كاتب الدولة المكلف بالماء لـ المغربية

عبد الكبير زهود : سياسة التخطيط المحكمة كانت وراء نجاح المغرب في تأمين حاجياته من الماء

الجمعة 10 غشت 2007 - 08:15
عبد الكبير زهود

أدى تعاقب فترات الجفاف إلى بروز مشكل ندرة الماء، الذي أصبح هاجسا أساسيا للمواطنين وللحكومة على حد سواء، على صعيد آخر، تأثرت الموارد المائية للمغرب.

بشكل ملموس بالتغيرات المناخية، التي تعتبر ظاهرة عالمية لا تهم المغرب وحده
لكن الجهود المبذولة في مجال تعبئة الموارد المائية أسهمت في التخفيف من آثار فترات الجفاف، التي توالت على المغرب. الحوار التالي يقدم إضاءات حول سياسة تدبير الماء في المغرب، والمبادرات المختلفة التي اتخذتها الحكومة من أجل التصدي للأزمة المرتبطة بندرة الماء .

٭ ما هي الإجراءات المتخذة من طرف الحكومة للحد من الانعكاسات السلبية لمشكل ندرة الماء التي تواجهها بلادنا؟

ـ قبل التطرق إلى الإجراءات الظرفية، التي اتخذتها الحكومة لمواجهة ظاهرة الجفاف، التي تشهدها بلادنا هذه السنة، لابد من التذكير على أن الجفاف أصبح ظاهرة بنيوية ويجب التعامل معها كذلك، لقد تأثرت الموارد المائية لبلادنا بشكل ملموس بالتغيرات المناخية، التي تعتبر ظاهرة عالمية لا تهم المغرب وحده

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن المغرب شهد عدة فترات جافة اتسمت بالحدة في جل مناطق المملكة، لكن المجهودات التي جرى القيام بها في مجال تعبئة الموارد المائية وتدبيرها بشكل محكم مكنت من التخفيف من آثارها

وبالطبع، تأثرت العديد من الطبقات المائية بفعل الضغط على مياهها، مما أدى إلى انخفاض مستواها وتدهور جودة مياهها

لقد كان دائما هاجس تدبير ندرة الماء في صلب اهتمامات القطاعات الحكومية الساهرة على تدبير الشأن المائي في بلادنا

وقد تزايد هذا الاهتمام في ظل الحكومة الحالية خاصة وأن الفترات الجافة تزايدت وتيرتها وحدتها في السنوات الأخيرة

هكذا، فعلى صعيد التخطيط المائي، فإن تحيين المخططات الجهوية لتنمية الموارد المائية الذي تقوم به وكالات الأحواض المائية بتشاور وإشراك فعلي لكافة المتدخلين في قطاع الماء يأخذ بعين الاعتبار عنصر ندرة المياه

وفي السياق نفسه، يجري حاليا إعداد عدة دراسات لتحويل المياه من الأحواض ذات الوفرة إلى الأحواض التي تشكو خصاصا للتخفيف من العجز الحاصل في تغطية الحاجيات من الماء

أما في ما يخص تعبئة الموارد المائية خاصة السطحية منها، فقد ضاعفت الحكومة من وتيرة إنجاز السدود بحيث بلغ عدد السدود المنجزة أو في طور الإنجاز 17 سدا كبيرا في الفترة ما بين 2003 و2007 ، بالإضافة إلى 16 سدا صغيرا أو متوسطا جرى إنجازها أو هي في طور الإنجاز

وفي ما يخص تدبير المياه الجوفية، اتخذت عدة إجراءات تتعلق بالحد من استنزافها، وتطعيم الطبقات المائية واستكشاف المياه الجوفية العميقة الصويرة وملوية
ومن أجل الحد من تلوث الموارد المائية الذي يزيد من تقليص كميات المياه القابلة للاستعمال، تعد الحكومة البرنامج الوطني للتطهير السائل ومعالجة المياه العادمة بمجموع التراب الوطني الذي من شأنه أن يخفض نسبة تلوث المياه ب 60في المائة في أفق 2010 و80 في المائة سنة 2015

وفي مجال تدبير الطلب على الماء والحد من هدره خاصة في القطاع الفلاحي، الذي يعد أكبر مستهلك لهذه المادة، أطلقت الحكومة البرنامج الوطني للاقتصاد في مياه الري وتثمينها والذي يهدف إلى عصرنة السقي واستعمال التقنيات المقتصدة في الماء على مساحة تقدر ب 450000 هكتار، وكذا إلى تحسين الإنتاج النباتي وتثمين المياه في إطار شراكة مع المزارعين، وفي هذا الصدد، رفعت الحكومة الدعم الموجه لاعتماد الري الموضعي من 40 في المائة إلى 60 في المائة، وعممته على سائر أرجاء البلاد وسهلت من شروط الحصول عليه.

