أنجز الباحث المغربي حسن الوزاني أخيرا وبشراكة مع اليونسكو دراسة عن قطاع النشر في المغرب لصالح وزارة الثقافة المغربية, وهي دراسة توصلت للعديد من الخلاصات منها هيمنة الكتابات الإبداعية والنقدية على النشر خاصة الكتاب الأدبي والشعري.
كما بينت الدراسة هيمنة الكتب المترجمة من اللغة الفرنسية إلى العربية على حساب باقي اللغات.
وأن أغلب الترجمات الصادرة كانت على شكل مبادرات فردية, كما أشارت الدراسة إلى تراجع عدد الكتب المؤلفة في المجال العلمي والفلسفي والديني.
خلاصات ونتائج كثيرة انفردت الصحراء المغربية بنشرها لأول مرة وقبل أن تتم مناقشتها خلال اليوم المهني الذي نظم بالمعرض الدولي للكتاب في دورته الثانية عشر
عن أهمية هذه الدراسة، أكد الأستاذ حسن بحراوي، أنها دراسة مهمة بالنظر إلى قيمتها الأكاديمية والى المنهج البحثي الذي استعمله الكاتب والمدة التي اشتغل عليها واستخلاص النتائج التي توصل إليها.
إذ قال الأستاذ بحراوي "نحن أمام عمل علمي يقوم على استقراء وضع النشر والقراءة في المغرب وهو يكمل تجربة العمل البيبلوغرافي في المغرب منذ فترة طويلة وعمل حسن الوزاني تتويج لجهود قام بها باحثون في السابق وفي هذا الموضوع وان اختلفت الفترات الزمنية مثل بيبلوغرافيا التازي وعبد الرحيم المودن.
والوزاني يشتغل على نوع جديد من البحث وهو البيبلوميتري، وهو علم قياس وتوجيه وقراءة الكتاب وهو علم حديث نسبيا وهو الإحاطة بجميع جوانبه التصنيعية والإنتاجية والسوسيوثقافية والأبعاد الفكرية والاديولوجية فهو كميزان حرارة نقيس به وضعية نشر الكتاب في بلد ما".
والنتائج التي توصلت إليها الدراسة، أوضح الكاتب إلى أنها نتائج لا تخص الفترة التي استغرقتها الدراسة، بل تعني وضعية النشر بالمغرب ويمكن، يضيف الكاتب، تطبيق هذه الدراسة على دول أخرى مثل دول المغرب العربي.
وفي ما يخص هيمنة الإنتاج الأدبي على باقي الانتاجات الإبداعية والنقدية أو تقلص الكتاب الفكري والعلمي أو التحليلي، أكد الكاتب أن هذا راجع ربما لطبيعة الكاتب المغربي وميله أكثر إلى الأمور ذات الطابع التخيلي والذهني أكثر من جنوحه نحو كتابات تحليلية مدققة والصارمة.
وفيما يخص الشعر، فقد اعتبر الكاتب أن الشعر هو ديوان العرب والمغاربة "ويرجع الإقبال على نشر دواوين الشعر على حساب الكتب الدينية أو باقي الإبداعات لأنها أعمال أقل تكلفة وعناء من نشر كتب فكري يقين أو كتاب نقذي دو أهمية ودو ثقل في الميدان" والشعر، يضيف الكاتب، من طبيعته أنه يبحث عن الانتشار الواسع بين القراء ويكتسح الفئات العريضة من القارئين بينما الأنواع والإبداعات الأخرى كالرواية مثلا فهي حديثة على الأدب المغربي ولم تظهر بداياته إلا في الستينيات وتقريبا كان الشعر النوع الأدبي الوحيد في الأدب المغربي الأكثر انتشارا وقراءة والأكثر مقروئية وهذه النتيجة لايمكن أن تفاجئ المتتبع لعلاقة القارئ المغربي بالأعمال الأدبية وأنواعها الرائجة.
