثبتت مصداقية المبادرة المغربية على مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وكيفما كان الأمر، نحن نرحب بالموقف البريطاني وإن جاء متأخرا بعض الشيء. لكن دخول لندن إلى صف العواصم، التي أعلنت تأييدها صراحة للمبادرة المغربية، هو دعم للشرعية الدولية. ودعم للمغرب وللحكم الذاتي.

ماذا سيكون تقييمكم للوضعية الراهنة للقيادة الجزائرية في ظل التأييد الذي تحظى به المبادرة المغربية في العواصم الغربية والعربية، وكذا في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وأخيرا في اللجنة الرابعة، التي كانت تعد إلى وقت قريب أحد المعاقل الديبلوماسية للجزائر؟

- أولا لابد من الإشارة إلى أن الجزائر تعاني من التناقض الصارخ بين ما تقوله وبين ما تفعله، وهو تناقض حتى مع ذاتها. لا تهمنا المشاكل الداخلية للجزائر، إلا أنه لا يمكن أن نفهم كيف أن البلاد التي تتبجح بتوفرها على أزيد من 70 مليار أورو، وفي الوقت نفسه نجد المواطن الجزائري في وضعية لا يحسد عليها. لقد سبق لي شخصيا أن شاركت في أعمال اللجنة الرابعة ضمن وفد مغربي في الدورة ما قبل الأخيرة. وأثار انتباهي التحرك الديبلوماسي الجزائري، وسجلت التوتر الذي كان باديا على الديبلوماسيين الجزائريين، الذين كانوا في موقف لا يحسدون عليه، وكانوا يبذلون جهودا مضنية لتأليب مواقف الدول الأعضاء في اللجنة، إلا أنهم لم يحصلوا على النتائج التي كانوا يأملون فيها. وعلى أي حال، فالمغرب نجح هذه المرة، ودون أن يدفع ما كانت تدفعه الجزائر من أموال، وما كانت تسخره من إمكانيات، بل نجح بشرعية موقفه وعدالة قضيته. وهنا يجب أن نسجل باعتزاز هذا الوضع، وهذه النتيجة، ونشدد على أن نجاح المغرب حصل بفضل عدالة قضيته، وبفضل وقوف سكان الأقاليم الجنوبية وراء مبادراته الديبلوماسية. إن ما حصل هو صفعة تلقتها الجزائر، وعلى الإخوة الجزائريين أن ينتبهوا إلى مستقبل بلادهم، وأن يكفوا عن معاكسة الحقوق الشرعية لجيرانهم.

هل يمكن أن تحدثنا عن خصائص الحكم الذاتي كأرضية للتنمية الاقتصادية؟

- أعتقد أن مستقبل الصحراء في ظل الحكم الذاتي سيكون زاهرا، وأن كل الخيرات تقريبا سيجري استثمارها لفائدة السكان، وأن التسيير المحلي بيد المواطنين، وأن الشرطة والقضاء سيؤولان إلى الشأن المحلي، وستكون هناك حكومة محلية منبثقة عن برلمان محلي، وهذا يدل على أن الأقاليم الصحراوية ستشهد تحولا كبيرا، وستعيش طفرة اقتصادية وسياسية واجتماعية غير مسبوقة في المنطقة ككل.

كيف تتصورون العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الجارة موريتانيا بعد دخول الحكم الذاتي حيز التطبيق؟

- إن موريتانيا بلد شقيق، ولا يتمنى له المغرب وكل المغاربة سوى كل الخير. وكما يعلم الجميع أن بلادنا كانت دوما سندا للأشقاء الموريتانيين، وخلال كل المراحل التي مر بها بلدهم. ولعل وصول حكومة ديمقراطية لسدة الحكم في نواكشوط هو عامل قوة أساسي، وسيكون في ظل المشروع المغربي في المنطقة عاملا داعما للتنمية على كل المستويات.

ما هو شكل العلاقات بين موريتانيا والقبائل التي تخضع حاليا لسيطرة بوليساريو؟

- ليس هناك اعتراف من طرف الحكومة الموريتانية بجبهة البوليساريو. وكل ما هناك هو تشابك أسري وعائلي بين عدد من القبائل، شأنه شأن العلاقات بين القبائل الصحراوية في كل من موريتانيا والمغرب. وعلى كل حال، إذا استغلت هذه العلاقات بشكل إيجابي سوف تساهم في حل هذه المشكلة.

بات معروفا أن عمليات إرهابية انطلقت من الأراضي الجزائرية، الواقعة تحت سيطرة بوليساريو، واستهدفت موريتانيا. هل لديكم معلومات كيف حدث ذلك؟

- هناك منطقة تقع عند الشمال الشرقي لموريتانيا بالقرب من الحدود المالية وفي الجنوب الجزائري، أصبحت منطقة خطيرة تشهد مختلف الأنشطة غير المشروعة من تهريب المخدرات والأسلحة والسجائر، إلى تهريب البشر، إذ أضحت ممرا للهجرة السرية. وهي منطقة واقعة تحت نفوذ بوليساريو الذي شرع في استغلالها لربط وتوطيد علاقاته بشبكات الهجرة السرية والمخدرات والإرهاب. ووجود هذه المنطقة يشكل خطرا، ليس فقط للمنطقة برمتها، وإنما خطرا عالميا، حتى أن الولايات المتحدة الأميركية نفسها وصفت هذه المنطقة بالخطيرة والخارجة عن السيطرة. وإلى درجة أنه لم يعد خافيا أن العملية الإرهابية التي استهدفت موريتانيا انطلقت من هذه المنطقة. لقد آن الأوان للمنتظم الدولي كي ينظر بجدية في خطورة هذه المنطقة.

