الانتخابات المقبلة محطة جديدة في مسار تعزيز الخيار الديموقراطي

الخميس 23 غشت 2007 - 09:26

تجمع مكونات الطبقة السياسية والمجتمع المدني في المغرب على أن الانتخابات التشريعية للسابع من شتنبر المقبل، تشكل محطة جديدة، على قدر كبير من الأهمية، في مسار تعزيز النهج الديمقراطي، الذي ارتضاه المغرب والقائم على المشاركة والإرادة الحرة لكافة المواطنين.

وتؤكد كل المؤشرات والمعطيات المتعلقة بالإطار العام السياسي والقانوني لهذه الانتخابات مدى الأهمية التي يوليها مختلف الفاعلين السياسيين لهذا الاستحقاق، والآمال العريضة التي يعلقونها عليه للمساهمة في ترسيخ أركان هذه التجربة الديمقراطية، وإعطائها زخما جديدا من المصداقية، يمكنها من الاستجابة لتطلعات وانتظارات الشعب المغربي.

وحدد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في مناسبات عديدة، معالم هذا الطريق نحو المستقبل من خلال تصور واضح لبناء مغرب قوي اقتصاديا، ومتماسك ومتضامن اجتماعيا، ومحصن ثقافيا، وحضاريا، يحظى فيه كل أبنائه بفرص المشاركة في البناء والتطور، واختار جلالته لبلوغ هذه الأهداف السامية، النهج الديمقراطي القويم، كأسلوب لممارسة الحكم، وتحقيق أعلى مستوى من الحكامة الجيدة.

وتتضح هذه الرؤية المتبصرة، من خلال قراءة معمقة لمضامين خطب جلالة الملك، وخاصة خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب وخطاب العرش الأخير، وفيهما تتضح أيضا جسامة المسؤولية الملقاة على عاتق مختلف الفاعلين السياسيين، وكافة مكونات المجتمع المغربي في إنجاح الاستشارة الشعبية الجديدة حتى تحقق الأهداف المنتظرة منها.

جدد صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه إلى الأمة، بمناسبة الذكرى الرابعة والخمسين لثورة الملك والشعب، التأكيد على الالتزام التام بنزاهة الانتخابات وتخليقها، وبحرمة الاقتراع، وبجعلها تسمو فوق أي اعتبار، وذلك استحضارا للمكاسب الكبرى للتطور السياسي في المغرب.

وحدد جلالته هذا الإطار العام بالقول "وبعون الله، فقد تمكنا جميعا من توفير إطار عصري وفعال، محفز على المشاركة المواطنة، من معالمه البارزة : مدونة انتخابية حديثة، تفسح مجال المشاركة المتكافئة لكل الأحزاب في الاقتراع، قانون جديد لتأهيل الأحزاب وتمويل شفاف لعملها، حياد إداري إيجابي وحازم، مراقبة قضائية مستقلة، حضور فاعل للمجتمع المدني، ولوسائل الإعلام، في التوعية والمتابعة، فضلا عن التمثيل النسوي، الذي نريده أكثر إنصافا للمرأة".

وهو التوجه نفسه الذي أكده صاحب الجلالة في خطاب العرش الأخير، إذ دعا جلالته جميع الفاعلين إلى أن يجعلوا من انتخاب مجلس النواب المقبل "موعدا جديدا لترسيخ الممارسة الديمقراطية"، وحث جلالته الأحزاب الوطنية على، "إبراز نخب مؤهلة "لحسن تدبير الشأن العام والمساءلة والمحاسبة على حصيلة أعمالها".

ومن هنا تتجلى جسامة المسؤولية الملقاة على عاتق هؤلاء الفاعلين على اختلاف مشاربهم السياسية والثقافية، سواء كأفراد أو كأحزاب سياسية أو منظمات مجتمع مدني، في التحلي بدرجة عالية من المسؤولية، وروح المواطنة الحقة، لكسب الرهانات المنتظرة من الانتخابات المقبلة.

غير أن الرؤية الملكية السامية للانتخابات المقبلة لا تتوقف عند حدودها الظرفية، بل تتجاوزها إلى اعتبار اللحظة الانتخابية حلقة من حلقات عمل مستمر منشغل بالقضايا المصيرية للأمة، وشدد جلالة الملك على ذلك في خطابه الأخير"بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب"بالقول "هكذا، أصبحت الانتخابات منتظمة، بيد أن الانشغال بها لا يعني التأثر السلبي بظرفيتها وانتظار تنصيب الحكومة القادمة، وهذا ما يقتضي أن تتحمل كل المؤسسات والفاعلين مسؤولياتهم في عمل مستمر.فالقضايا المصيرية، والأوراش والإصلاحات الهيكلية الكبرى، وضمان الأمن والاستقرار، لا تقبل التوقف والانتظار".

