يخلد الشعب المغربي، أمس الاثنين، الذكرى 54 لثورة الملك والشعب، التي جسدت ملحمة عظيمة في مسيرة الكفاح الوطني، الذي خاض غماره الشعب المغربي بقيادة العرش العلوي المجيد، من أجل حرية الوطن وتحقيق الاستقلال.
وقالت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في مقال بالمناسبة، إن ثورة الملك والشعب شكلت حدثا تاريخيا حاسما، توج بالنصر مراحل الكفاح المرير الذي تلاحقت أطواره وتعددت صوره وأشكاله في مواجهة الوجود الاستعماري المفروض منذ سنة 1912، حيث خلد المغاربة أروع صور الوطنية الصادقة وبذلوا أغلى التضحيات في سبيل عزة الوطن وكرامته والدفاع عن مقدساته .
فمن المعارك والانتفاضات الشعبية التي شهدتها كافة ربوع المملكة لمواجهة الاحتلال، معارك الهري وأنوال وبوغافر، وغيرها من المعارك التي لقن فيها المجاهدون لقوات الاحتلال دروسا في الصمود والمقاومة والتضحية.
ومن أشكال الكفاح الوطني، ما قامت به الحركة الوطنية مع مطلع الثلاثينيات من نضال سياسي ارتكزت فيه بالأساس على نشر الوعي الوطني في صفوف الشباب، وداخل أوساط المجتمع المغربي بمختلف طبقاته، كما عملت على التعريف بالقضية المغربية في المحافل الدولية، مما كان له كبير الأثر على الوجود الاستعماري الذي كان يواجه النضال السياسي الوطني بإجراءات تعسفية ومخططات مناوئة للفكر التحرري، الذي تبنته الحركة الوطنية بقيادة أب الأمة المغربية جلالة المغفور له محمد الخامس.
ومن أبرز هذه المخططات الاستعمارية، محاولة التفريق بين أبناء الشعب المغربي، وتفكيك وحدتهم وطمس هويتهم الدينية والوطنية، بإصدار ما سمي بالظهير البربري يوم 16 ماي 1930، لكن المخطط سرعان ما باء بالفشل حيث أظهر رجال الحركة الوطنية للكيان الاستعماري تشبث المغاربة قاطبة بهويتهم ووحدتهم وتعلقهم بالعرش العلوي المجيد.
ومن تجليات وإفرازات النضال الوطني، إقدام رجال الحركة الوطنية على تقديم وثيقة.
المطالبة بالاستقلال إلى سلطات الحماية، يوم 11 يناير 1944، بتنسيق تام مع بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس، وما أعقب ذلك من ردود فعل استعمارية عنيفة إذ اعتقل بعض رموز ورجال الحركة الوطنية، والتنكيل بالمغاربة الذين أظهروا حماسا وطنيا منقطع النظير، عبروا من خلاله عن مساندتهم لمضمون هذه الوثيقة التاريخية.
كما أن من أبرز المحطات التاريخية التي ميزت مسار الكفاح الوطني، الزيارة التاريخية التي قام بها أب الوطنية وبطل التحرير إلى مدينة طنجة، يوم 9 أبريل 1947، تأكيدا على تشبث المغرب، ملكا وشعبا، بحرية الوطن ووحدته الترابية، وتمسكه بمقوماته وهويته.
وكان لهذه الزيارة الميمونة الأثر العميق على علاقة الإقامة العامة بالقصر الملكي، إذ اشتد الصراع خاصة وأن جلالة المغفور له محمد الخامس لم يخضع لضغوط سلطات الحماية، المتمثلة أساسا في مناهضة الحركة الوطنية والمد التحرري للوطن، فكانت مواقفه الرافضة لكل مساومة سببا في تأزم الوضع، وشروع المستعمر في تدبير مؤامرة الفصل بين الملك وشعبه.
وتصدى المغاربة لهذه المؤامرة، التي تجلت خيوطها في غشت 1953، إذ وقف المغاربة بالمرصاد، يومي 14 و15 غشت 1953، لمنع تنصيب صنيعة الاستعمار ابن عرفة.
كما انطلقت انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة، وبعدها بتافوغالت، وعمت مواقف الاستنكار والتنديد بالفعلة الشنيعة لقوات الاحتلال كل ربوع الوطن، حينما أقدمت سلطات الحماية على محاصرة القصر الملكي بواسطة القوات الاستعمارية يوم 20 غشت 1953، طالبة من جلالة المغفور له محمد الخامس التنازل عن العرش.