هل الجزائر واعية بما تشكله منطقتها الجنوبية من خطر على المنطقة ككل؟

- من المفروض أن تكون واعية، ومن المنطق أن تعي خطورة ما تشكله هذه المنطقة، لأن الجزائر متضررة من الإرهاب، مع أنني لا أفهم لماذا تغض النظر عما يحدث هناك. فالمنطقة خاضعة للبوليساريو، وهذا نظريا، لأنها عمليا تخضع للجزائر التي تتحمل مسؤولية استضافة هذا بوليساريو. واستمرار هذا الوضع هو شبيه تماما بمن يلعب بالنار.

بالنظر إلى أهمية ملفات الديمقراطية والأمن والتنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تفرض نفسها على الشعوب المغاربية، ألم تقتنع الجزائر بعد بأن دعمها للبوليساريو هو تصرف يضر بهذه الملفات ويزيدها تعقيدا؟

- إن هذا الأمر الذي أثرتموه هو من مسؤولية المنتظم الدولي ودول المنطقة المغاربية، وكذا من مسؤولية الجار الأوروبي. لأن الجميع أصبح معنيا بهذه الملفات. وعلى هذه الجهات أن تضغط على إخواننا الجزائريين لتحمل مسؤولياتهم، وإجبارهم على الانضمام إلى خيارات المجموعة الدولية. ولا أشك في أن المسؤولين الجزائريين هم واعون بما يحدق بالمنطقة من مخاطر، لكنهم يتعمدون إغفال الحقيقة، وهذا هو الأمر الصعب، لأنك من السهل أن توقظ إنسانا نائما، لكن من الصعب أن توقظ شخصا ينوم نفسه.

إطار

سيداتي الغلاوي من مواليد سنة 1958 بالداخلة عمل في بداية حياته بالإدارة الإسبانية خلال فترة الاحتلال. درس العلاقات الدولية وحصل على دبلوم الدراسات العليا كذلك في الإدارة والتسيير. التحق في السنوات الأولى بصفوف البوليساريو وشغل مناصب مثل مستشار وزير التعليم ومسؤول العلاقات الدولية في شبيبة الجبهة. ومنسق المنظمات الجماهيرية لدى الجزائر. وعين في السنوات الأخيرة قبل التحاقه بالمغرب سفيرا في كل من الفاتيكان واليونان وإيطاليا ومالطا.

على ذكر المستقبل، رغم كل الجهود العربية والدولية، التي بذلت باتجاه الجزائر لثنيها عن عرقلة الوحدة المغاربية، ما زال قصر المرادية مصرا على التمسك بورقة البوليساريو. كيف ترون هذا الوضع؟

- مع الأسف، الجزائر بنيت منذ استقلالها على نظام يخضع لجنرالات عسكريين حاولوا عبر السنين الماضية الظهور بوجوه مختلفة. إلا أن الوجه الظاهر لا يدوم طويلا حتى ينكشف القناع. فالحكم المطلق لجنرالات يبنون تصوراتهم على أساس أفكار بالية لا تساير المرحلة. لأنه مع الأسف، عندما ننظر إلى بوتفليقة في 2007 نرى أنه ما كان ينبغي أن يكون بوتفليقة نفسه الذي كان في 1964، وإن كل ما تغير هو السنون. فمصطلحات السيطرة على المنطقة وحسد الجار ما تزال متحكمة في خطاباته. وعلى كل حال، نتمنى للأشقاء الجزائريين أن يهتدوا إلى الحقيقة. وأن المغرب كان وسيظل جارا للجزائر، داعما لاستقرارها، كما كان داعما لاستقلالها، وأن هدف المغرب هو بناء اتحاد مغاربي مستقر وآمن، يضاعف إمكانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لكل أبناء المنطقة. وهذا الهدف رهين كذلك بدور الجزائر، التي نأمل مع مرور الوقت في وصول قيادات واعية بمصلحة الجزائريين، وتكون في مستوى نبل وأخلاق الشعب الجزائري الشقيق.

أتمنى أن يستنتج الإخوة الجزائريون العبرة من مبادرة المغرب بمنح سكان الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا. وأن هذا الأسلوب هو في حد ذاته سلوك ديموقراطي لتدبير الشؤون المحلية. يجب أن ننظر إلى العالم حولنا، ففي إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وألمانيا وسويسرا هناك أنماط من الحكم الذاتي، وهناك تمارس الديموقراطية بشكل رائع وحضاري. وأعتقد أنه حان الأوان لكي يستفيد إخواننا الجزائريون من التطورات، ربما الانكماش أو التخوف عندهم نابع من الشعور المسبق بما يمكن أن يحدثه نظام الحكم الذاتي في الصحراء من تغييرات داخل المنطقة وخارجها. ولكن دعنا نقول لهم: عليكم ألا تخشوا شيئا، فالديموقراطية لا تقاوم، والحقيقة لا تهزم. وإن التغيير سيفرض نفسه اليوم أو غدا، وعلى الجميع أن يتحدى العقد النفسية، ويستفيد من مسار التاريخ، وعلى الجميع أن يتحمل مسؤوليته لبناء اتحاد مغاربي يجد الكل فيه مكانه. تقام مؤسساته وتفتح حدوده وتستفيد منه شعوبه.




تابعونا على فيسبوك