معرض طنجة الدولي للكتاب

احتفالية الشعر والتشكيل والتاريخ

السبت 04 مارس 2006 - 12:18
معرض طنجة الدولي للكتاب

تزامنت الذكرى الخمسينية لاستقلال المغرب، هذه السنة، مع انعقاد الدورة العاشرة لمهرجان طنجة الدولي للكتاب، الذي تختتم فعاليتها اليوم 5 مارس 2006 وهي دورة اتخذت كشعار لها : "بكل استقلالية : الاستقلال السياسي واستقلال الإنسان" احتفاء بالذكرى الوطنية الكبيرة


فمنذ خمس سنوات والمعرض يتيح لقاءات ثقافية عالمية متعددة الاختصاصات تحاول أن تطرح تساؤلات أساسية تشغل إنسان القرن الواحد والعشرين، وهو يتطلع نحو المستقبل
فكان شعار دورة 2002 حول موضوع : "الكتابة والمقاومة" وفي 2003 "كتابة المستقبل على ضوء التاريخ" وفي 2004 "مسؤولية المثقفين" وفي سنة 2005 حول موضوع "ما الذي يخبئه لنا المستقبل؟" وبذلك أصبح معرض طنجة ملتقى حقيقيا للتبادل والنقاش.

وقد شهدت هذه الدورة مساهمة مجموعة كبيرة من الكتاب والمفكرين والمبدعين، وتنظيم العديد من الندوات والموائد المستديرة حول مواضيع مرتبطة بالتطورات السياسية والحضارية التي يشهدها العالم العربي والإسلامي.

وجرى تقديم العديد من المعارض والعروض الموسيقية والفنية والندوات التي أطرها مؤرخون مغاربة وأجانب عاصروا الاستقلال وهي تدخلات ومواضيع تطرقت إلى التطور الذي شهده المغرب على جميع الأصعدة خلال الخمسين سنة من الاستقلال والرهانات التي يتعين عليه رفعها لمواصلة مسيرة التنمية.

وفي هذا الإطار جرى تنظيم لقاء حول استقلال المغرب أطره المفكر والصحافي المهدي بنونة والمؤرخ الفرنسي "بيير فيرمان" الذي قضى بالمغرب ثماني سنوات، كما تناولت ندوات أخرى مواضيع "تحرير الدولة وتحرير المجتمع" و"الإبداع الأدبي المغربي قبل وبعد الاستقلال".

كما تميزت الدورة العاشرة لمعرض الكتاب بطنجة والتي تعد ثاني تظاهرة ثقافية على المستوى الوطني بعد معرض الكتاب بالدارالبيضاء باحتضانها لإبداعات الأدباء المنحدرين من شمال المغرب، وكذا المبدعين الشباب المقيمين بالخارج.

وقد خصص منظمو المعرض لهذا الموضوع طاولة مستديرة تحت شعار : "الجيل الجديد من الكتاب : داخل النص وخارج الوطن" شارك فيه مبدعون طبعوا الساحة الثقافية في الخارج، خصوصا في مصر وهولندا وفرنسا، بمؤلفاتهم الإبداعية، وبذلك تكرس هذه الدورة تقليدا وسنة دأب معرض الكتاب بطنجة منذ انطلاقته الأولى على تأكيدها، وذلك لتمكين المبدعين من جيل الشباب من صقل مواهبهم وشحذ مهاراتهم الفنية والأدبية، من خلال احتكاكهم مع أقلام ورموز محفورة ومنقوشة داخل حقل الإبداع الإنساني العالمي.

وقد أتاحت الدورة العاشرة للمعرض، فرصة لتقييم تطور المحيط الأدبي والفني المغربي، خلال الخمسين سنة الأخيرة، خصوصا بعض الظواهر التي تخللت مسيرته كالقطيعة مع الشعر الكلاسيكي وظهور مصطلحات أدبية جديدة، وانعكاس الواقع على الإبداع الأدبي
وقد انطلقت فعاليات المعرض الدولي للكتاب بطنجة بافتتاح معرضين للفنون التشكيلية، الأول بعنوان "الفن والكتابة" والثاني لأعمال الفنان الطنجي محمد المرابط، ففي معرض "دو لاكروا" أبدى العديد من زوار المعرض إعجابهم الكبير بالمزج الجميل بين كلمة الروائي أو الشاعر ولمسة ريشة الرسام على صفحات كتب قيمة لدور نشر شهيرة أو لكتاب مرموقين.

فعلى صفحات كتب شهيرة، كان اللقاء بين أسماء مبدعة في عالم الرواية والشعر والفنون التشكيلية من قبيل "بيير ريفيردي"، "أندري دو بوشي"، "هيرمان ميلفيل"، "بابلو بيكاسو" أو "هنري ماتيس".