وعن الترجمة التي تكرس اللغة الفرنسية كلغة مركزية في ترجمة المؤلفات بالمغرب، أكد الكاتب أن ذلك راجع لأسباب تاريخية وثقافية بحكم أن المغرب كان مستعمرة فرنسية وعاش فترة كبيرة تحت الحماية الفرنسية وحتى عندما انسحب المستعمر الفرنسي بقيت لغته وثقافته رائجة في التعليم وفي وسائل الأعلام ومازالت تؤثر إلى اليوم في قطاعات عريضة للمتعلمين والمتلقين ومتداولي الكتاب والقراءة في المغرب.
"والواقع أن المترجمين المغاربة في معظمهم يستعملون اللغة الفرنسية كاستمرار لحضورها كمحور لغوي مركزي في الثقافة المغربية الحديثة بالرغم أحيانا من بعض المحاولات للترجمة من لغات أخرى ومنها الإسبانية أو الانجليزية وهذه تبررها وضعيتنا السوسيو ثقافية بوجه عام".
وأرجأ الكاتب تراجع اصدارات الكتب الفلسفية إلى الحصار الذي واجهته الإبداعات الفلسفية منذ منع تدريسها في المناهج والمؤسسات التعليمية في بداية الثمانينات "فقد ضرب حصار رسمي حول تدريس الفلسفة وانعكس ذلك على حركة التأليف التي كانت جد نشيطة مع كتاب وفلاسفة مرموقين مثل عابد الجابري ومحمد سابيلا وكمال عبد الضيف وعبد السلام بن عبد العلي وسالم يقوت.
إذ وجدوا أنفسهم في لحظة من اللحظات في وضع مقلق يمنعهم من تطوير ونشر المعرفة الفلسفية المختلفة", لكن اعتبر الكاتب أن ماجاءت به الدراسة مهم في هذا المجال، لأنه يبدو أن الفلسفة بدأت تعرف نشاطا وتنوعا في الفترة الأخيرة، مع عودتها إلى الجامعة المغربية وهي عودة وصفها الكاتب بالمحمودة والمشروعة والمستحقة. وبصمام الأمان ضد محاولات التطرف والانخراط في الظلامية وذلك "لأن الفلسفة كانت بأخلاقها وأسئلتها ومبادئها تمنع انصراف القراء إلى التطرف" ويعتقد الكاتب أن الـ 20 سنة من الحصار الذي عانته الفلسفة هو الذي قلص على نحو ما التأليف الفلسفي والنشر ويبدو أن هذه الفترة الأخيرة عرفت صحوة لهذا القطاع وهذا يبدو من الانتاجات والكتب المتعددة التي بدأت تملأ الرفوف سواء الكتب المؤلفة أو المترجمة. وفسر الكاتب عزوف الكتاب عن الكتابة بأن ذلك عائد إلى شروط النشر والتوزيع في المغرب، التي تعتبر مغامرة غير مأمونة.
خاصة أن أغلب الكتاب الذين يقبلون على نشر كتبهم، ينفقون عليها من أموالهم الخاصة
ونظام التوزيع في المغرب وصفه الكاتب بغير العقلاني وغير المدروس
"لا يتيح للمؤلف ان كان ناشرا في الوقت نفسه هامشا معقولا من الربح يشجعه على معاودة الكتابة والنشر مرة أخرى، وغالبا ما تكون التجربة الأولى هي التجربة الأخيرة، فالكاتب يكون قد كابد المرارة والخسارة نتيجة لنشر كتابه بنفسه".
وعن الدعم المادي المعتمد من طرف الجهات الرسمية المهتمة والمدعمة للكتاب، فقد أكد الكاتب أنه يتوجه فقط للناشرين دون المؤلفين المعنيين أساسا "إذ لابد من تحرر هذه الجهات وتوجهها مباشرة الى المؤلفين والمبدعين خاصة أن علاقتهم بالناشرين يشوبها نوع من التوتر وانعدام الثقة لأن أغلبية الكتاب يشتكون من عدم توصلهم بمستحقاتهم المعقولة والمطلوبة وهذا يمكن أن يشجع الكاتب على الابداع والكتابة".
