أنجزت وزارة الثقافة بشراكة مع "اليونسكو" دراسة حول "وضعية الكتاب في المغرب"، في إطار مشروع كبير يهم وضعية الكتاب العربي، وذلك استنادا إلى أبحاث ودراسات ميدانية وإحصاءات على مستوى مختلف الدول.
كما تطلبت الدراسة، إجراء مجموعة من اللقاءات وإعداد قاعدة معطيات للإنتاج الثقافي والعلمي خلال سنة 2002 إلى 2004، مع الاعتماد على مجموعة من المصادر الرسمية والموثوق بها، من قبيل قاعدة موسوعة لمؤسسة آلـ سعود، والبيبليوغرافي الوطنية، والرصيد الالكتروني للمكتبة الوطنية الفرنسية، وقاعدة معطيات مكتبة الكونغرس التي تضم العديد من الوثائق المغربية وغيرها من المصادر الأخرى.
وهم العمل الميداني محور الدار البيضاء والرباط، باعتباره ممثلا لوضعية النشر في المغرب، نتيجة تمركز بنيات الطبع والنشر والطباعة والمكتبات والتوزيع على هذا المحور .
وتهدف الدراسة، حسب ما أوضحه الباحث حسن الوزاني، في عرضه لنتائج الدراسة حول وضعية الكتاب في المغرب في ندوة نظمت بالمناسبة، أن واردات المغرب من الكتب اللبنانية تتجاوز 657 مرة ما يصدره المغرب لهذا البلد مت بالمناسبة، لرسم إستراتيجية وبرنامج عمل، يتضمن إجراءات يمكن تفعيلها للخروج من وضعية الكتاب، وتنفيذ مشاريع أخرى تقدمت بها دور النشر من أجل تمويلها للرفع من إصدار ونشر الكتاب بالمغرب.
وأفاد حسن الوزاني، أن الدراسة انطلقت من تتبع المسار الذي أخذه مفهوم الكاتب بالمغرب، باعتباره مسارا محددا ومؤثرا في وضعية الكاتب إلى حدود اليوم، بحيث وجد ثلاث لحظات، أولاها ارتباط الكاتب بالمفهوم الواسع للأدب باعتباره شاملا للفقه والتاريخ والأدب وباقي حقول المعرفة، مبينا أن هذا التمثل كان يفتح التباسات تتجاوز معه الحدود بين الفقيه والعالم.
أما اللحظة الثانية، هي لحظة الانفصال عن ما هو أدبي من غير ذلك، ليتطور مفهوم الكاتب مع ظهور الجامعات وتعدد الأبحاث، إذ أصبح بالإمكان وضع تحول من مفهومه الواسع إلى المتخصص بحسب حقول المعرفة.
الإنتاجات المغربية أوضح حسن الوزاني، أن الدراسة ركزت على عدد الكتاب الفعليين والكتاب المفترضين، مثل الأساتذة الجامعيين والباحثين، الذين يفترض فيهم المساهة في الكتابة والنشر، من أجل تحديد مستوى إنتاج الكتاب في المغرب، مشيرا إلى أن المغرب يعرف مفارقة كبيرة بين عدد الكتاب الذين ينتجون فعليا، وبين العدد الذي يفترض فيه ذلك، خصوصا في بعض الحقول مثل العلوم التطبيقية والعلوم البحثة.
وأكدت الدراسة، أن عددا أقل من الكتاب المغاربة ينتجون عددا أكثر من العناوين، وينطبق ذلك على الإنتاج الأكاديمي في بحوث العلوم الاجتماعية، إذ كشفت دراسة أنجزتها باحثة في مدرسة علوم الاعلام، تناولت الفترة ما بين 1961و1997 ، أن7 باحثين فقط أنجزوا ثلثي العناوين.
المنشورة أما في الإنتاج الأدبي، أصدر 121 أديبا خلال الفترة ما بين 1929 و سنة 1999، 636 عنوانا، ويبرر الأمر بوجود العديد من الكتاب الذين يصدرون كتابا واحدا، يتوقفون بعده عن إصدار أي عنوان آخر .
وأشار حسن الوزاني، أنه بالرغم من ذلك عرفت سنوات التسعينات انفجار في مجال الإصدارات، خصوصا في مجال الأدب، بسبب العديد من العوامل العامة أهمها الانفتاح السياسي وحرية التعبير وسهولة النشر، معلنا أنه خلال هذه الفترة بلغ عدد الاصدارات أكثر من 200 عنوان شهريا، و265 عنوانا في مجال العلوم السياسية
فيما عرفت الفترة الممتدة بين سنة 2002و2004، ما مجموعه 2971 عنوانا خلال سنة 2002 و2004 من مختلف الحقول الثقافية والعلمية.
وأبرز حسن الوزاني أن كتاب النقد والأدب يهيمن بـ 826 كتابا، مقابل 32 عنوانا في مجال العلوم، معتبرا هذا التوزيع بالعادل لكون تاريخ الكتابة بكل من المغرب والعالم العربي، حيث كان حضور الأدب أقوى من الكتابات الأخرى.
