المغرب يحتفي بـ سنة سنغور 2006

الشاعر ورجل الدولة وشادي الزنوجة وداعية الحوار

الأربعاء 08 مارس 2006 - 11:49
الشاعر ليوبولد سيدار سنغور

يعمل المغرب على تنظيم تظاهرة ثقافية احتفاء بالرئيس الشاعر ليوبولد سيدار سنغور وهو بذلك ينضم إلى عمل المجتمع الدولي الذي أعلن سنة 2006 سنة سنغور.


و بهذه المناسبة سيتم تنظيم معرض للصور الذي يكرم سنغور 1906 -2001 في 20 مارس بالرباط تحت إشراف مصلحة التعاون الثقافي والعلمي بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون.

وتهدف التظاهرة التي ستنظم في مقر المجلس الجهوي لجهة الرباط سلا زمور زعير إلى تعريف الجمهور المغربي بالشاعر ورجل الدولة وشادي الزنوجة وأحد الدعاة إلى الحوار بين الشعوب.

وينتظر أن يلتقي مثقفون مغاربة يوم 23 مارس الجاري لمناقشة المؤلفات الأدبية والدواوين الشعرية والمسار السياسي لأول رئيس لجمهورية السينغال
"أنت أسود، أي انت جميل".

لايزال تحديد سنغور هذا، يثير الصدمة إلى اليوم من دون شك أُطلقت هذه العبارة في النصف الأول من القرن الماضي، فشهدت للأنفاس الأولى التي لفظتها حرية السود من خلال خرق المحرَّم الثقيل : الاعتراف بحق الشخص الأسود في أن يكون مثل غيره، والتمتع حتى بسمات الشخص الأبيض، ومن بينها أن يكون جميلاً .

في أبيات سنغور، يتناغم "الأسود" مع "الجميل"، كما في "نشيد الأناشيد"، الذي أعاد كتابته في قالب رائع، فيقول لحبيبته بشكل تفسيري : "لأنك سوداء أنت جميلة"
يعيد سنغور صوغ العالم في شعره.

يفكك القارات ويخلق جغرافيا جديدة هو رجل الثنائيات، الأبيض والأسود، القباحة والجمال، الغربي والإفريقي، رجل الدولة، الأكاديمي والشعبي.

يترصّع في عالم البيض، ويعيد تكوين أبجديتهم وخلق تعبيرهم من الكرسي الذي يشغله في الأكاديمية الفرنسية، على إيقاع الطنطن، الطبلة الإفريقية.

تأخذ كلماته معناها الأول في اعتباطية الإشارات فتستحيل أنغاماً وطبيعة تحبس أنفاسها في موسيقاها "أنا معلّم اللغة، مهمتي أن أوقظ شعبي على المستقبل الباهر بهجتي أن أخلق صوراً أغذّيه بها، يا نور كلام موقّع" : تكمن هنا كامل الوظيفة الشعرية لدى سنغور.

يصيب جان كلود رونار في قوله إن سنغور "عرف أن يؤسس تعبيراً يتناسب مع كونه افريقياً فرنكوفونياً مشبعاً بثقافات أخرى، أي استطاع أن يكون أصلياً ومبتكراً".

إنه بالتأكيد مبتكر، فقد أدخل إلى اللغة الفرنسية كلمات من أصل افريقي مثل : "باناخ" محاكاة صوتية تعني القبلة، "ندوندو" الطنطن، الطبلة الإفريقية، "خلام" قيثارة ترافق الرثاء، "أوزوغون" شجرة استوائية اللائحة طويلة لكننا نكتفي بهذا القدر لندرس إلى أي حد يذهب شعر سنغور بـ "أصالته"، من زاوية عودته إلى الجذور الطبيعية فالطبيعة حاضرة بقوة في شعره.

والمدى التعزيمي الساحري عميق الغور في هذا الشعر من خلال قصائد الرثاء وفي موسيقيته، ذلك أنه منظوم على إيقاعات افريقية الطنطن، في حين أن العرب نظموا أبياتاً عكست إيقاع خطى الجمال في الصحراء من خلال البحر البسيط.

