الانتخابات والأحزاب والديموقراطية

المثلث الصعب للانتقال في المغرب

الثلاثاء 20 فبراير 2007 - 09:27

تعتبر الانتخابات والأحزاب والديمقراطية الرقم الصعب لكل انتقال ديموقراطي، بل إنه يصعب تحقيقه دون توفر هذه العناصر، التي تشكل مقومات النظام الديموقراطي ذاته، وعلى ضوئها تكتسب الأنظمة السياسية صفة الديموقراطية أو لا .

فالانتخابات آلية سياسية لتحقيق الديمقراطية التمثيلية والأحزاب السياسية هي القوى المؤهلة لممارسة هذه الديموقراطية التمثيلية، عبر العمليات الانتخابات النزيهة.

والديموقراطية هي الأداة الوحيدة، التي تمنح الأحزاب والانتخابات صفة الديموقراطية، مما أهلها لتصبح أهم القواعد الموجهة للعبة السياسية في الأنظمة الديموقراطية
وتمتاز هذه العناصر بالدينامية وبالتجدد.

فالديموقراطية سلوك متجدد، حسب ألان تورين، وكل نظام سياسي لا يجدد ديمقراطيته يمكنه أن يهدد كيانه، باعتبار أن الديموقراطية هي الوعاء الطبيعي لدينامية أو جمود الأنظمة السياسية.

ومما يعطي للديموقراطية ديناميتها ارتباطها بالحرية وبالتعددية، وبدون توفر مبادئ الحرية والتعددية لايمكن الحديث عن أي ديموقراطية، وكل تدن للديمقراطية يؤدي أوتوماتيكيا إلى تدني المشاركة السياسية، وهو ما ينتج عنه بحق أزمة التمثيل، ذلك أن المواطن الناخب لا يشعر بأن له من يمثله، ما يدفعه إلى أن يرى في الانتخابات عملية سياسية لفئات وأحزاب سياسية لا هم لها إلا حماية المصالح الخاصة والإثراء غير المشروع على حساب الديموقراطية التمثيلية.

وعندما نتحدث عن الديموقراطية، فإننا نقصد بها أولا مجموعة من القواعد الأولية الأساسية، التي تحدد من له الحق في اتخاذ القرارات الجماعية، ووفقا لأي إجراءات.

وثانيا هي آلية لاتخاذ القرار وممارسة السلطة وفق قواعد مضبوطة.

وثالثا إنها وسيلة لتحقيق البرامج السياسية وتدبير الشأن العام.

وهذا هو ما يدفع كل الدول إلى وضع ترسانة من القوانين، خاصة بالأحزاب وبالعمليات الانتخابية، بهدف دعم الديمقراطية التمثيلية وتقوية القطبية الحزبية.

ذلك أنه لا قيمة لديمقراطية غير مبنية على شرعية التمثيلية، التي تفرزها صناديق الاقتراع، هذه الشرعية، التي تستمد قوتها من حرية اختيار المواطن لممثليه ومن إجراء الانتخابات النزيهة والشفافة، لذلك يصعب تصور ديموقراطية دون تمثيلية فعلية ومشاركة مكثفة للمواطن في العمليات الانتخابية وأحزاب سياسية ديمقراطية تمارس العمل الحزبي في بعده النبيل.

ولهذا نعتبر الأحزاب السياسية شرطا موضوعيا لتحقيق الديموقراطية التمثيلية، وأن الصراع السياسي لايجري بين أفراد، بل بين مؤسسات حزبية، من أجل تدبير الشأن العام عن طريق التمثيلية.

ونظرا لمهامها التمثيلية، فالأحزاب ملزمة بخدمة ناخبيها على أساس مبدأ الوكالة التمثيلية.

والأساسي هنا هو ضرورة مراهنة الأحزاب السياسية على الديمقراطية، باعتبارها أسلوبا في الحكم والتدبير، والتزاما بسيادة القانون، وحق المشاركة، وتولي المسؤولية
ونشير إلى أن صفة الحزب الديمقراطي تكتسب عندما يجري تطبيق نظام حكم ديمقراطي في تدبير شؤونه وأجهزته، وضبط عملية تحديد الخيارات واتخاذ القرارات وتداول السلطة دوريا.

وعليه، يستحيل على أي حزب غير ديموقراطي، قبل أن يصل إلى الحكم، أن يدبر الشأن العام ديمقراطيا أثناء ممارسة الحكم .

وهذه هي طامة الأحزاب المغربية، التي عجزت، بدرجات مختلفة، عن أن تتكيف مع مرحلة الانتقال الديموقراطي.

وتجربة انتخابات 8 شتنبر 2006 خير نموذج على ذلك.

