من حسن الصدف أن تقترن ذكرى ثورة الملك والشعب ومحطة عيد الشباب، في مناسبتين محملتين بالرمزية، تحيلان على جدلية التجديد والاستمرار في رسالة الأجيال
في 20 غشت 1953 انتفض جيل الأجداد من أجل استعادة كرامة الوطن، ووضع نهاية لحادث الحماية على بلد اكتسب شخصيت
وفي 21 غشت 2007 يواجه جيل الأحفاد سؤال المسؤولية أمام مهام بناء مواطن مغرب القرن الواحد والعشرين، بكل التحديات الثقيلة، الاقتصادية والسياسية والثقافية، المميزة لعالم العولمة .
كما تأتي مناسبة عيد الشباب في المغرب متزامنة مع اليوم العالمي للشباب، يوم 12 غشت، الذي أقرته الأمم المتحدة في دورتها الرابعة والخمسين في 20 يناير 2000، كالتزام من المجتمع الدولي بتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتمتيع الشباب بها، بالنظر إلى أهمية رسالة الشباب في بناء مستقبل الإنسانية وترسيخ السلم والتضامن بين الشعوب وبناء عالم أفضل، وعلى أهمية مساهمته بطاقاته الخلاقة والإبداعية في تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للشعوب.
بصرف النظر عن الجدل الرائج حاليا حول مدى مشاركة الشباب في العمل السياسي، فالثابت أن الشباب المغربي ساهم بفعالية في معركة التحرر من الاستعمار، وبعد الاستقلال كان للشباب دور بارز في معركة البناء الديموقراطي، من خلال شبيبات الأحزاب الوطنية، ثم على واجهة المجتمع المدني والعمل الجمعوي.
وساهم في نشر قيم المواطنة والمشاركة السياسية والفعل الإيجابي في الحياة العامة، وثقافة حقوق الإنسان وسط الشباب والتربية عليها.
بهذه المحددات، وبمنطق تجدد الأجيال والحجم الديموغرافي لهذه الفئة بين عدد السكان، يكون الشباب المغربي في قلب الرهان، ويشكل الأداة الرئيسية في المشروع المجتمعي المنشود، القائم على الديموقراطية والحداثة.
وقد جعل جلالة الملك محمد السادس من النهوض بالشباب محورا رئيسيا في اهتماماته من منطلق الحرص على النهوض بالعنصر البشري في مشروع التنمية المتكاملة، كما ترجم ذلك إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تجاوبا مع الانتظارات الكبيرة وسعيا لتدارك السلبيات المترتبة عن السياسات الخاطئة السابقة في سياق سياسة التقويم الهيكلي في الثمانينات من القرن الماضي.
ففي سياق التوافق السياسي ولج المغرب مرحلة جديدة ومتميزه في تاريخه الحديث، تؤطرها إرادة التأسيس لدولة المؤسسات القائمة على مبدأ الحق والقانون، وحماية الحقوق الفردية والجماعية، واحترام حقوق الإنسان بمرجعية وطنية ودولية وفق المواثيق والمعاهدات الدولية.
بموازاة مع هذا العمل التأسيسي برزت إرادة إحداث نقلة نوعية في الحقل السياسي والاجتماعي بالانخراط في الحداثة من خلال مشروع مجتمعي حداثي ديموقراطي، كما ورد التنصيص عليه لأول مرة في أول خطاب ملكي بمناسبة تنصيب جلالة الملك محمد السادس على العرش، قبل ثمان، سنوات.
ويلتقي المشروعان السياسي والمجتمعي في هدف التحديث الشامل وإنجاز التنمية المستدامة وتمكين المغرب من الانفتاح والفعل والتفاعل مع محيطه الإقليمي والدولي.
وقد أعطى جلالة الملك محمد السادس عبر مختلف المبادرات في كافة المجالات التي أطلقها خلال السبع سنوات من عهد جلالته، ومن خلال النموذج المجتمعي الذي أراده لمغرب القرن الواحد و العشرين، صورة مشرقة لمغرب متجدد وحيوي حيوية الشباب وتجدده.
