الصحافية الإسبانية كارلا فيبلا صالا في كتاب جديد عن العلاقات المغربية ـ الإسبانية

إسبانيا والمغرب من الضفة الجنوبية

السبت 25 فبراير 2006 - 14:08
كارلا فيبلا صالا

منذ صعود الحزب الاشتراكي العمالي بزعامة خوسي لويس رودريغيث تباثيرو للحكم في مدريد في 14 مارس 2004 وسقوط الحزب الشعبي بزعامة رئيس الوزراء السابق خوصي ماريا أثنار دخلت العلاقات المغربية ـ الإسبانية مرحلة جديدة بعد ثماني سنوات من الجليد المتجمد فوق مياه مضيق

"العديد من الديمقراطيين المغاربة يعلنون بأنهم يؤيدون النموذج الملكي الإسباني، مؤكدين على أن إسبانيا هي النموذج الأبرز لإمكانية الدمقرطة الخالية من القطائع الثورية ".

الماضي المشترك وثقل التاريخ أما محمد العربي بن عثمان فقد تحدث في مداخلته التي جاءت تحت عنوان "المغرب وإسبانيا، توظيف غير متكافئ للتاريخ " عن التاريخ باعتباره جسر التقريب بين البلدين، واصفا ذلك بـ "خطر القرب " الجغرافي الذي يعد أحد مفاتيح السياسة الدولية، وقال "إن المغرب وإسبانيا قد عانيا الكثير بسبب التوظيف السيء للماضي المشترك الذي أفرزه هذا القرب "، فقد مرت علاقات البلدين بمرحلة الأندلس المسلمة في إسبانيا، ثم مرحلة حرب الاسترداد المسيحية واحتلال سبتة ومليلية ثم الاحتلال الإسباني لشمال المغرب ومعركة أنوال التي لا تزال تسكن الذاكرة الإسبانية، مضيفا بأن "هذا المسلسل لم يتوقف على الرغم من أنه حصلت في الجانب الآخر محاولات للانفتاح نحو الجانب الآخر وارتفعت أصوات تدعو إلى بناء علاقات منبنية على المصالح المتبادلة ".

ودعا بن عثمان إلى التخلي عن النظر إلى الخلف و "بناء العلاقات انطلاقا من الحاضر وليس بناء على الحنين إلى الماضي "، مستدلا بالعلاقات الفرنسية ـ الألمانية بعد حرب المائة عام.
وجاءت مداخلة الكاتب والروائي عبد القادر الشاوي تحت عنوان "إسبانيا والمغرب : الجوار الملغوم "، وتطرق فيها إلى كيفية صناعة صورة الآخر لدى كل طرف، ففي الوقت الذي حاول فيه الإسبان تسويق صورة "المورو " ضد المغاربة بعد احتلالهم للثغور المغربية والأقاليم الجنوبية للمغرب، طور المغاربة في عهد الحركة الوطنية ومقاومة الاستعمار صورة "المحتل " ضد الإسبان.

وقال الشاوي إن "اليسار الإسباني، خصوصا إثر وصول الاشتراكيين إلى الحكم في بداية العهد الديمقراطي، عمل على تكريس صورة سلبية عن المغرب في وسائل الإعلام العمومية، منطلقا من وصفه بالحكم المستبد والتقليدي "، واستخلص الشاوي في مداخلته أن علاقات البلدين هي علاقات ملغومة بفعل التاريخ الطويل من المواجهات العلنية والصامتة بينهما، وعزا ذلك إلى أن الأمر "لا يتعلق فقط بعلاقات بين بلدين أو بين حكومتين، أي بعلاقة رسمية، ولكن بعلاقة بين صورتين تاريخيتين متبادلتين صنعتهما الأحزاب السياسية والمخيال الاجتماعي وصراعات المصالح ".

وفي مداخلة بعنوان "العلاقات المغربية الإسبانية : جاران بلا تواصل "، أشار البشير الدخيل إلى ثراء الماضي المشترك بين البلدين، غير أنه لاحظ غياب هذا الماضي الغني في دفع البلدين نحو نسج علاقات جوار جيدة بينهما، وقال إنه يبدو أن البلدين قد نسيا الإضافة التاريخية والحضارية التي قدمتها مرحلة الأندلس الإسلامية لإثراء العلاقات، وأن المسؤولين الإسبان يتناسون هذا الماضي الإيجابي بل "هناك مواقف تؤكد على استخفاف إسبانيا بجارها الجنوبي "، وهو ما تحاول النخبة الإسبانية إحياءه كلما تعلق الأمر بالحديث عن العلاقات مع المغرب، حيث أصبح يشار إلى أزمة جزيرة ليلى المغربية(بيريخيل كما يسميها الإسبان) كحالة نموذجية لرفض الآخر.

وعلاوة على ثقل الماضي في الذاكرة الإسبانية وكونه عقبة في طريق تطوير العلاقات الثنائية، يشير الدخيل إلى عامل آخر يعرقل جودة هذه العلاقات، ويتعلق بالطبقة السياسية في المغرب التي تعتبر "موجهة بالخصوص نحو وجهة واحدة فقط مما يعكس فقرها، فهي تتوجه شمال ناحية باريس، ولا شيء غير باريس، إنها نفس الطبقة السياسية التي تتكلم وتفكر باللغة الفرنسية ".