وعن الجانب المغربي حضرت أسماء كبيرة في عالم الأدب المغربي بصمت المشهد الفني والأدبي حيث أثثت مؤلفات محمد قاسمي، رشيد قريشي وعبد اللطيف اللعبي فضاء المعرض في تعبير جلي عن التبادل الثقافي.

وفي فضاء "مركب الدوليز" الذي احتضن التظاهرة هذه السنة بدلا من المعهد العالي الدولي للسياحة الذي احتضنها منذ انطلاقتها، وذلك بهدف تقريب المعرض من جمهور مدينة طنجة، وفتح الأبواب أمام جميع الطبقات الاجتماعية والفئات العمرية والثقافية، في هذا الفضاء ثم عرض إبداعات الفنان التشكيلي الطنجي محمد المرابط عبارة عن مجموعة أعمال منتقاة من إبداعاته التي تجاوزت كل الحدود والاعتبارات الأكاديمية اللصيقة بمدارس الإبداع التشكيلي.

والتي تدل على "عصامية" الفنان المرابط وبالتالي أهمية ودور "العصامية" والجهد الخاص والشخصي في ميادين إبداعية متنوعة, كما جاء أيضا في ندوة : "الإبداع الأدبي.

تجربة الذات وتجربة العالم" أن أغلب النصوص الأدبية الرفيعة أبدعها أدباء بالارتكاز على تجاربهم الشخصية في الحياة أو بنقل مشاهد من الواقع بلغة أدبية راقية وبأسلوب جميل بتناسق خلاب، وانطلاقا من تجربتها الذاتية أوضحت الروائية سعاد بهيشار المتخصصة في تاريخ الفنون أن "الإبداع لا يعد مرآة يرى المجتمع نفسه من خلالها، بل هو إيضاءات على مشاكل وتناقضات يعيشها الناس في كل مناحي الحياة.

الأدب إنارة لطريق الإنسانية" وفي تدخله في إطار الندوة رأى يوسف أمين العلمي من جيل الروائيين الشباب أن "الملهم الأول للأديب هو العالم الخارجي" حيث أوضح أن "أي أديب لا يمكنه تجاهل تأثير البيئة والتربية والاعلام وغيرها على رؤيته للأشياء واستيعابه لها".

وتشير الروائية الفرنسية "جيزيل بينو" إلى أن القراءات الأولى في سن الطفولة تحدد بشكل كبير أسلوب ولغة الأديب، وأن استعمال لغات أجنبية لرواية حكايات محلية يعد خيانة لروح ومعنى هذه الحكايات، مستندة في هذا الحكم إلى بعض رواياتها التي تحكي قصصا شعبية لبلدها الأصلي جزر الكراييب.

وفي إطار الندوة قالت المؤرخة والأديبة "نيكول السرفاتي" أنها بحثت في كتاباتها الأولى عن ملامح هويتها وحدود شخصيتها، مستندة إلى تراثها اليهودي المغربي الفرنسي، وذكرت أن هذا التراث غني بمفاهيمه ومفرداته التي تراكمت بفعل تفاعل الثقافة اليهودية التي تعايشت مع عدد من الحضارات المتعاقبة على المغرب، وتبنت الروائية الفرنسية "كليمانس بولوك" الفكرة ذاتها لكونها تنحدر من أسرة يهودية مغربية هاجرت إلى فرنسا، مضيفة أن الكتابة والقراءة تعتبر في كثير من الأحيان تنقيبا في الذاكرة والتراث الإنسانيين.

وفي إطار الدورة العاشرة لمعرض كتاب طنجة أحيا الشاعر العربي الكبير أدونيس أحمد سعيد رفقة الشاعرة الفرنسية من أصل لبناني فينوس خوري غاتا، أمسية شعرية أبدع فيها الشاعر متحديا حدود اللغة متجاوزا معاني المفردات بشعره البليغ ولغته الرصينة لينقل المستمعين إلى أجواء وفضاءات متخيلة تتجاوز حدود الثقافات والعرقيات وتحمل قيم الحداثة الكونية وتدعو إلى التعايش والسلام من أجل السلام .

كما تلا قصيدة شعرية مترجمة للشاعرة فينوس خوري حول القضية الفلسطينية، وفي حضور عدد من الأدباء والكتاب والفنانين المشاركين في هذه الدورة .