وعليه، وبعد العثرة الديموقراطية، التي عرفتها انتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين لثامن شتنبر 2006، على الدولة والأحزاب أن تراهنا على دمقرطة سياق انتخابات 2007، التي ستجري في ظل قانون الأحزاب ومدونة الانتخابات الجديدين، وأن تقتنع أنه لا نجاح لأي انتقال ديموقراطي دون إجراء انتخابات نزيهة وشفافة.

فالانتخابات غدت من الوسائل الناجعة لتعميق المسألة الديمقراطية.

والأكيد أن إنجاح العملية الانتخابية لسنة 2007 لايتوقف عند إصدار القانون الانتخابي، بل يتجاوزه إلى إقرار جملة من المقتضيات القانونية والسياسية، بدءا بوضع قانون انتخابي استراتيجي، وتشجيع التسجيل في اللوائح الانتخابية، مرورا بوضع تقطيع انتخابي وفق معايير تنموية وليس أمنية، وصولا إلى الحرص على تحقيق الشروط الذاتية والموضوعية للحملة الانتخابية الناجعة، وضرورة توفير الإرادة السياسية عند كل مكونات النظام السياسي المغربي.

ذلك أن للانتخابات النزيهة أصولا وقواعد سياسية وقانونية تحتم على الفاعلين السياسيين الالتزام بمقتضياتها، فالتزام الإدارة بتطبيق القانون على الأحزاب السياسية، ونهج مبدأ المساواة مع كافة المترشحين أن يضمن نزاهة الانتخابات.

ومن شأن التطبيق السليم والصارم للقانون من قبل السلطة حماية الديمقراطية وتكافؤ الفرص بين المرشحين النزهاء من الممارسات السياسوية لمنافسيهم غير النزهاء، وهذا من شأنه أن ينعكس إيجابا على نفسية المواطن، فكلما أحس الناخب بأن الدولة ملتزمة بتطبيق القانون إلا وساهم ذلك في بناء أواصر الثقة بين المجتمعين المدني والسياسي، وانعكس إيجابا على حجم المشاركة السياسية، ليس فقط في الاستحقاقات الانتخابية، بل في مسلسل تدبير الشأن السياسي ككل.

وفي هذا الصدد، تعتبر الأحزاب السياسية الأساس الجوهري لإنجاز انتخابات قوية وفعالة ونزيهة وشفافة، الأمر الذي يفرض على الفاعلين السياسيين الالتزام بمقتضيات القانون الانتخابي، تجنبا لأي عملية إفساد انتخابي… إن الربط الجدلي بين الديموقراطية والانتخابات والأحزاب السياسية يقودنا إلى البحث عن أسلوب لممارسة العملية الانتخابية بكونها الوسيلة التقنية، التي تمكن المنتخب من النيابة في المؤسسة التشريعية، حسب اتجاهات الرأي العام، المعبر عنها في يوم الاقتراع.

وفي نهاية هذا المقال، نقول إن مسألة الانتخابات تحتل أهمية قصوى في تاريخ الدول، باعتبارها التجسيد العملي لقيمة الديموقراطية، وأن مصير الأوراش المفتوحة سيبقى مرتبطا بإصلاح المنظومة الانتخابية وبتوفر الإرادة السياسية عند الدولة والأحزاب السياسية وغاياتهما من تنظيم الانتخابات.

هل تريد الدولة والأحزاب توظيف الانتخابات التشريعية المقبلة لتعزيز مشروعية النظام السياسي عبر ديموقراطية تمثيلية شكلية تعزز المشروعية التقليدية، مع إعطاء انطباع مغشوش بتعميق المسار الديموقراطي؟ أم أن الدولة والأحزاب السياسية سيراهنان على الوظائف الحقيقية للانتخابات لجعل نزاهة وشفافية هذه الانتخابات مؤشرا حقيقيا للتحول الديمقراطي الفعلي، الذي أصبح مطلبا جماهيريا؟ على كل، أعتقد أن الانتخابات ليست عملية تقنية فقط، بل هي إرادة سياسية توظف إما من أجل تعميق الخيار الديمقراطي، أو من أجل جعلها واجهة ديموقراطية.

والأكيد أن استمرار الدولة والأحزاب السياسية الاستثمار في الخيار الثاني، سيفرز مضاعفات صعبة على المستقبل السياسي المغربي، وهذا ما لا يتمناه كل مواطن مؤمن بأن ربح تحديات مغرب القرن 21 لا يكون إلا عبر الإصلاحات الانتخابية، التي هي الممر الطبيعي نحو ترسيخ الخيارات الديموقراطية.




تابعونا على فيسبوك