عيد الشباب عيد لتجديدالعهد وملحمة نحو غد أفضل

الثلاثاء 21 غشت 2007 - 08:34

تميزت العلاقة بين العرش العلوي والشعب المغربي منذ قرون طويلة بنكهة جعلتها نبراسا في التلاحم، جعل من البيعة في المغرب عقدا سياسيا ذا بعد وطني تكون من رباط مقدس بين العرش والشعب.

فنهلت المملكة المغربية على مر القرون من ينبوع كريم ظل على الدوام هو الأمان والاطمئنان المرافقان لتطور ونماء متواترين، حيث عمل كل ملك من الملوك العلويين الذين تعاقبوا على حكم المغرب، على ترسيخ مبادىء التلاحم المذكور، وتكريس حياته لخدمة هذاالشعب المحظوظ بأسلوب زواج دائما بين تقاليد مرعية، ظلت على الدوام ناموسا جميلا للسير نحو الأمام دون تجاهل عبر ودروس الخلف، وبين حداثة عصرية تناغم نسيجها باستمرار مع متطلبات وتحديات العصر.

فخرج المغرب، بفضل هذ الخط الحكيم عبر حقب عهود السلاطين العلويين، من أعوص المحن سالما منتصرا من كيد الكائدين ودسائس المغرضين.

والدارس للعهد الجديد، عهد جلالة الملك محمد السادس أيده الله، لن يجد خروجا كبيرا عن هذا الخط الصحي، الذي انتبهت أعمق الدراسات السياسية والاجتماعية اليوم إلى فعاليته في الحفاظ على صمام أمان سلس لأمم ضد الهزات الاجتماعية الكبرى.

وفي هذا السياق قال محمد السادس موضحا خطه السياسي في أول خطاب عرش وجهه إلى شعبه : "إننا نطمح إلى أن يسير المغرب في عهدنا قدما على طريق التطور والحداثة، وينغمر في خضم الألفية الثالثة مسلحا بنظرة تتطلع لآفاق المستقبل، في تعايش مع الغرب وتفاهم مع الآخر، محافظا على خصوصية هويته دون انكماش على الذات، في كنف أصالة متجددة، وفي ظل معاصرة متلزمة بقيمنا المقدسة".

والاحتفال بعيد الشباب، عيد ميلاد الملك الطموح محمد السادس، اليوم يأتي في ظروف خاصة جدا هذه السنة، وكل سنة.

ظروف الطفرة النوعية التي تعيشها مختلف القطاعات الفاعلة في مغرب الألفية الثالثة الذي شاءه هذا الملك النبراس مثالا في التجدد والثورة على كل أشكال التخلف والهشاشة التحتية، واضعا نصب عينيه منذ أول أيام عهده هدفا كبيرا تمحورت حوله كل قراراته، كل مخططاته، كل رؤاه وبرامجه، هذا الهدف مشخص في شعبه : سبعة وثلاثون مغربيا بشبابهم وشيوخهم،بنسائهم ورجالهم، بأطفالهم وكهولهم.

وفي هذا قال جلالته بكل موضوعية : "وسنكون دائما على موعد مع التاريخ، لنثور جميعا ضد المشاكل والجهل والتخلف وعدم التعاون بين الطبقات المغربية الاجتماعية، ولنقوم ضد كل شيء يعيق تقدمنا، حتى لا نقع ـ لا قدر الله ـ في ذلك النوع من الموت أو ذلك النوع من الصدمات التي يمكنها أن تعترض سير الدول".

ولا يعود ارتباط جلالته بالشؤون الاجتماعية والإنسانية لتاريخ توليه عرش أسلافه البررة، لا تعود ثورته على التخلف ومعيقات النمو الاجتماعي والبشري للمواطن المغربي إلى اليوم، لأنه وبكل بساطة وتجرد عرف عنه منذ طفولته عطفه التلقائي على الفقراء، وتخليه أكثر من مرة عن بروتوكول القصر المفروض على موقعه آنذاك كولي للعهد، فكان جلالته يغادر حرسه الشخصي المكلف بحمايته الجسدية ليتفقد، وبدون سابق تخطيط أو تغطية إعلامية، رعايا والده الراحل العظيم الحسن الثاني طيب الله ثراه، وينبري وهو شاب يافع متلقيا شكاوى الفقراء والمظلومين، مستمعا لأنين المرضى والمكلومين.

