استحقاقات 7 شتنبر : تجسيد الإرادة الملكية لتأهيل المشهد السياسي

الخميس 23 غشت 2007 - 09:19

إذا كان النهوض بالإصلاحات، التي لامناص منها، لبناء صرح مغرب المستقبل، كان وما يزال من أولويات جلالة الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش، فإن حرص جلالته على تأهيل المشهد السياسي الشامل، وكسب رهان الاستحقاقات الانتخابية لسابع شتنبر المقبل، يظل هو كذلك من ال

ركزت الخطب الملكية خلال العديد من المناسبات، على الأهمية الخاصة التي تكتسيها الانتخابات النيابية المقبلة باعتبارها موعدا، يشكل مرحلة متقدمة في المسار الديمقراطي للبلاد، وعلى أن نزاهة الاستحقاقات هي جوهر الديمقراطية وروحها.

وإذا كانت الانتخابات أضحت منتظمة، فإن الانشغال بها، كما يقول جلالة الملك في خطابه إلى الأمة، بمناسبة الذكرى الـ 54 لثورة الملك والشعب، »لا يعني التأثر السلبي بظرفيتها وانتظار تنصيب الحكومة القادمة، وهذا ما يقتضي أن تتحمل كل المؤسسات والفاعلين مسؤولياتهم في عمل مستمر.

فالقضايا المصيرية، والأوراش والإصلاحات الهيكلية الكبرى، وضمان الأمن والاستقرار، لا تقبل التوقف والانتظار".

ويسجل جلالة الملك أن المغرب تمكن من توفير إطار عصري وفعال، محفز على المشاركة المواطنة، من معالمه البارزة مدونة انتخابية حديثة، تفسح مجال المشاركة المتكافئة لكل الأحزاب في الاقتراع وقانون جديد لتأهيل الأحزاب، وتمويل شفاف لعملها، وحياد إداري إيجابي وحازم، وكذا مراقبة قضائية مستقلة، وحضور فاعل للمجتمع المدني، ولوسائل الإعلام، في التوعية والمتابعة، فضلا عن التمثيل النسوي الذي »نريده أكثر إنصافا للمرأة".

إن هذا ما جعل الممارسة السياسية ـ يضيف جلالة الملك ـ تبلغ مرحلة متقدمة من النضج، حيث تتنافس على كسب ثقة الناخبين أغلبية تدافع عن حصيلة عملها، ومشاريعها المستقبلية وتحاسب عليها، وفي مواجهتها، معارضة متعددة، تأخذ بعين الاعتبار المكاسب الوطنية، وتقترح برامجها البديلة في إطار انتخابات تنافسية، علاوة على أن الحملة عرفت تجديداً ملحوظا، في شكلها ومضمونها ومراحلها، »فهي لم تعد مجرد فرصة موسمية عابرة لرفع شعارات حماسية، ومطالب نضالية عامة، أو مطية للتضليل والتدليس، بل أصبحت مفتوحة ومتضمنة لبرامج متعددة، يتم التعريف بها بوسائل اتصال حديثة ومضبوطة".

غير أن جلالة الملك لم يقف عند هذا المستوى، الذي راكمته لحد الآن التجربة المغربية في مجال الممارسة السياسية والديمقراطية، وفي مقدمتها الانتخابات، إذ يشدد جلالته على أنه »ومهما يكن التقدم السياسي الذي حققناه، فهل يجوز القول : إننا قد بلغنا درجة الكمال الديمقراطي؟ وهل من المعقول النزوع إلى تحجيم الاقتراع باعتباره مجرد حلقة دورية، في مسلسل انتخابي معتاد؟".