ورغم كل المجهودات المبذولة، فإن موارد المياه الاعتيادية لا تكفي لسد الحاجيات المستقبلية من الماء، مما دفع المصالح الحكومية الساهرة على تدبير الشأن المائي ببلادنا إلى إعداد دراسات ومشاريع لاستعمال المياه غير الطبيعية كتحلية مياه البحر واستعمال المياه العادمة بعد معالجتها.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن مصالح المكتب الوطني للماء الصالح للشرب تقوم حاليا بدراسة مشروع تحلية مياه البحر لدعم الموارد المائية المعبئة لتزويد مدينة أكادير بالماء الشروب، كما يجري حاليا إنجاز مشروع محطة معالجة المياه العادمة بمدينة مراكش، والتي ستمكن من توفير حوالي 30 مليون متر مكعب ستستعمل لسقي المناطق الخضراء وملاعب الغولف.

وبخصوص الجفاف الذي تشهده بلادنا هذه السنة، قامت مختلف القطاعات الحكومية المعنية بعدة تدابير لتوفير مياه الشرب والعلف للماشية وإحداث فرص عمل بالمناطق المتضررة .

هكذا، وفي ما يخص الماء الصالح للشرب بالوسط القروي، خصصت الحكومة غلافا ماليا إضافيا قدره 50 مليون درهم لإحداث نقط مائية جديدة وتعميق الآبار وإصلاح التجهيزات المائية لفائدة 194 دوارا موزعة على 130 جماعة قروية وذلك لسد العجز الحاصل بها في انتظار إنجاز المشاريع المهيكلة الكبرى لحل إشكالية تزويدها بصفة نهائية والتي هي في مراحل متقدمة من حيث الدراسات التفصيلية.

وفي ما يخص الوسط الحضري، فسيجري تلبية حاجيات جميع المدن في ظروف جيدة بواسطة الموارد المائية المعبأة خاصة السدود التي يبلغ حجم مخزونها الإجمالي من الماء 7.5 ملايير متر مكعب أي نسبة ملء تصل إلى 50.1 في المائة، وسيمكن هذا المخزون من تلبية الحاجيات العادية للدوائر السقوية باللكوس وملوية والغرب وزيز ودرعة واعتماد تقليص في الإمدادات بالنسبة إلى الدوائر الأخرى.

٭ ما مصير المخطط الوطني للماء، وما هي مرتكزاته، وهل شرع في تفعيله؟

ـ إن نجاح المغرب في تأمين حاجياته من الماء رغم قلة موارده المائية وتأثرها بالجفاف والتلوث كانت وراءه سياسة التخطيط المحكمة التي نعمل على مواصلتها وتطوير أساليبها كي تأخذ بعين الاعتبار عنصر ندرة المياه.

ومن أهم المرتكزات التي استند إليها قانون الماء 10 ـ 95 هو تبني تخطيط استعمال الماء في إطار الأحواض الهيدرولوجية والإقرار بالقيمة الاقتصادية والبيئية للماء، والتركيز أيضا على دور التشاور مع كل الفاعلين في ميدان التدبير والتخطيط المائي
وفي هذا الإطار، تقوم حاليا هذه الوزارة، وبتنسيق مع كل القطاعات المتدخلة في الميدان، بإنجاز المخطط الوطني للماء الذي سيشمل جميع مناطق المملكة، ويهدف إلى تحيين وضبط سياسة مائية كفيلة بتأمين الحاجيات المائية للمملكة، مع الأخذ بعين الاعتبار المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية للبلاد، وخاصة معطى الظواهر القصوى أي الفيضانات والجفاف وكذا معطيات تدبير الطلب المائي لجميع الاستعمالات.

كما يهدف إلى تحديد الأولويات في ما يخص التجهيزات اللازمة من منشآت مائية لكل حوض.

إن تأخر صدور هذا المخطط يرجع بالأساس إلى أن مقتضيات قانون الماء 10 ـ 95 تنص على أن يأخذ بعين الاعتبار المخططات الجهوية التي لم تنته وكالات الأحواض المائية من إعدادها بعد بالنظر إلى الوقت الذي يتطلبه إشراك جميع الفاعلين على الصعيدين الجهوي والوطني في كل مراحل إعداد هذه المخططات.

إضافة إلى هذا، على المخطط الوطني أن يأخذ كذلك بعين الاعتبار بعض الدراسات والبرامج التي يقع إعدادها كتحويل المياه من الأحواض ذات الوفرة إلى الأحواض التي تشكو ندرة المياه، والبرنامج الوطني للاقتصاد في الماء وتثمينه في الميدان الفلاحي، والمخطط الوطني لتهيئة الأحواض المنحدرة،

٭ رغم أن ندرة الماء أصبح مشكلا قائما، إلا أننا لا نلاحظ أي أثر للحملات التحسيسية المتواصلة من أجل حث المواطنين على ترشيد استعمال الماء

ـ بالفعل، إن الحملات التحسيسية على ترشيد والاقتصاد في استعمال الماء، رغم كونها متواصلة فإنها تبقى غير كافية، ويجب بالتالي مضاعفة هذا المجهود
فالمكتب الوطني للماء الصالح للشرب ووكالات التوزيع يقومون بمجهودات بوضع برامج متواصلة طيلة السنة تحث المواطن على عدم الإسراف في تبذير المياه، كذلك تقوم وكالات الأحواض المائية بعدة لقاءات وندوات موجهة لمستعملي المياه لشرح الإجراءات التي يجب اتباعها للاقتصاد في استعمال الماء، وذلك نصوص قانون الماء 10ـ 95 خصوصا حماية الموارد المياه على المستوى الكمي والكيفي.