في هذه الموسيقية، يغدو الجوهر الشعري أنطولوجيا الثقافة التي تسمح لنا بـ"الإصغاء إلى نبضات افريقيا العميقة" سنغور الشاعر، عاشق الكلمة واللغة الفرنسية، هو أحد أركان تأسيس الحركة الفرنكوفونية.

ومن شغفه بهذه اللغة الحاملة للثقافة، ولدت فكرة إنشاء مجموعة سياسية وثقافية بين دول تكون الفرنسية القاسم المشترك بينها إلى حين موته، أدى سنغور دوراً ريادياً على صعيد الفرنكوفونية عند إنشاء المجلس الأعلى للفرنكوفونية عام 1984، احتل منصب نائب الرئيس وفي عام 1991 سُمّي رئيساً شرفياً للمجلس.

مفهوم الفرنكوفونية بالنسبة إلى سنغور وهو أحد أهم المنظّرين لهذا المفهوم الاشتراك في خلاصة العوالم synthèse des mondes هو دعوة إلى الحضارة الكلية وحوار الثقافات.

يرى سنغور في اللغة الفرنسية "وسيلة رائعة نُبشت من أنقاض النظام الاستعماري، قد تسمح للمستعمرات السابقة بأن تصل إلى الكلية".

بل يذهب الى أبعد حين يقول : "في الحقيقة، وبعيداً عن سخافة الرفض العنيف لقيم الغرب الأوروبي، كان علينا أن نختار في ما بينها لننتقي منها فقط تلك التي يمكننا أن ندمجها في ثقافتنا ونستفيد منها.

من هنا قولي : نعم للدمج، لا للاندماج" الشغف اللغوي لدى سنغور جزء لا يتجزأ من التزامه السياسي فأعماله الشعرية كافة تتغنى بافريقيا، من بينها "قربان أسود" 1948، "إثيوبيات" 1956، "ليليات" 1961، "رثاء الصابيات" 1969 .

في شعره، التغني بإفريقيا يحضن دائماً التغني بعشيقة أو بلوحة طبيعية أو بالتاريخ
كان سنغور أول رئيس للسنغال، الذي يدين له باستقلاله، لكن السياسي لم ينس قط الشاعر فيه.

هو رجل فكر وقد فهم أن شعبه لن يتقدم إلا من خلال الثقافة والتربية عمل في سنوات حكمه العشرين من أجل الحداثة فأرسى نظاماً تربوياً استثنائياً، وكان أول رئيس إفريقي يستقيل من تلقاء نفسه.

تفيد شخصية سنغور الغنية بالتعددية، بأنه رجل اللقاء والحوار بين الحضارات، فضلا عن كونه من ابرز آباء الفرنكوفونية.

عرف، في باريس، اللقاء الأكثر جمالية وبنائية في حياته، حين كان لا يزال طالباً يافعاً، وهو لقاؤه مع إيمي سيزير.

في الواقع، يستحيل الكلام عن مئوية سنغور، من دون ذكر أكثر رفاق دربه إخلاصاً
حتى أن هذا الكلام يكون مبتسراً وظالماً لأن "الانتفاضة" السوداء أبصرت النور بفضل الجهود المشتركة التي بذلها هذان الشاعران معاً.

كان سيزير طالباً يافعاً عندما وصل من المارتينيك إلى باريس ودخل مدرسة "لوي لو غران" عام 1931 لدى انصرافه من مكتب الدخول، التقى شاباً أسود آخر، هو ليوبولد نفسه، وقد نشأت بينهما صداقة من اللحظة الأولى، فصارا يلتقيان يومياً، وبات عصرهما يدين لهما بالكثير.