ففضل النفي على أن يرضخ لإرادة الاحتلال، مصرحا، بكل ما لديه من إيمان بالله وعدالة القضية المغربية، بأنه الملك الشرعي للأمة، وأنه لن يخون الأمانة التي ألقاها شعبه الوفي على عاتقه، والمتمثلة في كونه سلطان الأمة الشرعي ورمز سيادتها الوطنية.
وأمام هذه المواقف الوطنية السامية، أقدمت سلطات الاحتلال على تنفيذ جريمتها النكراء بنفيه ورفيقه في الكفاح جلالة المغفور له الحسن الثاني، والأسرة الملكية الشريفة يوم 20 غشت 1953، إلى جزيرة كورسيكا ومنها إلى مدغشقر.
وما إن عم الخبر ربوع المملكة، وشاع في كل أرجائها، حتى انتفض الشعب المغربي انتفاضة عارمة وتفجر غضبه في وجه الاحتلال الأجنبي، وبدأت بوادر الجهاد تتنظم، وتشكلت خلايا المقاومة الفدائية والتنظيمات السرية، وانطلقت العمليات البطولية لضرب غلاة الاستعمار ومصالحه وأهدافه، وتجلى واضحا عزم المغاربة وإصرارهم على النضال المستميت، من أجل عودة الشرعية وإعلان الاستقلال.
فمن العمل البطولي للشهيد علال بن عبد الله، يوم 11 شتنبر 1953، الذي استهدف صنيعة الاستعمار، إلى عمليات شهيرة للشهيد محمد الزرقطوني ورفاقه في خلايا المقاومة بالدار البيضاء، وعمليات مقاومين ومجاهدين بمختلف مدن وقرى المغرب، لتتصاعد وتيرة الجهاد بالمظاهرات العارمة والانتفاضات المتوالية، وتتكلل بانطلاق جيش التحرير بشمال المملكة في أكتوبر 1955 .
لقد شكلت ثورة الملك والشعب حدثا جيليا، ومحطة تاريخية حاسمة وفاصلة بين فترة الحماية وعهد الاستقلال، استهدفت تحقيق أمل الأمة المغربية قاطبة في عودة بطل التحرير ورمز المقاومة جلالة المغفور له محمد الخامس، حاملا معه لواء الحرية والاستقلال، ومعلنا عن الانتقال من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، من أجل بناء المغرب الجديد الحر المستقل.
وواصل الملك الموحد جلالة المغفور له الحسن الثاني معركة استكمال الوحدة الترابية، فاسترجعت في عهده مدينة سيدي ايفني سنة 1969، كما استرجعت أقاليم المغرب الجنوبية، سنة 1975، بفضل المسيرة الخضراء المظفرة التي تعتبر حدثا عظيما، وارتفع العلم الوطني في سماء العيون يوم 28 فبراير 1976 .
وفي 14 غشت 1979، عززت الوحدة الترابية باسترجاع إقليم وادي الذهب.ويعيش الشعب المغربي، اليوم، عهدا جديدا بقيادة جلالة الملك محمد السادس، الذي يسير بشعبه نحو مدارج التقدم والحداثة، مواصلا مسيرة الجهاد الأكبر، وتثبيت وصيانة الوحدة الترابية وتحصين الانتقال الديمقراطي، والإسراع به قدما إلى الأمام، وترسيخ مبادئ المواطنة الملتزمة، وتحقيق نهضة شاملة على صعيد مختلف الميادين والمجالات، وبناء اقتصاد عصري منتج ومتضامن وتنافسي، وتعزيز مكانة المغرب كقطب جهوي وفاعل دولي وإذكاء إشعاعه الحضاري، كبلد للسلام والقيم الإنسانية المثلى.
وأكدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، أنها وهي تخلد الذكرى 54 لثورة الملك والشعب، التي تقترن هذه السنة بالذكرى 44 لميلاد رائد الأمة، وباني المغرب الجديد جلالة الملك محمد السادس، لتشيد بهذه الملحمة المتجددة لاستلهام معانيها وما تنطوي عليه من قيم لتنوير أذهان الأجيال بإشعاعها، معتزة ومتشبعة بالمعاني السامية التي خص بها جلالته ثورة الملك والشعب.
وتتوخى المندوبية السامية كذلك، وهي تحتفي بهذه الذكرى الخالدة، تنوير أذهان الناشئة والشباب والأجيال الصاعدة، بقيم هذه الملحمة الكبرى، واستلهام معانيها، تمشيا مع التوجيهات السامية لجلالة الملك محمد السادس الداعية إلى التزود من ملاحم الكفاح الوطني، واستحضار بطولات المقاومة وتضحيات شهداء الوطن الأبرار، والإشادة بإسهامات كافة مكونات المجتمع في معركة التحرير، اعتزازا بما يزخر به التاريخ المغربي من أمجاد وبطولات ومكرمات .