فجل الفاعلين والمهتمين بمشاكل المياه على صعيد المركزي والمحلي واعون بضرورة الاقتصاد وترشيد استعمال المياه، باعتبار ان إجراءات الاقتصاد في الماء وتدبير الطلب مكونان أساسيان لتأمين التزويد بالماء.

إلا ان تنمية ثقافة الماء في المجتمع تحتاج إلى وقت والى مجهودات متواصلة لكي يستوعب المستهلك ضرورة الاقتصاد في استعمال الماء وترشيده.

وفي هذا الإطار، جرى اتخاذ إجراءات مكثفة، وذلك في إطار مخطط تواصل سيتم إنجازه في السنة المقبلة لتكثيف ومواصلة العمليات التحسيسية بخصوص المواطن والمستهلك.

٭ ماهي الاجراءات المتخذة من اجل الحد من تبذير الماء في القطاعات الفلاحية والسياحية؟

ـ إن المغرب قام بمجهودات كبيرة في مجال تعبئة الموارد المائية، إلا أن استعمال هذه المادة لا يتم بطريقة معقلنة.

فبالنسبة إلى الماء الصالح للشرب، رغم أن التعرفة ونظام الأشطر المتبعين لاحتساب فاتورة الماء يساهمان في الحد من هدر الماء فهناك إشكالية مردودية شبكة التوزيع التي لازالت قائمة فمتوسط المردودية هو 65 في المائة، وقد تصل إلى 85 في المائة إذا كان هناك تدبير جيد، لكنها في كل الأحوال تبقى بعيدة عن ال 100 في المائة لأسباب مرتبطة أساسا بطبيعة نظام التدبير.

فالمكتب الوطنى للماء الصالح للشرب ووكالات توزيع مياه الشرب يقومان بمجهودات متواصلة من جهة، بحملات تحسيسية موجهة للمواطنين والمرافق السياحية على الاقتصاد في الماء، ومن جهة اخرى بتكثيف عمليات الفحص ومراقبة شبكات التوزيع ومعالجة نقط تسرب المياه.

وذلك لبلوغ نسبة مردودية شبكات التوزيع 80 في المائة وتقوم كذالك وكالات الاحواض المائية بإنجاز عروض وبرامج تحسيسية موجهة لجميع القطاعات المستعملة للماء بما في ذلك السياحة.

فيجب علينا القيام بمجهودات متواصلة لدفع المستهلكين إلى تغيير سلوكاتهم حتى يصبح الاقتصاد في الماء تصرفا أو فعلا عاديا من طرف الجميع.

في الميدان الصناعي، مسألة الاقتصاد في الماء غير مطروحة، لأنه يتم التحكم في منظومة التصنيع إضافة إلى اعتماد نظام إعادة الاستعمال الذي يضمن الاقتصاد في الماء ويستجيب لضروريات محاربة التلوث.

يظهر تأثير التدبير غير المحكم للماء بحدة في القطاع الفلاحي، حيث تبلغ المساحة المسقية 1,45 مليون هكتار

وتطرح المدارات المسقية والمجهزة من طرف الدولة منذ ما يزيد عن 40 سنة مشاكل في اقتصاد الماء
فقد وضع المسؤولون عن القطاع تقنية الري بالترشيح وتستهلك الكثير من الماء
وإذا كانت سنوات وفرة المياه تسمح باستعمال هذه التقنية ، فحاليا من الضروري تغيير هذا النظام والتفكير في نظام تعرفة مياه الري يمكن من تثمين المتر المكعب الموجه للسقي على غرار ما هو معمول به في الماء الصالح للشرب، بالرغم من التكاليف الباهضة التي يستلزمها هذا التغيير، الذي أدى إلى خسائر مهمة وصلت إلى 40 في المائة، وهي خسائر مرتبطة بالتأكيد بالتقنية المستعملة

وفي هذا الإطار فإن وزارة الفلاحة تسعى في هذا الاتجاه إلى إيجاد الحل المناسب، وذك من عدة إجراءات نذكر منها تطبيق البرنامج الوطني لتنمية الري الموضعي : تحويل 450.000 هكتار إلى نمط الري الموضعي، وتشجيع الاقتصاد في الماء على مستوى الضيعات : حيث جرى رفع مساهمة الدولة من 40 إلى 60 في المائة في إنجاز المشاريع المقتصدة للماء على صعيد مجموع التراب الوطني مع تسهيل المسطرة المتبعة للاستفادة من هذه التسهيلات.




تابعونا على فيسبوك