لكي يصبح الاقتراع والمحاسبة الشعبيان وحدهما الخط الأصوب لأي نزال ديمقراطي

محاربة الانحراف الانتخابي وسُرَّاق الاستحقاقات الوطنية

الجمعة 31 غشت 2007 - 09:33
معركة انتخابية (ت:سوري)

وضعت الترشيحات، كما هو معلوم، لتغطية الدوائر التي ستملأ المقاعد التشريعية، وتجندت الأحزاب للدفاع عن مرشحيها، وتقديم"برامجها" و"مشاريعها"، مثلما انغمر كل المرشحين في حملة يتوخون من ورائها اقتعاد كراسي البرلمان، بمختلف الألوان السياسية والأطياف الإيديولوجية

هذا يجعلنا نفكر في الاقتدار على مستوى المشروعية الديمقراطية، وكذا الشروط، التي تجري فيها هذه الاستحقاقات، وكذا آفاقها، أي بتعبير آخر، هناك سؤال محوري من شأنه أن يشكل "صخبا ذهنيا"، لنا ولغيرنا، إذا جاز الوصف، أي ذلك القلق الباطني الذي لا يحدث ضوضاء "عقلية" مزعجة، لكنه يخلق شرودا وارتجاجا لا يطفو على السطح، إذ أن المشروعية الديمقراطية، التي نلمز إليها، لا يمكن أن تنشأ عن إعادة إنتاج الوصفات السياسية السابقة والجاهزة، ورهان حسابات ظرفية مربوطة بمعطيات ضيقة، غالبا ما تعيق هبوب رياح الديمقراطية وتياراتها من قلب التفاعلات الداخلية، وذلك بالحرص على تقديم ملامح المشروع الديمقراطي، الذي تتوخى كل القوى الفاعلة والمؤثرة بناءه قولا وفعلا، عن طريق ترسيخ كل الآليات والوسائل القانونية والردعية واللاحياد وتعريف مضمون ثقافة جديدة تستمد قوتها من قيم مغايرة، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تمشي بلا عجلات سليمة، أو يمكن النفخ في روحها عبر قوة غيبية خارقة، إنها نتاج سيروة وإرادة واختيار وعدل ورؤية وحسم، وإلا سنبقى ندور في حلقة حلزونية فارغة.

وفي هذا الإطار، نذكر ببعض ما جاء في الخطاب الملكي الأخير بمناسبة عيد العرش، حين قال جلالته »وكيفما كان الحال، فلن يكون المغرب رهينة لحسابات الغير، بل سيمضي قدما في تطوره السياسي، سلاحنا الذي لا تحده قوة، هو رصيدنا الديمقراطي الثمين، والذي يحق لنا الاعتزاز به كنموذج متقدم في منطقتنا.

وفي هذا السياق، فإن على الجميع أن يجعل من انتخاب مجلس النواب المقبل، موعدا جديدا لترسيخ الممارسة الديمقراطية المألوفة، وتجسيد إرادتك الحقيقية، وإفراز أغلبية حكومية ذات مصداقية ومعارضة فاعلة وبناءة، على أساس برامج ملموسة وهادفة، وليس شعارات فارغة مبتذلة للإصلاح والتغيير، فمن شأن ذلك أن يفضي إلى مزايدات عبثية، شعارها "إصلاح الإصلاح وتغيير التغيير".

من هذا المنظور، ركز، أيضا، جلالته في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 54 لثورة الملك والشعب، على الاستحقاقات الانتخابية، إذ حث على محاربة كل أشكال الرشوة، ومظاهر الفساد، واستغلال النفوذ، وكذا إقطاعيات الريع، محمِّلا المسؤولية لكل الأطراف، من سلطة، وأحزاب، ومواطنين، في مواجهة المتاجرين بالمصالح والاستحقاقات الوطنية، وهو ما يستلزم من الجميع الحرص على تفعيل كل الأساليب القانونية والسياسية، بغية الضرب على أيدي كل من تسول له نفسه العبث بالمصالح الوطنية، ومن ضمنها الاستحقاقات الانتخابية، باعتبارها عنصرا أساسيا في تشكيل النظام، واستراتيجية الحكم، من منظور ديمقراطي، وعامل استقرار وتوازن مجتمعي شامل، ومرتكزا حيويا للإلمام بالشأن العام وأنساق السياسات والاختيارات.

في هذا، يقول جلالته في خطاب ثورة الملك والشعب "لذا، يتعين على الجميع التصدي، بروح المواطنة وقوة القانون، للعابثين بالانتخابات والمتاجرين بالأصوات لإفسادها بالمال الحرام والغش والتدليس والتزوير، فلا مكان للممارسات المخالفة للقانون، في كل المجالات، مهما يكن مرتكبوها، فمحاربة الرشوة والفساد واستغلال النفوذ وإقطاعيات الريـع وتـوزيع الغنائم مسؤولية الجميع : سلطات وهيآت، مواطنين وجماعات، وذلكم في نطاق دولة المؤسسات والحكامة الجيدة".

من هنا، فإن إعادة الاعتبار للاستحقاقات، من خلال الضرب على كل المتلاعبين بالقانون، وبعث رسائل واضحة في هذا الشأن، هو القمين وحده إلى جانب مسؤولية الأحزاب في ضرورة مجاوزة خطاباتها وبرامجها، بإشراك المواطنين وإدماجهم، وبتدشين برامج للمصالحة واستقطابهم من جديد، بعد أن "شبعوا" من كل الترّهات غير المنتجة، الأمر هنا لا يتعلق بجدوى العمل السياسي وأثره، وإنما بالأساليب التي أصبحت سائدة في الحقل السياسي، والتي ينبغي مراجعتها، سواء تعلق الأمر بحياة الأحزاب الداخلية، وبمختلف الإيديولوجيات، أو في علاقتها ببعضها، أو بالمجتمع أو الدولة.

وإلى ذلك الحين، يعلم الكثيرون أن أدوات الفساد والمال الحرام والعلاقات المشبوهة، وغطاء السلطة، لا يمكن أن تصل بهم إلى قبة البرلمان، وأن الاقتراع والمحاسبة الشعبيين هما وحدهما الخط الأصوب لأي نزال ديمقراطي، فإن العديد من الذين احترفوا سرقة الاستحقاقات الوطنية، سيتبخرون، وستكون الكلمة الفصل للمواطن، المدعو بإلحاح كي ينخرط في ثقافة جديدة، عبر هذا الحراك السياسي والقانوني اللازم.




تابعونا على فيسبوك