صدر العدد الأول من مجلة "ترجميات"وهي مجلة تُعنَى بقضايا الترجمة والتواصل، متضمنا مجموعة من الدراسات والمقالات في هذا الباب، وتروم المجلة الإسهام في استحضار الوعي الغائب بدراسة الترجمة، والتنبيه إلى ضرورة هذه الدراسة والأهمية البالغة التي ينبغي أن تحوزها ض
ونقرأ في تمهيد أحدث الإصدارات الثقافية المغربية أن الحاجة باتت ماسة إلى أن يتوقف العقل الترجمي العربي عند منجزه الممتد عميقا في تاريخ الثقافة العربية، يأتي صدور هذه المجلة التي تنتسب إلى اللغة الواصفة التي استحدثتها الممارسة الترجمية من نفسها، لتكون لها إطارا تفكر من خلاله في كينونتها وفي اشتغالها، ولتوسع من نطاقها، بحيث لا تظل، كما أريد لها، ممارسة حرفية مجردة من نظر يسندها، ولا تعود تلك الممارسة المكتفية بذاتها، ولتدفع بنفسها في صلب التفكير المعرفي الإنساني العام.
جاءت مقالات العدد كالتالي : الترجميات العربية : على سبيل التمهيد لرئيس تحرير المجلة عبد الرحيم حزل، والذي يرى بأنه على الرغم من ظروف النهضة والإحياء التي مرت بها الترجمة، وخاصة في "عصر النهضة"العربية، فإن الازدهار الذي تحقق للترجمة في صورة ذلك التراكم العظيم من المُترجمات العربية، لم يٌفلح في بعث إسهامات رموز النظر الترجمي العربي القديم؛ أمثال الجاحظ والفارابي وابن سينا وحنين بن إسحق والصفدي، وغيرهم من القدماء من مرقدها، لوصلها بما جدَّ على نشاط الكتابة في ذلك العهد، للاستنارة بها في معالجة القضايا الطارئة في تلك الفترة على الثقافة العربية، والأساليب الداخلة على البيان العربي، بفعل اشتداد وتيرة الترجمة، صعودا مع حملة نابليون وما تلاها من تعرُّف العرب إلى الآداب الأجنبية في مجالات كانت لا تزال غريبة عنهم، كالمسرح والرواية والقصة القصيرة وسواها .
أما علي القاسمي، فيشتغل على واقع الترجمة في المغرب العربي، مستنتجا أنه بسبب الثنائية اللغوية الموجودة حاليا في أقطاره، وضعف تعليم اللغات الأجنبية كما وكيفا، وغياب مؤسسات وطنية للترجمة ذات استراتيجيات وأهداف واضحة قائمة على مسح للحاجات الفعلية، وقلة التشريعات المنظمة لاتحادات المترجمين والمشجعة لهم على العطاء والنشر، كل هذه الأمور تجعل من الترجمة ـ في المغرب العربي ـ عملا فرديا تحكمه المصادفة، خاضعا لأهواء هواة المترجمين وقدراتهم المحدودة، بحيث يتضاءل تأثير الترجمة في استنبات الأفكار والنظريات والمناهج والأساليب وحصد ثمارها، وفي تعريف العالم بثقافتنا وقضايانا وكسب تعاطفه معنا.
من مقالات العدد، نطلع أيضا على "الترجمة والتلقي"لحسن بحراوي، "الترجمة وتعلم اللغات بين مبدأي الترويض والتغريب"لرشيد برهون، قراءة في كتاب "درجة الوعي في الترجمة"لرشيد برهون وترجمة لمقال يعود لفاسيليس كوتسيفيتس جاءت تحت عنوان "السبيل إلى نظرية لجوهر الترجمة«، وأنجزهما رئيس التحرير، ثم مبحث "الترجمة بين الاستعلاء الثقافي والاستلاب الحضاري"لعلي درويش، والذي يلاحظ أن ترجمة الشعر تبقى من أصعب أمور الترجمة، إذ إنها تبرز بشكل واضح حالة التجاذب والتنازع بين اللغتين وبين الجمالية والدلالية في النص، مشتغلا تحديدا على بعض إبداعات آن فيربيرن، الشاعرة الأسترالية المهتمة بالشؤون الأدبية والشعرية في العالم العربي، ولا سيما في منطقة الخليج العربي، والتي تنتهج برأي الكابت، الترجمة الإبداعية التي انتهجها فتزجيرالد وكرسه ويلسون وغيره من الشعراء والنقاد المحدثين.
ويتلخص منهجها في الاعتماد على ترجمات وتفسيرات لقصيدة من جانب مترجمين عرب أو أفراد على جانب من المعرفة اللغوية، ثم تقوم بصياغة قصيدة مشابهة لمقاييس اللغة الإنجليزية البلاغية والجمالية.
أما إبراهيم ألحيان، فارتأى التطرق لموضوع "الترجمة والتفاعل الثقافي«، ملاحظا أن الترجمة لعبت دورا أساسيا في تواصل الثقافات والشعوب، ليست لأنها كما يعتقد، نقلا من لغة إلى لغة، بل هي في الجوهر، نقل من ثقافة إلى ثقافة، وهنا تكمن خطورتها، ومطالبا من المترجم أو الوسيط أن يكون متوفرا على مجموعة من الشروط ليحقق المهام المنوطة به في جعل الثقافة التي ينقل إليها تستوعب الثقافات المنقولة، وتدمجها في سياقها الثقافي الخاص.
نختتم هذا العرض ببعض الإشارات النقدية التي حفِل بها مقال "روجي غارودي مترجما إلى العربية : خيبة أمل القارئ"لعبد الهادي الإدريسي، والمبحث عبارة عن قراءة نقدية في الأخطاء الترجمية التي سقطت فيها النسخة العربية لكتاب "الأساطير المؤسسة للسياسية الإسرائيلية"
.
أما مرد الاهتمام بهذا الكتاب، فلأن موضوعه يتعلق بالقضية الفلسطينية، أكبر معضلة أخلاقية يشهدها العالم اليوم، والقضية التي تستحق أن ينتصر لها، لا العرب ولا المسلمون وحدهم، بل كل ذي مروءة وخلق، وعليه، ينبغي بمن يقوم على ترجمة مثل هذا الكتاب أن يحمل نفسه في ترجمته على ما لا يحملها عليه في ترجمته فيره من أمانة وإتقان.
والملاحظ أن المترجم اقتصر على الصفحات 21 إلى 55 من النسخة الأصلية من الكتاب، مؤكدا أن الأمر يتعلق ببعض الأخطاء الواردة في الترجمة العربية والصادرة عن منشورات "الزمن"، على اعتبار أنه أحصى في هذه الصفحات وحدها ما يقل عن 160 خطأ، فيها الهفوة الطفيفة التي لا ينجم عنها كبير ضير، وفيها الكبوة الخطيرة التي تُذهب ببعض المعنى أو به جميعا.