وبكل صراحة، لطالما سمعت شخصيا، على لسان الكثير من الشباب المغاربة، عن وجود العشرات، بل المئات كل صباح أمام بوابة مسكنه الخاص بضواحي العاصمة الإدارية للمملكة : الرباط.

وسمعت آنذاك أن مشاكل تلك الفئة من المواطنين، التي اختارت اللجوء للصدر الرحب للأمير الشاب البعيد كل البعد عن إعارة أدنى اهتمام للمفاهيم الطبقية، قد وجدت الحلول المناسبة لها.

وأكثر سائقي سيارات الأجرة الذين قد تركب معهم في رحلة قصيرة أو طويلة داخل المدار الحضري يحكي لك بتلقائية عن معاناته سابقا مع مالك رخصة السيارة، قبل أن يسعفه الحظ ـ بناء على نصائح شباب آخرين ـ بلقاء مع ولي العهد آنذاك فتحقق أمله في التحرر من الارتباط بالغير، وأصبح من ذوي الدخل القار بفضل رخصة أنعم بها عليه أمير الشعب سيدي محمد.

وعندما تولى الملك، لاحظ المتتبعون تمسك محمد السادس بخطه الشخصي التلقائي في التعامل مع قضايا وطنه وشعبه، متحليا بخصاله الشعبية نفسها الميالة لحل كل المعضلات بقوة إرادة كبيرة، وفي وقت قياسي.

ومع مرور الوقت اقتنع المتتبعون أن التصرفات التي كان يقوم بها محمد السادس خلال الفترة التي كان فيها وليا للعهد، والتي لم يتخل عنها وهو ملك للمغرب، لم تكن تصرفات، وإنما مبادىء جبل عليها قبل أن يعي على الحياة وسيستمر عليها لفائدة شعبه الذي أصر على وصفه بالمحظوظ.

كيف لا ونحن نعاين اليوم ما يقع في بلدان أخرى لم يسعفها تاريخها بقيادة عريقة متلاحمة مع الشعب تلاحم سلاطين الدولة العلوية مع المغاربة على مر الحقب، وهو التلاحم الذي شكل لحد اليوم، وسيشكل في المستقبل القريب والبعيد صمام الأمان الهادىء والمتين ضد عاديات الشعوب ونوائب الأزمنة المتواثرة على تلك الشعوب
والمتتبع لمواقف محمد السادس المؤسسة على قواعد الاقتناع والشورى قبل التنفيذ الذي تميز بالسرعة التي لم تعق لدى محمد السادس الدقة المرجوة في أي ورش، صغيرا كان أم مصيريا، يجد تفسيرا كبيرا لذلك في التربة القويمة التي تلقاها على يد والده الراحل كما يجده في مقوماته الشخصية الخاصة التي طبعتها جدية وتدبير منطقي حتى لأبسط المواقف.

وفي هذا قال العلامة الكبير الدكتور عبد الهادي بوطالب : "إن جلالة الملك الحسن الثاني ـ رحمة الله ـ كان حريصا على أن يعطي لابنه وولي عهده تكوينا ثقافيا وحضاريا يستوعب الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة".

لهذا لا يمكن أن يكون عيد ميلاد جلالته مناسبة شخصية ولا حتى عائلية حصرية، بل يوما وطنيا للوقوف على الهبات الكبيرة لهذا الملك العظيم، ألا وهي وقته وحياته وصحته نفسها وهو يكرس كل ذلك باستمرار لتنفيذ ورش دون التوقف عن التفكير في ورش أكبر
فليدم العيد في ربوع المغرب محمديا معطاء، وليسبغ الله على محمد السادس الصحة والتمكين، وليقر تعالى عينيه الكريمتين بولي عهده الأمير مولاي الحسن وكافة أفراد الأسرة الملكية الكريمة.

آمين.




تابعونا على فيسبوك