تواصل قرارات تجميد وسحب الاعتراف بـ الجمهورية الصحراوية

كساد بضاعة الانفصال

الإثنين 30 يوليوز 2007 - 12:35

أعلنت جمهورية الرأس الأخضر تجميد اعترافها بما يسمى بـالجمهورية الصحراوية، الجمهورية الوحيدة ضمن حوليات التاريخ العالمي التي لا تتوفر على أي مقوم من مقومات الدولة كما يحددها ميثاق الأمم المتحدة.

وجاء قرار جمهورية الرأس الأخضر لينضاف إلى سلسلة القرارات التي ذهبت في الاتجاه نفسه (تجميد وسحب الاعتراف)، وهي القرارات التي تطابق الشرعية الدولية أكثر من مسايرتها لأغراض انتهازية آنية، كما تعكس كالمرآة توجها لا رجعة فيه بإفريقيا، التي تستيقظ، لتعيد بناء رؤيتها على قاعدة حقائق جديدة على أرض الواقع، وتراجع كليا مفاهيمها، بالنظر للتحديات الآنية التي تواجهها وتلك التي تلوح في الأفق.

إن قرارات سحب أو تجميد الاعتراف بالجمهورية الوهمية التي جرى الإعلان عنها رسميا في الآونة الأخيرة وبشكل متواصل من طرف مجموعة من البلدان، ليست إفريقية فقط، ولكن أيضا آسيوية وجنوب أميركية، تشكل رسالة ملحة لمراجعة المعايير وإعادة الأمور إلى نصابها على المستوى الدولي.

ولا يتطلب الأمر قدرا كبيرا من الفهم لسبر المغزى العميق لهذه القرارات، لأن المعطيات السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية لا تدع المجال للخلط .

فأولئك الذين انساقوا وراء أحلام الفرقة والبلقنة، وتصرفوا بشكل لا يقبله الحس السليم مستعملين، في الغالب، لغة تنهل من قاموس يلامس البذاءة السياسية، لأسباب محددة وضمن ظروف خاصة، ساهم فيها الوضع العالمي الذي كان مطبوعا بالقطبية الثنائية، عادوا اليوم ليجهروا بالحقيقة بشكل يشرف بلدانهم.

لقد فهموا جميعا مع مر السنين أن »الجمهورية الصحراوية« كانت مجرد عملية نصب سياسي كبيرة، وأن قبولها داخل منظمة الوحدة الإفريقية ووريثها الاتحاد الإفريقي الحالي يعد مسخرة لا تشرف قارتنا.

لنحكم على الوضع بناء على المعطيات المتوفرة، فمن بين خمسين بلدا إفريقيا هناك سبعة عشر لم يرضخوا أبدا للخطب التي كانت تقريظية تارة وتهديدية تارة أخرى، والتي كانت تؤثث أجواء الحرب الباردة، ولم يعترفوا ب(الجمهورية الصحراوية).

وهناك خمسة عشر بلدا إفريقيا آخر قاموا منذ ذلك الوقت بتجميد أو سحب اعترافهم كليا بجمهورية الوهم.

ويبقى هذا الاتجاه مفتوحا بقوة بالنظر للقرارات ذات الصلة، التي أصدرتها الأمم المتحدة، ونظرا للمبادرة المغربية (الحكم الذاتي الموسع) المنسجمة سياسيا والواعدة اقتصاديا والشجاعة إنسانيا والملائمة اجتماعيا، وهو الأمر الذي جعلها تحظى بقبول واسع من طرف المجموعة الدولية، التي رأت فيها المصداقية والسعي الصادق للسلام، سلام الشجعان.

ولم يجعل المغرب من هذا القبول المعبر عنه بشكل واضح مغنما في المفاوضات أو مدعاة للتمترس وراء موقف متشدد عفا عنه الزمن، إنه بالعكس ينظر إليه كنداء للأخوة المغاربية وكوسيلة لإعادة النظر وبشكل إيجابي في الأرضية التي تشكل وحدة المصير بالنسبة إلى شعوب المنطقة، المهمتان الأساسيتان اللتان راعتهما الدبلوماسية المغربية، واللتان يأمل المغرب في منحهما في الوقت الراهن محتوى مغاربيا وتماسكا عربيا وبعدا إفريقيا ومدى دوليا.

ومن البديهي أنه لا يمكن إنجاز هاتين المهمتين عندما يفتقر الميدان السياسي إلى الانسجام وعندما تعمى البصيرة بسبب الحسابات السياسية الضيقة التي تكتنف رهانات بهذا الحجم.

وإلا فبما نفسر أن (الجمهورية الصحراوية) ما زالت تحتل مقعدا ضمن أعضاء الاتحاد الإفريقي في الوقت الذي لا يعترف فيه بها ثلثا هذه المنظمة، ولا يمكنهم نتيجة لذلك لا الاستماع لتدخلات ممثليها ولا مناقشة أفكارهم أو التصويت على مقترحاتهم.

في هذه الظروف، يبقى القول إن الاتحاد الإفريقي يطمح إلى أن يكون منتدى للحوار وتطارح الأفكار، مجرد إثارة هزلية غير موفقة وملحمة من العبثية كان على الاتحاد الفتي أن يتلافاها.

وبالنسبة إلى المغرب، أحد مؤسسي منظمة الوحدة الإفريقية، التي انسحب منها سنة 1984، فإن روابطه بالبلدان الصديقة والشقيقة بإفريقيا، لم تنقطع أبدا، بل إن هذه العلاقات تقوت بعد هذه السنة وجرى توجيهها نحو تعاون متنوع ومحدد بدقة ونحو تضامن واسع.

إن مكانة المغرب وسمعته بإفريقيا لا تشوبهما شائبة، وهذا أمر طبيعي بالنسبة إلى بلد انخرط على الدوام وبحزم، غير مبال بما يكلفه ذلك من تضحيات، لتحرر إفريقيا وانعتاقها من ربقة الاستعمار، ولإنجاح معركتها ضد مختلف الكوارث التي تعيق تنميتها والدفاع عن مصالحها داخل المنتديات الدولية.

لا شيء يمكنه أن يمحو بجرة قلم هذا الرصيد من التقدير والاحترام الذي راكمه المغرب على مر السنين في كفاحه باسم إفريقيا، ودون أن يضع نفسه ضمن أولئك الذين لا يبادرون إلى العطاء، إلا إذا كانوا متيقنين من أن المقابل سيفوق ما قدموه.

إفريقيا التي لا تنكر الجميل، هي التي تدعو المغرب اليوم، وبكل إلحاح لكي يستعيد مكانته ضمن الأسرة الإفريقية، وليضطلع بالدور الطبيعي الذي قام به على الدوام بفضل أفكاره وجهوده، وليكون المعبر الصادق عما تشكو منه القارة من خصاص والمدافع عن المطالب المشروعة لشعوبها لدى المجموعات الدولية.

لقد تمكن محمد بن عيسى ومحمد ياسين المنصوري، مبعوثا صاحب الجلالة الملك محمد السادس لدى مؤتمري الاتحاد الإفريقي في بانجول وأكرا من الوقوف على قوة النداء الذي وجهته إفريقيا للمغرب، من خلال المباحثات التي أجرياها بهاتين العاصمتين، وعمق وقوة العبارات التي تفوه بها مخاطبوهما، من رؤساء الدول والوفود، مما يكشف أن أي كذبة مهما كانت قوة حبكتها لن تستطيع حجب الحقيقة .




تابعونا على فيسبوك