وبقدر الأهمية التي يعلقها الجميع على هذه الانتخابات، بقدر ما ينظر إليها على أنها تراكم إيجابي للتجربة المتقدمة التي حققتها انتخابات 2002، التي أفرزت خريطة سياسية جديدة، وفريقا حكوميا ينتمي جل أعضائه إلى عدد من الأحزاب السياسية المتحالفة، تحمل مسؤولية إدارة الشأن العام على مدار الخمس سنوات الماضية.

وهكذا سيكون على النخبة السياسية التي ستفرزها الانتخابات المقبلة التعاطي في المرحلة القادمة مع مجموعة من الرهانات لعل أهمها التحديات المطروحة في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تتطلب برامج سياسية خلاقة، قابلة للتطبيق، وخطط عمل جريئة، وبرامج ورؤى متكاملة ومتجانسة لمعالجة وتدبير الملفات الكبرى، كالتشغيل والصحة والسكن وتحديث الإدارة وتخليق الحياة العامة وتحقيق التنمية المستدامة.

فإذا كانت الدولة، بمشاركة الأحزاب والمجتمع المدني، وفرت كل الضمانات والشروط الموضوعية المطلوبة، وأعدت كافة الأدوات اللازمة لكي يخوض المغرب هذه التجربة الجديدة في ظل جو من النزاهة والشفافية، فإن الأحزاب السياسية مطالبة، وهي تخوض غمار المنافسة لكسب ثقة الشعب، بالالتزام بالقانون والشفافية والمنافسة الشريفة، وهي مسؤولية ملقاة أيضا على عاتق المواطن الناخب لممارسة حقه كاملا و بكامل إرادته في الاختيار بضمير الحر.

وقد شدد جلالة الملك على ذلك في خطاب ثورة الملك و الشعب بالقول"إنه لا ديمقراطية حقة بدون أحزاب قوية أحزاب فاعلة متحملة لمسؤوليتها في جعل الانتخابات تنافسا شريفا بين مشاريع مجتمعية وليس لخوض صراعات شخصية أو استعمال الديماغوجية فالتنافس التنموي هو المحك الفعلي للممارسة الديمقراطية السليمة، لذلك يتعين على الأحزاب، العمل الميداني على توعية وتحفيز الناخبين على المشاركة ببرامج واضحة، قابلة للتطبيق".

ومما لا شك فيه أن الفاعلين السياسيين سيرقون إلى مستوى هذه المقاصد.

وهو ما يلمسه المراقبون عند استعراض مضامين برامج الأحزاب السياسية التي ستخوض غمار المنافسة، وكذا في خطب قادتها.

إن الانتخابات المقبلة ـ كما أشار إلى ذلك جلالة الملك في خطاب العرش الأخيرـ ليست هدفا في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة وأسلوب ديمقراطي لاختيار النخبة التي ترى غالبية الشعب أنها مؤهلة وقادرة على تمثيله لتدبير شؤونه، ولإفراز أغلبية حكومية ذات مصداقية ومعارضة فاعلة وبناءة، على أساس برامج ملموسة وهادفة، وليس شعارات فارغة مبتذلة للإصلاح والتغيير.

وإيمانا من جلالة الملك بدور الأحزاب السياسية كمدرسة لإنتاج النخب وتأطير المواطنين وتشبيعهم بروح المواطنة الحقة نوه جلالته، في الخطاب ذاته، بالتوجه الجديد للأحزاب الجادة المتمثل في طرح برامج انتخابية محددة وواضحة، باعتبار ذلك هو جوهر وجدوى الانتخابات المفتوحة أمام تنافس الهيئات الحزبية وتحديد أسبقيات الولاية التشريعية المقبلة لحسن تدبير الشأن العام وفق الاختيار الشعبي الحر.

كما أكد جلالته في الوقت ذاته على أهمية دور المواطنين في استشعار جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقهم في حسن اختيارهم لممثليهم في إطار انتخابات نزيهة تكون محطة مهمة، لتتويج الإصلاح المؤسسي التدريجي بتغيير شامل وأسمى.

(و م ع)




تابعونا على فيسبوك