أزمة النشر والتوزيع تعتبر دور النشر عنصرا مؤثرا على تحديد وضع الكتاب المغربي، لذلك تطرقت الدراسة إلى مدى مساهمة دور النشر في تقريب الكتاب من القارئ ، انطلاقا من الاعتماد على عينة من الناشرين وعددهم 20 ناشرا.
وذكر حسن الوزاني، في عرضه لنتائج الدراسة التي أنجزتها وزارة الثقافة، أن المجلات أصدرت 222 عنوانا، وهو ما يفوق ما نشرته الوزارات التي لم يتجاوز عدد إصداراتها 142 عنوانا.
ونشرت دور النشر 913 عنوانا، في حين بلغت المنشورات الصادرة على نفقة المؤلفين 948 عنوانا، وهو ما يتجاوز بقليل ما صدر عن دور النشر.
والسبب في هذه المفارقة، حسب ما شرحه حسن الوزاني، يعود إلى وضعية النشر في المغرب، بحيث لا تتطور بالوتيرة نفسها التي يتزايد بها عدد الكتاب والكتب المنشورة من جهة، وبطء عملية تأسيس وخلق دور النشر في المغرب.
ويعتبر ضعف جرأة المؤلفين في إصدار الكتاب الأول، والحكم على الكتب المنشورة
بسبب عدم توفر أغلب دور النشر على لجان علمية للقراءة.
وأفاد حسن الوزاني، أن الناشرين صرحوا بتوفرهم على لجان للقراءة، إلا أنه اعتبرها باللجان غير المنظمة بشكل علمي وهيكل، مؤكدا أن دور النشر لا تتوفر على لجن ثابتة تشتغل بشكل مهني ، في مقابل اعتمادها على صداقات الأساتذة الجامعيين.
وبرر هذا الواقع بكونه يعود إلى غياب ثقافة نشر منتظمة لوجود إكراهات تاريخية، ولحداثة التجربة، خصوصا وأن المغرب هو من آخر الدول الإسلامية التي دخلت إليه الطباعة، فأول مجموعة شعرية صدرت في المغرب تعود إلى سنة 1936 دون إهمال سبب هيمنة الجانب التجاري على دور النشر، التي تحمل عنوان "أحلام الفجر" للراحل حسن عبد القادر العاصمي.
وتركزت الكتب المنشورة، على نفقة المؤلفين، على اللغة العربية، ومن حيث المضمون ركزوا على الأدب والنقد.
وبين حسن الوزاني، أنه بشكل عام تفوق الإصدارات باللغة العربية نظيرتها باللغة الفرنسية، ومع ذلك توجد صعوبة نشر الكتاب باللغة العربية، لأن الكتاب الفرنسي يجد فنوات أكبر للنشر في المغرب كما الشيء ذاته في خارج المغرب في باقي الدول الفرنكفونية.
وصرح الباحث ذاته، أن معدل السحب من كل عنوان يبلغ 2411 نسخة 25٪، من الناشرين تتراوح عدد العناوين المسحوبة من دورهم ما بين 1500 و2000 نسخة، وهو رقم مرشح للانخفاض إذا ما انضاف لهذه العينة دور نشر أخرى, أما المرجوعات، فيصل المعدل العام إلى 30٪، وكمعدل أقصى 70٪ .
وفسر حسن الوزاني الأمر بكونه يرتبط بمحدودية السوق وضعف ترويج وقراءة الكتاب المغربي، مذكرا أنه إبان المطبعة الحجرية بلغ عدد النسخ المسحوبة بين سنة 1865 و1871 ما يفوق 300 نسخة من كل عنوان، ومن ذلك التاريخ إلى اليوم لم يزدد معدل السحب سوى بـ 5.25 سنويا.
وأضافت الدراسة أن المغرب لا يتوفر على شركات توزيع مهنية ومتخصصة، لقلة عددها، مما يفسح المجال للتوزيع الذاتي، إذ يوجد 14 ناشرا يعتمدون على التوزيع الذاتي والمهني ، وذلك لارتفاع تكلفة للتوزيع واشتراط نسبة كبيرة من ثمن الكتاب.
وأشار حسن الوزاني إلى أن واردات المغرب من الكتب اللبنانية تتجاوز 657 مرة ما يصدره المغرب لهذا البلد حسب إحصاءات مكتب الصرف، وذلك للعديد من العوامل، من بينها انخفاض ثمن بيع الكتاب اللبناني وسهولة اقتحامه سوق معظم الدول العربية، فيما الكتاب المغربي يعرف نوعا من المحلية في توزيعه.
وأبرزت الدراسة أن 17 مؤسسة فقط تحترم مسألة إخضاع مستخدميها للتكوين المستمر مقابل 3٪ التي تضمن لموظفيها تكوينا يساير التطور التكنولوجي، 15 دار نشر أنجزت دراسة السوق مقابل 4٪، أخضعت السوق للبحث لمعرفة حاجيات القارئ من الكتب.