تشكل الانتخابات محطة سياسية حيوية في حياة الشعوب، وبالخصوص منها تلك التي تمر من مرحلة الانتقال نحو بناء الديمقراطية، مثلما هو حال المغرب، الذي يتطلع أبناؤه إلى جعل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة خطوة مهمة على درب توطيد المسيرة الديمقراطية التنموية، وعمادا
وكان جلالة الملك محمد السادس، في خطاب الذكرى 54 لثورة الملك والشعب، على موعد مع الوعد الملكي في خطاب العرش، بالتركيز على موضوع الانتخاب، الذي اعتبره جلالته من مقومات المواطنة المسؤولة، مشددا على أهمية المشاركة الديمقراطية، التي يجب أن تكون موصولة لا تنحصر في يوم الاقتراع، بل تتطلب الانخراط الدائم في أوراش التنمية والمواطنة.
وجاء الخطاب الملكي واضحا في موضوع النزاهة الانتخابية، منبها المواطنين ألا يرهنوا مصيرهم ببيع أصواتهم وضمائرهم لمن لا ضمير ولا أمانة له، ومحملا المسؤولية للجميع، مواطنين وأحزابا سياسية وفاعلين وسلطات، في التصدي، بروح المواطنة وقوة القانون، للعابثين بالانتخابات، والمتاجرين بالأصوات، ولمفسديها بالمال الحرام والغش والتدليس والتزوير.
وبلغ الخطاب أوج قوته حين أكد جلالة الملك، بصفة حاسمة ومصيرية، أنه "لا مكان للممارسات المخالفة للقانون، في كل المجالات، مهما يكن مرتكبوها.فمحاربة الرشوة والفساد، واستغلال النفوذ، وإقطاعيات الريع وتوزيع الغنائم، مسؤولية الجميع : سلطات وهيئات، مواطنين وجماعات".
في هذا السياق، يفترض أن يشكل استحقاق سابع شتنبر المقبل منعطفا على طريق الديمقراطية، بأن تجرى الانتخابات التشريعية لاختيار أعضاء مجلس النواب بحرية وشفافية ونزاهة، على أساس التنافس الشريف بين البرامج والاختيارات، وفي قطيعة مع إرث ثقيل ظل ملازما للانتخابات على امتداد عقود، وأفقدها الكثير من المصداقية بسبب تدخل الإدارة في تحديد خريطة البرلمان، واستعمال المال من طرف المرشحين على نطاق واسع لشراء الأصوات، بما كان يضرب العملية من أساسها، وبما أدى إلى التشكيك في جدوى الانتخابات وفتح المجال لليأس والعزوف.
كل الأطراف الفاعلة في الحياة السياسية المغربية باتت مطالبة بأن تجعل من اقتراع 7 شتنبر محطة تحول نوعي في الممارسة السياسية النزيهة والمسؤولة، وإعلانا عن القطيعة مع الماضي، ليس فقط من زاوية ما كان يشوب الانتخابات من إفساد، بل أيضا، وهذا هو الأهم، من حيث تحول التشكيلات السياسية من"كائنات انتخابية"إلى قوة اقتراحية فعالة، سواء في الحكومة، أو من موقع المعارضة، على أساس البرامج والإنجازات.
لقد عانى المغرب لعدة عقود الكثير من مظاهر التزوير والتزييف والتدليس، وكشفت التجربة حجم مخاطر العبث بإرادة الشعب، الذي كان يفضي إلى الفشل في تمكين البلاد من مؤسسات محترمة وقوية وقادرة على تحقيق إصلاحات جوهرية في البنيات الأساسية، إذ أن المؤسسات، التي تتشكل بالغش والتدليس، لا يمكن أن تنتج إلا كائنات فاسدة مغشوشة، والبضاعة الفاسدة لا يمكن الاعتماد عليها في قيادة البلاد نحو إصلاح جوهري
من هذه الزاوية، ندرك جيدا أبعاد ودلالات الحرص الملكي على مسألة النزاهة، وتحميل الجميع مسؤولية التصدي لأعداء الديمقراطية.
فبضمان المصداقية والشفافية واحترام القوانين، نضع البلاد على سكة التغيير الديمقراطي نحو الحداثة والتقدم والتنمية الشاملة.
لقد شكل الخطاب الملكي دعوة قوية إلى التعبئة الوطنية الشاملة حتى لا نخلف موعدنا مع هذه المحطة المهمة في مسيرتنا الديمقراطية، التي حدد جلالة الملك هدفها الأسمى في تكريس مصداقية المؤسسات، بشكل يمكن من ترسيخ ديمقراطيتنا، وجعلها أداة فعالة للتأهيل السياسي والنهوض الاجتماعي والإقلاع الاقتصادي، وجلب الاستثمار وحفزه، وإيجاد ثروات جديدة, وبكلمة : دعامة قوية لكسب رهانات التنمية الشاملة.