في نضالهما ضد الاستعمار، يختلط الواحد بالآخر الى درجة أن المرء لقادر على أن يمزج بينهما أسسا، مع الغوياني ليون غونتران دارنا، ما يُعرف بـ "الزنوجة" للنضال ضد العنصرية، ولمساعدة العالم الأسود في الانعتاق من العبودية والاسترقاق.

يقول سيزير : "كنت وسنغور نركز كثيراً على التقاء الحضارات كنت أتطلع إلى التعرف إلى السينغال وإفريقيا أعرف أنهم أخوة لكن أحداً لم يقل لي ذلك، الكتب على وجه خاص
تحدثنا عن ماضي إفريقيا، وأنا تحدثت عن ماضي المارتينيك والكريول والهجرة وعالم الاستعمار وفرنسا، وعنا نحن ورأيت أننا كنا نتلاقى حول نقاط كثيرة وهكذا نشأت الزنوجة".

في أي حال، فإن سيزير هو الذي ابتكر كلمة "الزنوجة"، وهي بالنسبة إليه "مجرّد اعتراف المرء بواقع أن يكون أسود وقبوله بهذا الواقع وبقَدَر الأسود وتاريخنا وثقافتنا"
قَدَر الأسود المشترك هذا الذي يواجه رهاب العرق الآخر واستغلال الرجل الأبيض، هو الذي دفع سنغور إلى أن يذهب أبعد من سيزير في مفهوم "الزنوجة" : "الزنوجة واقع وثقافة.

إنها مجموعة القيم الاقتصادية والسياسية والفكرية والمعنوية والفنية والاجتماعية لدى شعوب إفريقيا والأقليات السوداء في أميركا وآسيا وأوقيانيا" أراد سنغور الوصول الى ما يتعدى الاعتراف بالشعب الأسود أراد توحيد الشعب الأسود في ظل قانون مجموعة سياسية اجتماعية افريقية واحدة حتى أنه تحدث عن "ثقافة سوداء" ترتبط بالطبيعة والأجداد.

وقد تكون هذه الطبيعة بالنسبة الى الشاعر أكثر حدسية من الأوروبيين "الديكارتيين"
فنفهم لماذا أراد البعض رؤية رد فعل مناهضة للاستعمار من خلال هذه العودة إلى الطبيعة الواردة في تحديد سنغور الاثني حتى أن جان بول سارتر حذّر من هذا المسلك الفكري الذي قد يفضي الى التباس عنصري ضد العنصرية.

لكن نظراً إلى الظروف التاريخية، فقد كان لسنغور الحق الكامل في أن يفعل ذلك كرد فعل مناهض للاستعمار ومع كامل احترامي لأعمال سارتر وإعجابي بها، لا أذكر أني قرأتُ له يوماً رواية يكون فيها البطل أسود.

قد يندرج موقف سارتر حيال رد فعل سنغور، عن شعوره كغربي بذنب تقليدي في أوساط الغربيين المناهضين للاستعمار اسمحوا لي هنا ان أعيّن نفسي محامية دفاع عن سنغور، وأجيب سارتر بكل تواضع أن ستاندال درس طبيعة الشعوب الجنوبية قبله بقرن
اهتم بالإيطاليين والاسبانيين واعتبرهم شغوفين أكثر من شعوب الشمال.

كان ستاندال يقترب أكثر ما يمكن من بلاد الشمس باحثاً عن أبطاله لكن، لنسمِّ الأشياء بأسمائها : بما أن لون الإيطاليين والاسبان من لون الفرنسيين، لم يجرِ الحديث عن عنصرية في تلك الحال.

انطلاقاً من مبدأ علم الإنسان، يكون سارتر محقاً تماماً لكننا من جهة أخرى، بعيدون عن انقلاب في الأدوار حيث أن الأسود لا يزال يُعتبر حتى الآن أسود، من دون اعتراف عميق به.
فقد يكون قاسياً التحدث عن عنصرية مناهضة للعنصرية لدى رجل مثل سنغور، عاشق للثقافة واللغة الفرنسيتين.




تابعونا على فيسبوك