وأكد بحراوي، أن انتشار الكتب باللغة العربية نتيجة طبيعية ومنطقية لتراجع المد الفرنكفوني في الكتابات المغربية الذي اكتسحها لفترة طويلة لغياب التسهيلات وما يماثلها. وهذا يفسر تحول اللغة العربية إلى احتلال المرتبة الأولى والصدارة. كما أن إمكانية النشر باللغة العربية، يضيف الكاتب، تجد تسهيلات أكثر من اللغات الأخرى خاصة في المغرب وفي المغرب العربي والمشرق عموما.
"فقد حصل نوع من الوعي نحو اللغة العربية التي تعتبر أداة للتواصل ولغة محملة بالايديولوجيا.
كما فعل المؤلف يوسف اللعبي في المغرب ورشيد بوجدرة في الجزائر، اللذين حولا كتاباتهم من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية وربما هذا راجع إلى الوعي باللغة العربية ونبذ للاستعمار الثقافي واللغوي الذي عمر طويلا في الكتابات المغربية والعربية".
من جهته، اعتبر الكاتب موحى الناجي أن انتشار الكتب الأدبية عن الكتب العلمية والدينية والفلسفية، أمر بديهي وصحيح "وهذا راجع للقارئ المغربي الذي يهتم بما هو أدبي وشعري أكثر من الأبحاث والكتب العلمية التي تتوفر على مسائل تقنية وتكون معظمها كتبا متخصصة وتتطلب مجهودا لفهمها لكن المؤلفات الأدبية تتوفر على معلومات ثقافية عامة. وهي في متناول جمهور عريض من القراء".
وعن طباعة الكتب خارج المغرب، اعتبر موحى ذلك أمرا غير صحيح، لكون تكلفة طباعة الكتبر ونشرها بالمغرب أقل من تكلفة نشرها بالخارج.
"في نظري أغلب الكتاب يطبعون كتبهم الصادرة باللغة الفرنسية في المغرب. لأن دور النشر كثيرة والتوزيع أصبح يعرف تقدما ملحوظا والتسهيلات موجودة في المغرب أكثر من دول أخرى. كما أن عدد المنشورات في المغرب تتزايد بكثير في السنوات الأخيرة".
ورأى الكاتب أن الدراسة حول النشر في المغرب، مهمة وواقعية والنتائج التي توصلت إليها راجعة إلى غياب الإمكانيات المادية, التي تبقي معظم المبادرات في هذا الميدان فردية، سواء التأليف أو النشر أو الترجمة.
وعن تراجع عدد الكتاب وتراجع إصداراتهم أكد الكاتب أنها ظاهرة يعاني منها العالم العربي بأسره، وليس فقط المغرب "وهذا راجع لعدة عوامل منها : أن 50 في المائة من المغاربة هم أميون، و50 في المائة المتبقية أغلبها طلبة وتلاميذ ولا يتوفرون على قدرة شرائية وليس لديهم اهتمام كبير بالكتاب ولا يتوفر أغلبهم على مكتبة في البيت خاصة مع انتشار تكنولوجيا الإعلام من تلفاز وفضائيات وانترنيت أصبح أغلبيتهم لايقرأون كثيرا وأصبح الكتاب غير مرغوب فيه وهذا لايشجع الكتاب على النشر أو الإبداع أوالتأليف.
وأشار الكاتب إلى إحدى الدراسات التي أكدت أن دولة ألمانيا لوحدها، تنشر ما يعادل ما تنشره الدول العربية جميعها من الكتب في السنة، ووصف الكاتب ذلك بالأمر المخجل الذي يجب على وزارة الثقافة والمؤسسات المهتمة أن تأخذه بعين الاعتبار وتشجع المؤلفين على الكتابة والإبداع وأن تشجع القراء على القراء كما هو الشأن لمعرض الكتاب المقام حاليا.