كلا، ـ يقول جلالة الملك ـ إن للانتخابات حرمتها ودورها الحاسم في اختيار الشعب، لمن يدبر الشأن العام ويراقبه، أغلبية ومعارضة، كما أنها تساهم، بإرادته الحرة, في بلورة أسبقيات الولاية التشريعية الجديدة، ومن ثمة ـ كما يؤكد صاحب الجلالة ـ لا ينبغي تبخيس قيمة الانتخابات أو التشكيك في جدواها، كما أنه لا مبرر للمبالغة في تهويلها، وكأنها غاية في حد ذاتها أو نهاية مطاف المسار الديمقراطي، الذي لا حد لكماله، وعلى هذا الأساس فإن الانتخاب من مقومات المواطنة المسؤولة.

ولإعطاء عملية الاقتراع شحنة قوية ودائمة،"يتعين دعمها بالمشاركة الديمقراطية، مشاركة موصولة لا تنحصر في يوم الاقتراع، بل تتطلب الانخراط الدائم في أوراش التنمية والمواطنة"

وإذا كان الناخبون بتصويتهم في انتخابات السابع من شتنبر لا يختارون من يمثلهم للسنوات الخمس المقبلة فقط، وإنما ـ كما جاء في خطاب جلالة الملك ـ يحددون أيضا مستقبلهم ومستقبل أبنائهم وبلدهم، ومن هذا المنطلق قال جلالته"فعليكم ألا ترهنوا مصيركم ببيع أصواتكم وضمائركم لمن لا ضمير ولا أمانة له، ففي ذلك تنازل منبوذ عن حقكم الدستوري في الانتخاب الحر، وتفريط غير مقبول في شرف مواطنتكم وكرامتكم"

وفي هذا السياق، قال صاحب الجلالة »لذا، يتعين على الجميع التصدي،، بروح المواطنة وقوة القانون، للعابثين بالانتخابات والمتاجرين بالأصوات ولإفسادها بالمال الحرام والغش والتدليس والتزوير.

فلا مكان للممارسات المخالفة للقانون، في كل المجالات، مهما يكن مرتكبوها، فمحاربة الرشوة والفساد واستغلال النفوذ، وإقطاعيات الريع، وتوزيع الغنائم، مسؤولية الجميع : سلطات وهيآت، مواطنين وجماعات، وذلكم في نطاق دولة المؤسسات والحكامة الجيدة«، داعيا جلالته المواطنين، للانخراط في العمل السياسي النبيل لتوسيع المشاركة الشعبية في التنمية
"فمن لا يمارس السياسة الفاضلة بالمواطنة الملتزمة " يقول جلالة الملك ـ، فإن السياسة الرذيلة تستغله بالأساليب التضليلية لأغراض مقيتة : انتهازية أوعدمية مرفوضة، متطرفة أو إرهابية محرمة، لذا ينبغي مواصلة التصدي لنزوعاتها، ولكل أعداء الديمقراطية، سلاحنا في ذلك، الدولة القوية للحق والمؤسسات، والتنمية الشاملة، والأمن الحازم، وسلطة القضاء المستقل، الحريصين على الالتزام التام للجميع بسيادة القانون".

وباعتبار الأحزاب فاعلا أساسيا في كسب رهان أي اقتراع، فإن جلالة الملك توجه إليها بالقول »إنه لا ديمقراطية حقة، بدون أحزاب قوية، أحزاب فاعلة متحملة لمسؤوليتها في جعل الانتخابات تنافسا شريفا بين مشاريع مجتمعية، وليس لخوض صراعات شخصية أو استعمال الديماغوجية فالتنافس التنموي هو المحك الفعلي للممارسة الديمقراطية السليمة".

لذلك يتعين على الأحزاب، يقول جلالته "العمل الميداني على توعية وتحفيز الناخبين على المشاركة، ببرامج واضحة، قابلة للتطبيق وفي السياق نفسه، نجدد تعليماتنا لحكومتنا، لمواصلة اعتماد الحياد الملتزم بسيادة القانون في مختلف مراحل العملية الانتخابية، وذلك بالردع القوي والزجر الحازم لكل الخروقات".