ومن منطلق رؤية عميقة وواقعية في التعاطي مع شؤون الشباب، حدد جلالة الملك الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالشباب، من خلال التأكيد على أنه لا معنى للديمقراطية ولا مضمون للتنمية ولا حظ للتقدم والاندماج في مجتمع العلم والمعرفة والاتصال والانخراط في روح العصر إذا لم يتمكن الشباب من فرض تأكيد قدراته في الجانب التربوي والثقافي، ثم في إيجاد فرص شغل مدر للثروات وفي مسكن لائق، وكذا في الاستفادة من ثمار تجربة تنموية تضع الإنسان والشباب في صلب اهتمامات الدولة.
بذلك يكون الهدف الأسمى من الاهتمام الملكي بهذه الفئة من الشعب المغربي، هو تأهيل مواطن اليوم والغد، وتحصينه ضد كل أشكال الانحراف والانزلاق، على خلفية الوعي بالهوية مع الانخراط الفعال والفاعل في العالم المعاصر.
قد يبرز نوع من التعارض بين الرسالة المفترضة للشباب والخطاب الرائج حول موقفه السلبي من العمل السياسي.
إلا أن المفارقة تحتاج إلى تدقيق ففي غياب أرقام دقيقة وذات مصداقية علمية حول علاقة الشباب بالعمل السياسي، تبقى »ظاهرة العزوف« تستمد قوتها من خطاب إعلامي قد لا يكون دائما بريئا في ترويج صورة معينة عن السياسة والأحزاب، ولو أن التشكيلات السياسية نفسها لا تجرؤ على إنكار تراجع الاهتمام بالشأن الحزبي لدى الجيل الجديد.
إلا أن الفعل السياسي، في المفهوم الواسع، لا يتطابق بالضرورة مع النشاط الحزبي، ومن ثمة قد تفرض الضرورة المنهجية تحديد مستويات عند مقاربة العزوف فبفهم ضيق للفعل السياسي، من خلال حصره في الانخراط في الأحزاب والمنظمات المرتبطة بها، والمشاركة في الانتخابات، يمكن الإقرار بابتعاد الشباب، عموما، عن الفعل السياسي، وسيادة نظرة سلبية لديه تجاه الأحزاب والانتخابات والمؤسسات المنتخبة.
إلا أن مقاربة أوسع للنشاط العمومي تقلل من عمق الفجوة بين الشباب والسياسة بمعناها الواسع، وهذا ما يمكن استقراؤه عبر أنشطة مدنية وحركات احتجاجية ينخرط فيها شباب من خارج التشكيلات السياسية، حتى أن البعض يذهب إلى الحديث، وليس من خلفية برئية بالضرورة، عن »نهاية الزمن الحزبي« لفائدة الكفاءة التقنية، أو لصالح المجتمع المدني.
بينما يمكن قراءة الأمر على وجه موقف نقدي لدى الشباب تجاه الأحزاب السياسية، وليس إزاء الفعل السياسي في حد ذاته.
قد لا تكون"ظاهرة العزوف" خاصة بالمغرب حصريا، في ظل التحولات الدولية واختلاط الأوراق، بعد نهاية الحرب الباردة، وما رافق ذلك من تراجع لدور الإيديولوجيا في التعبئة وتراجع الاهتمام بالقضايا الكبرى، إلا أن المفارقة تبقى قائمة بين ماض قريب، لما كانت كلمة السياسة تقترن بالخوف وممارستها قد تقود إلى السجن، وحاضر تعبئ فيه الدولة، التي كانت بالأمس متهمة ومخيفة، الشباب وتتحول إلى »محرّض« على الانخراط في العمل السياسي.
في جميع الأحوال تطرح النظرة السلبية لدى الشباب إلى الأحزاب السياسية والانتخابات والمؤسسات المترتبة عنها، أسئلة، يفترض أن تكون مقلقة، على جميع أطراف النظام السياسي المغربي، من الدولة والهيآت السياسية، فضلا عن المثقفين والمجتمع المدني، أمام فقدان الثقة في العمل السياسي ومسألة تدبير الشأن العام، من طرف فئة معينة من جيل اليوم والغد.