يخلد الشعب المغربي وفي طليعته أسرة المقاومة وجيش التحرير اليوم الخميس الذكرى الذهبية لإعطاء انطلاقة أشغال بناء طريق الوحدة التي شكلت حدثا هاما غداة حصول المغرب على استقلاله ومظهرا من مظاهر الجهاد الأكبر الذي أعلنه جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثرا
وتجسد الذكرى الخمسين لبناء طريق الوحدة مظهرا من مظاهر الالتحام الوثيق بين العرش والشعب والعمل التطوعي على درب البناء والنماء لصروح المغرب غداة الاستقلال وشكلت إنجازا باهرا حطم الحدود المصطنعة وربط بين شمال الوطن وجنوبه .
وذكرت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير, في مقال بالمناسبة, بأنه في يوم17 يونيو1957 وجه جلالة المغفور له محمد الخامس من مدينة مراكش نداء ساميا توجيهيا إلى الشباب المغربي لاستنهاض هممه من أجل التطوع في إنجاز مشروع وطني كبير يهدف إلى ربط شمال المملكة بجنوبها حيث قال جلالته "... إن من بين المشاريع التي عزمنا على إنجازها لتدعيم التوحيد الحاصل بين منطقتي شماله وجنوبه إنشاء طريق بين تاونات وكتامة تخترق ما كان من قبل حدا فاصلا بين جزأي الوطن الموحد, وذلك ما حذا بنا إلى أن نطلق عليه اسم طريق الوحدة ...".
وبنفس المناسبة زف جلالته قدس الله روحه بشرى تطوع ولي العهد آنذاك جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه للمشاركة في هذا المشروع حيث قال نور الله ضريحه "... وإن ولي عهد مملكتنا مولاي الحسن أصلحه الله قد سجل اسمه أول متطوع جريا على مألوف عادته في تجنيد نفسه دائما لخدمة المصالح العليا للشعب والوقوف بجانب العاملين من أجل سعادته ورفاهيته ...".
لقد كان المغرب غداة الاستقلال يتوفر على شبكة طرقية يصل طولها إلى حوالي20 ألف كلم, إلا أن توزيعها الجغرافي عبر التراب الوطني لم يكن شاملا لكل المناطق وكانت العلاقات بين الأقاليم الجنوبية والشمالية تتسم بالطابع العرضي وانعدام الطرق الأفقية التي تخترق المنطقة الشمالية في اتجاه البحر الأبيض المتوسط مما طرح وضعية ملحة أمام مغرب الاستقلال حيث بادر جلالة المغفور له محمد الخامس إلى نهج سياسة جديدة في ميدان التجهيزات الطرقية من أجل تغيير البنى الوظيفية التقليدية للطرق التي كانت ترتكز على خدمة مصالح المستعمر سابقا, وإعطاء الأولوية لبناء طرق بالأقاليم الشمالية والجنوبية لتصل إلى مستوى التجهيزات الموجودة بوسط وغرب البلاد.
وكان في مقدمة المشاريع المبرمجة إنشاء طريق بشمال المملكة تربط بين تاونات ومركز كتامة على طول80 كلم أطلق عليها اسم طريق الوحدة, وكلمة الوحدة أو التوحيد التي ركز عليها المشروع لها دلالة رمزية هامة, فبالإضافة إلى الربط بين منطقتي الشمال والجنوب فإن تجميع الشباب المتطوعين لبنائها من مختلف جهات المغرب وتكتلهم وحيويتهم وحماسهم اكتسى أهمية كبرى على الصعيد الوطني تجسيدا ورمزا للوحدة والتضامن والتكامل.
وقد تجند لهذا المشروع12 ألف شاب متطوع للعمل مدة شهور الصيف الثلاثة بنسبة أربعة آلاف شاب في كل شهر, ينتمون لكل أنحاء المملكة, ومثلت أوراش العمل مدارس للتكوين يتلقى فيها المتطوعون دروسا تربوية وتداريب مدنية وعسكرية, تجعل منهم مواطنين صالحين لتحقيق مشاريع عمرانية في مراكز سكناهم, وذلك تنفيذا لفكرة التجنيد العام لبناء استقلال المغرب.
وحظي المشروع بتأطير تربوي ونظام أساليب التسيير والتدبير وأعمال اللجان المختصة التي اشتغلت منذ نداء بطل التحرير, وهي لجنة قبول الطلبات وتوزيع الاستدعاءات وتنظيم المخيمات وتوزيعها على طول الطريق ولجنة المواد والتموين والمواصلات, وتهييء هذه المخيمات لقبول المتطوعين وتوفير جميع الضروريات المادية والصحية والثقافية.
وقد أعطى جلالة المغفور له محمد الخامس صباح يوم5 يوليوز1957 انطلاقة المشروع معاينا على متن سيارة "جيب" معالم الطريق كما أدى صلاة الجمعة بايكاون.
وقد اتسمت مراحل الإعداد للمشروع بأنشطة مكثفة وأعمال رائدة لسمو ولي العهد آنذاك جلالة المغفور له الحسن الثاني, حيث أولى طيب الله ثراه عناية خاصة لتعبئة الشباب وحفز الهمم معطيا القدوة والمثل بانخراطه الفاعل وعبر مراحل الإشراف والتدبير والإنجاز ولقاءاته بالشبيبة ومحاضراته حول فلسفة المشروع وأبعاده الوطنية كتحدي ورهان يتحتم كسبه , وأهمية التركيز على الشباب من كل أرجاء الوطن للبناء وتوطيد صروح النهضة والتقدم, ومغازي القيم التي يكتسيها المشروع والمتمثلة أساسا في الروح الوطنية والتفاني في خدمة الوطن بإرادية وتطوع ومواطنة صادقة وقوة الالتحام والتمازج بين مكونات المجتمع ووحدة صفها وكلمتها وغايتها وتعلقها المتين بمقدساتها وتجندها لأداء واجبها بكل إيمان وعزيمة.