وانطلاقا من الأهمية التى يقوم بها القضاء في حماية العملية الانتخابية عبر كافة مراحلها، أكد جلالة الملك على الدور الحاسم للقضاء في صيانة حرمة الاقتراع ومحاربة الفساد بكل أنواعه، والبت في صحة الانتخاب في كل مراحله، بتنسيق بين كافة السلطات العمومية التي أناط بها القانون مسؤولية تنظيم الانتخاب ومراقبة نزاهته.

وبفضل ما تعرفه البلاد من تحديث ديمقراطي، فإن إنجاح الانتخابات المقبلة، يقتضي الانخراط المسؤول لوسائل الإعلام، ولفعاليات المجتمع المدني في توعية المواطنين ومتابعة الانتخابات وملاحظتها إلى جانب مختلف الهيآت المعنية، كل في مجال اختصاصه، وفي طليعتها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان باعتبار حرية الانتخاب من الحقوق الإنسانية الأساسية".

وتشكل استحقاقات سابع شتنبر المقبل بذلك »موعدا جديدا لترسيخ الممارسة الديمقراطية المألوفة، .. وإفراز أغلبية حكومية ذات مصداقية ومعارضة فعالة وبناءة، على أساس برامج ملموسة وهادفة، وليس شعارات فارغة مبتذلة للإصلاح والتغيير".

كما جاء في خطاب جلالة الملك، بمناسبة الذكرى الثامنة لتربعه على عرش أسلافه المنعمين (30 يوليوز2007)، وتطبيقا لتلك التعليمات الملكية السامية التي ترى أنه لا ديمقراطية فعلية وملموسة إلا بأحزاب قوية ومسؤولة، جاء قانون الأحزاب السياسية الذي صوت عليه البرلمان في أكتوبر2006، كخطوة أولى أساسية للأحزاب لإعادة ترتيب بيتها ومراجعة أنظمتها الداخلية في أفق الاستحقاقات الانتخابية، وذلك بهدف »انبثاق مشهد سياسي معقلن، قائم على تحالفات قوية، وأقطاب متمايزة، لا بكثرة ألوانها، ولكن بتنافسيتها حول مشاريع تنموية مضبوطة«، حسب ما جاء في خطاب جلالة الملك في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة.

واستكمالا لهذا التأهيل الحزبي، كان جلالة الملك أعطى تعليماته السامية للحكومة قصد إعداد نظام انتخابي ناجع وملائم، وهو ما جرى بالفعل حينما صادق مجلس النواب على قانون الانتخابات في دجنبر2006، الرامي إلى تخليق الحياة العامة من أجل خوض انتخابات حرة وتعددية تفرز القوى السياسية التي تعبر عن تطلعات المواطنين، وتقوم بتطبيق برنامجها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، انطلاقا من النتائج التي تفرزها صناديق الاقتراع.

إن أهمية استحقاقات سابع شتنبر المقبل في تكريس الديمقراطية تتطلب ـ كما قال جلالة الملك في خطابه أول أمس الإثنين ـ أن يسمو كافة الفاعلين إلى المستوى الأمثل لإيثار المصلحة العليا للوطن.

وفي هذا الصدد، دعا صاحب الجلالة، على وجه الخصوص، الأحزاب "لاحترام الإرادة الشعبية الحرة وتنزيه الاقتراع عن كل الشبهات والتركيبات المصطنعة والحسابات الضيقة التي لا نرتضيها لمصداقية المشهد السياسي السليم المنشود".

ويبقى الآن على النخب والأحزاب السياسية أن تواكب هذه الإرادة الملكية لكسب رهان الاستحقاقات الانتخابية بأن تتطرق في برامجها للقضايا الكبرى للبلاد .

وتظل الانتخابات ـ كما قال جلالة الملك في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة (أكتوبر2006)،"فرصة للتباري بين البرامج والمشاريع أكثر منها تنافسا على المقاعد والمواقع وهو مايتطلب قيام تحالفات كفيلة بإفراز أغلبية منسجمة ومعارضة بناءة، ضمن مشهد سياسي معقلن وسليم".

(و م ع)




تابعونا على فيسبوك