وكان للشعر حضور كبير في هذه الدورة واحتل حيزا كبيرا داخل فضاءات التظاهرة الثقافية الكبرى أمسيات شعرية أحياها العديد من الشعراء المغاربة والعرب والفرنسيين، مما أعطى فرصة لتقييم تطور المحيط الأدبي والفني المغربي، خلال الخمسين سنة الأخيرة خصوصا بعض المستجدات التي تخللت مسيرته ساهم في إحياء هذه الأمسيات والتدخلات إلى جانب الحضور القوى لكل من أدونيس وفينوس خوري من الشعراء محمد بنيس، "آن ذي بوشيه"، "غي كوفيت"، "جلال الحكماوي"، "رشيد المدني"، "لويس مينوز" "جان بيير سيميون" وعبد الكريم الطبال.

وفي ندوة "الإبداع الأدبي : داخل وخارج الوطن" استعرض مجموعة من الأدباء المغاربة الشباب المقيمين في الخارج مسيراتهم في دنيا الإبداع والكلمة الجميلة، وقد شكلت فكرة "الإبداع لا حدود ولا وطن له" التي أجمع عليها كل المتدخلين، وسواء أكان الدافع إلى هجرة هؤلاء الأدباء البحث عن آفاق جديدة للإبداع أو تجاوزا لصعوبات النشر والتوزيع ومحدودية القراءة داخل المغرب، فإن القاسم المشترك بينهم جميعهم معالجتهم لمواضيع مستقاة من الثقافة والواقع المغربي بكل تمظهراته وتجلياته، وقد شدد المتدخلون خلال هذه المائة المستديرة على ضرورة التمييز بين الأدباء الذين تربوا داخل أرض الوطن وهم الأكثر اطلاعا على المشاكل التي يعيشها المجتمع المغربي، وبين أدباء فتحوا أعينهم في مجتمعات أخرى، ذلك أن الأديب والمبدع هو ابن بيئته.

وفي هذا الإطار حكى الكاتب عبد الله الطايع عن تجربته التي استقاها من حياته وطفولته التي قضاها داخل أسرة محافظة موضحا أن "الأنانية التي تطبع كتاباته انتقام من النمط التقليدي للأسرة المغربية التي تسحق وتمحي دور الفرد لصالح الجماعة أو لسلطة أعلى" وأن تجربته هذه هي التي أملت عليه كتابة روايته بعنوان : "مون ماروك" تلتها كتابات أخرى تسير على النسق نفسه، واعتبر الكاتب محمد حمودان المقيم في فرنسا أن السياسة هي المحرك الأول لأي مبدع، سواء بحضورها القوي أو بغيابها الكلي عن حياته، مبرزا أن الإبداع هو تجاوز للضوابط التي تحكم المجتمع والإبحار في عالم لا يعترف إلا بحدود الكلمات.

وتوالت تدخلات أدباء شباب آخرين يعيشون في المهجر، حكوا عن تجاربهم وكيف يعتبرون أنفسهم يحملون مشعلا للإبداع المغربي خارج الوطن وقدمت خلال هذه المائدة المستديرة "دومنيك كوبي" كتابها بعنوان : شوف شوف هولندا التي يعرض مونوغرافيا للأدباء والفنانين المغاربيين الذين حققوا نجاحا في الساحة الثقافية بهولندا ومن بينهم على الخصوص مغني الراب على والرسام التشكيلي رشيد بنعلي والكاتب مصطفى استيتو وخالد بودو.

كما نظم لقاء مع الكاتبة الفرنسية "ادموند شارل ـ رو" حول كتابها "إيزابيل الصحراء" الذي عرضت فيه لحياة "إيزابيل إيبرهاردت" ودورها في العلاقات بين المغرب وأوروبا، وعقدت مائدة مستديرة خصصت لقراءات تحليلية لوثيقة الاستقلال وانعكاساتها على العلاقات الفرنسية المغربية ودور الراحل محرر البلاد المغفور له محمد الخامس، تدخل خلالها الأساتذة : عبد السلام عشاب، عبد اللطيف شهبون، فيصل الخطيب، محمد عابد الفاسي الفهري، وأدارها محمد مصطفى الريسوني.

كما أقيم حفل تقديم كتاب "هيربرت فيدرين" وزير سابق للخارجية في عهد فرانسوا ميتران والذي خصصه للرئيس الفرنسي الراحل, وفي إطار الدورة العاشرة لمعرض الكتاب بطنجة عرض العديد من الأشرطة السينمائية.
كما ألقى عبد العزيز المودب محاضرة حول العلامة عبد الرحمن ابن خلدون كما قدمت العديد من الأنشطة والفعاليات في إطار هذه الدورة كان للأطفال نصيب وافر منها.




تابعونا على فيسبوك