ولقد حفلت الشهور الثلاثة من يوليوز إلى أكتوبر1957 بروح عالية من التجند التام والعمل البناء في غمرة الحماس الوطني العارم وأجواء مواكبة لإنجاز المشروع جعل منه مدرسة حقيقية للوطنية الخالصة والتكوين والتأهيل للقدرات والكفاءات فضلا عن الفضاءات التربوية والثقافية والفنية مما أعطى لمراحل الإنجاز إشعاعا شموليا لا يستهدف تحقيق إنجاز وحدوي ذي أبعاد اجتماعية واقتصادية فحسب بل ويمتد لبناء الإنسان والارتقاء بالوجدان وإذكاء قيم التضامن والتعاون والتكامل وتفجير الطاقات على درب توطيد دعائم المغرب الجديد.
وفي مستهل شهر أكتوبر1957 كان المغرب على موعد مع الحدث التاريخي المبشر بإنهاء أشغال طريق الوحدة, في غمرة الاعتزاز الوطني بهذه المنجزة الكبرى والتي تكللت بخطاب جلالة المغفور له محمد الخامس في حفلة استعراض متطوعي طريق التوحيد حيث خاطب جلالته معشر المتطوعين قائلا ""... لكم يطفح قلبنا سرورا وابتهاجا ونحن نجتمع بكم اليوم وقد تكللت أعمالكم ولله الحمد بالنجاح وبرزت للعيان نتائج جهودكم وأشهدتم العالم على أن أبناء المغرب إذا تحملوا مسؤولية قاموا بها خير قيام, وإذا اتجهت همتهم إلى غاية مهما عظمت وعسرت فلابد أنهم بالغوها"" مضيفا جلالته معتزا بهذا الإنجاز التاريخي الخالد ودلالاته ""بفضل هذه الطريق المباركة, تضاعفت وسائل الاتصال بين الشمال والجنوب, وتم التوحيد بينهما على صورة أكمل, ذلك التوحيد الذي طالما كافحنا من أجله وتحرقنا شوقا إلى استرجاعه, وأي دليل أقوى على تعلق المغاربة بوحدتهم من هذه المشاركة في أعمال المتطوعين التي قام بها سكان هذه المناطق بحماسة وإيمان"".
وتتوخى أسرة المقاومة وجيش التحرير كسائر شرائح الشعب المغربي وهي تخلد الذكرى الذهبية لطريق الوحدة التي تزدان بالرعاية الملكية السامية استحضار قيم هذا الحدث التاريخي المجيد في مسيرات الحاضر العتيد تحت القيادة الحكيمة لباني المغرب الجديد صاحب الجلالة الملك محمد السادس الذي يحمل لواء إعلاء صروح الوطن بالمبادرات الكبرى وأوراش الإصلاح والتنمية البشرية والنهضة الشاملة المستدامة للمغرب الموحد من طنجة إلى الكويرة, مؤكدا جلالته على التحلي بالمواطنة الإيجابية الفاعلة والملتزمة في ملحمة الجهاد الأكبر وتحقيق مشاريع الخير واليمن والبركات إسعادا لشعبه الوفي بكل أرجاء الوطن وتعزيزا لمسيرة المغرب الموفقة وارتقائه في مدار التقدم والازدهار .
ويتزامن تخليد هذه الذكرى الذهبية التي تقترن بمرور50 سنة على الورش الوطني الكبير لطريق الوحدة مع حدث تثبيت المكاسب الوطنية في الوحدة الترابية بإنهاء المشكل المفتعل حول استرجاع الأقاليم الجنوبية غداة المسيرة الخضراء المظفرة التي انطلقت في سادس نونبر1975 لتجسد إجماع الشعب المغربي حول قضيته الوطنية الأولى, قضية الوحدة الترابية.
واحتفاء بالذكرى الذهبية لهذا الحدث الكبير واستحضار ما يزخر به من معاني الوطنية الخالصة والمواطنة الإيجابية والفاعلة, تنظم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بتعاون مع سلطات إقليم تاونات وفعالياته يوم خامس يوليوز الجاري بالإقليم برنامجا احتفاليا بهذه الذكرى المجيدة تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس.
ويتضمن هذا البرنامج زيارة النصب التذكاري المخلد للحدث وتنظيم مهرجان خطابي بجماعة الزريزر قيادة بوهودة تلقى خلاله كلمات لأسرة المقاومة وجيش التحرير تبرز أبعاد ودلالات هذا الحدث ومكانته في سجل تاريخ المغرب الطافح بالملاحم والمكارم, وحفل تكريم صفوة من المنتمين لأسرة المقاومة وجيش التحرير الذين كان لهم شرف التطوع والإسهام في إنجاز هذه المعلمة الوطنية فضلا عن إقامة معرض للصور التاريخية بالمتحف الإقليمي16 نونبر وعرض شريط وثائقي عن هذا الإنجاز الخالد وذلك بساحة الحسن الأول بتاونات.