وفي مداخلة تحت عنوان "سيكولوجيا العلاقات المضطربة بين المغرب وإسبانيا " شبه الصحفي عبد المحسن الحسوني من جريدة "ماروك سوار " بعلاقة زواج فيها لحظات صعود وهبوط مستمرة "لكنني لن أحدد من يلعب دور الزوج ومن يلعب دور الزوجة "
وقال الحسوني إن العلاقات بين البلدين هي اليوم علاقات جيدة، لكن الطرفين مدعوان إلى تنازلات متبادلة من أجل تطويرها بشكل أفضل.

أما في ما يتعلق بثقل الماضي في الذهنية الإسبانية والتخوف من المغرب فقد قال الحسوني "على الإسبان أن يفهموا جيدا أن المغاربة لا يملكون لا الإمكانيات ولا الرغبة في استعادة الأندلس "
الهجرة السرية ظاهرة بنيوية موضوع الهجرة السرية كان محور مداخلة الباحثة الأنثروبولوجية الإسبانية ميرسيديس خيمينيث من جامعة إشبيلية التي حملت عنوان "الهجرات الجديدة في المغرب : حالة المهاجرين القاصرين " .

وقالت الباحثة إن هناك ثلاث عوامل تشجع ظاهرة هجرة الأطفال القاصرين بالمغرب، والذين يطلق عليهم أيضا في الأدبيات الرسمية "الأطفال غير المصحوبين بأوليائهم " : العامل الأول يخص ما دعته بنظام الإقصاء الاجتماعي الذي يعاني منه أغلب الراغبين في الهجرة، وهي نفس الفئة الاجتماعية التي تهاجر من البوادي إلى المدن داخل المغرب، ولاحظت الباحثة أن هذه الفئة ماضية في الاتساع بسبب آليات العولمة ونظام التقسيم العالمي للعمل الذي حول الاقتصاد المغربي "إلى نقطة جذب لعدم التركيز الصناعي ".

أما العامل الثاني لهذه الظاهرة الهجروية الجديدة فهي تخص "وضعية نظام الحماية الخاصة بالطفولة في المغرب وتطبيقاتها الاجتماعية "، على الرغم من أن الباحثة تسجل تحسن المنظومة التربوية في المغرب ووضع تشريعات قانونية جديدة في هذا الإطار وخاصة مدونة الأسرة الجديدة، إلا أنها تقول بأن هذه الخطوات تظل بحاجة إلى خطوات مصاحبة أخرى.

وتشير ميرسيديس خيمينيث إلى أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المغرب خلال الأعوام الأخيرة قد عملت على ترويج ظاهرة الهجرة باعتبارها المخرج الوحيد للساكنة النشطة من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، حيث أصبح فكرة أن "المستقبل يوجد في الخارج " مسيطرة على الشباب والأطفال من الجنسين.

وتلاحظ أن عدد الأطفال القاصرين الذين يهاجرون إلى إسبانيا قد تزايد بشكل مثير خلال العامين الأخيرين، وتدعو من ثمة كلا البلدين إلى تصحيح هذه الوضعية المختلة من خلال وضع آليات للتعاون المشترك للقضاء على الظاهرة.

وكتب المستعرب الإسباني مانويل لورينثو بيلار من الجامعة المستقلة بمدريد مداخلة تحت عنوان "الهجرات في المغرب ظاهرة بنيوية "، حيث قدم بعض الأرقام المتعلقة بأوضاع الهجرة والمهاجرين بين المغرب وإسبانيا، وشهادات بعض المهاجرين في إسبانيا حول ظاهرة "الحريك "، وأبرز الطابع السياسي للظاهرة في العلاقات المغربية الإسبانية ومحاولة التوظيف السياسي الذي تخضع له من جانب طرف مقابل الطرف الآخر، وأكد في ختام مداخلته على ضرورة أخذ المحيط العام الاقتصادي والسوسيواجتماعي بالمغرب بعين الاعتبار إذا ما أريد لظاهرة الهجرة أن تتوقف.

مبرزا أن "الحلول لهذه الظاهرة، على الأقل في المستوى القصير والمتوسط، غير موجودة، لأن عمق المشكلات التي تدفع نحو الهجرة ذو طابع بنيوي، من أجل هذا فإننا متخوفون من أن نبقى شاهدين على التسلل الكبير للمهاجرين السريين المغاربة ومن الساحل الإفريقي على أبواب أوروبا، الذين يواصلون المجازفة بحياتهم تاركينها في مياه مضيق جبل طارق " .

ما يفرق بين إسبانيا والمغرب في القسم الأخير من الكتاب وضعت كارلا فيبلا رصدا القضايا الخلافية التي لا تزال تفرق بين الضفتين الشمالية والجنوبية وتغذي الخلافات بين البلدين، وهي : الهجرة، الصيد البحري، الفلاحة، الصحراء، سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وجزيرة ليلى(0بيريخيل)، ورسم الحدود البحرية، وأخيرا الصحافة والإعلام وصناعة الصورة.

ورأت المؤلفة أن هذه هي جملة القضايا التي على المجتمع المدني والصحافة في المغرب وإسبانيا التعاطي معها بجدية وخلق حوار من أجلها، وختمت كتابها بالقول : "من هنا فإن على المجتمع المدني أن يأخذ المبادرة لأن جميع المبادرات الثقافية المقترحة من طرف الحكومتين في البلدين قد منيت بالفشل في أوقات المواجهة، وبالفعل، فإن لجنة إبن رشد التي انطلقت أخيرا(15 و17 يناير 2005) لم تصل بعد لتكون مبادرة جيدة لأن الشكليات ما زالت مهيمنة بشكل كبير وهناك قدرة قليلة على اتخاذ القرارات التي من شأنها أن تدفع نحو المصلحة المشتركة واكتشاف الآخر " .




تابعونا على فيسبوك