تواجه بعض الدول العربية على الرغم من إصداراتها الأدبية والفكرية، مجموعة من العوائق تؤثر بالسلب على صناعة النشر، إما بارتفاع تكلفة الكتاب وبالتالي ارتفاع سعره، وهذا ما يشكل سببا رئيسيا في العزوف عن القراءة، وإما بسبب قلة الإصدارات الناتجة عن تخوف بعض دور ا
إلا أن السبب الحقيقي الذي وقفت عليه جميع دور النشر العربية والمغاربية التي التقتها "الصحراء المغربية" على هامش المعرض الدولي للكتاب والنشر، هو غياب تعاون أو اتفاقيات، تدفع بحركة النشر العربية لتصبح ذات ثقل مؤثر في حركة النشر العالمية، كالنشر المشترك في الأعمال التي تتطلب جهدا مزدوجا، أو تلك المشاريع الكبيرة مثل الموسوعات، أو برامج النشر المشترك، التي تحتاج إلى اتفاق مالي وجهد إداري، إذ يكاد التعاون ينحصر بين دور النشر العربية، في تبادل توزيع الإصدارات، والتمثيل في المعارض.
الجزائر واحدة من البلدان التي تعاني من التكاليف الباهضة لصناعة الكتاب، وقد شاركت هذه السنة بشكل قوي إذ ساهمت 12 دار نشر تتوفر على أزيد من 200 عنوان.
وأكد محمد هيكر مدير توزيع في المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، ومسؤول عن الجناح الجزائري بالمعرض، أن مصاريف طبع الكتاب من ورق وحبر وغيرهما يتطلب تكاليف باهضة، بالإضافة إلى ارتفاع القيمة الإضافية بما يقارب 14%، وهناك أيضا ضريبة ثالثة تتمثل في 7%، فيباع الكتاب بأثمنة مرتفعة تفوق القدرة الشرائية للمواطن، الشيء الذي يقلل من نسبة القراءة في الجزائر.
وعلى الرغم من ذلك، يستدرك محمد هيكر قائلا "إن الكتاب لم يفقد مكانته الأصلية ولن يفقدها أبدا، وأرى أن مستوى القراءة في أي بلد عربي أو مغاربي يجب أن يبدأ بتقديم الدعم من الدولة للكتاب لتنخفض أثمانه وتصبح بذلك القراءة في متناول الجميع"، وأضاف " إن العامل الثاني لتشجيع القراءة يقع على عاتق المؤسسات التعليمية إذ تستطيع المدرسة أو المعلم خاصة أن يشجع تلاميذه على قراءة كتاب معين وتقديم تلخيص بسيط عن ذلك الكتاب، فيما يتعلق الحل الثالث للخروج من أزمة النشر بالتعاون أو وضع اتفاقيات واستراتيجيات بين الدول العربية والمغاربية فيما بينها للرقي بمستوى القراء في هذه البلدان.
وفي غياب إحصائيات مظبوطة عن عدد الإصدارات التي تنتجها دور النشر في الجزائر، تحدث هيكر عن المؤسسة التي ينتمي إليها قائلا " تنتج مؤسستنا ما يقارب 50 أو 60 عنوانا في السنة"، مضيفا أن الكتاب الأمازيغي يلقى إقبالا كبيرا من طرف المواطنين المغاربة لتأتي الكتب الأدبية في المرتبة الثانية ثم الكتب الشعرية والرواية، بالإضافة إلى وجود بعض المحاولات في مجال الترجمة، إلا أننا نعتمد بالأساس على إصدار الكتب الحديثة لمؤلفين جزائريين".
وتحدث المسؤول الجزائري عن التقهقر الذي طال مستوى تشجيع الدولة ودعمها للكتاب في الجزائر، فبعد أن عرفت فترة الستينات والسبعينات حسب قوله، انخفاضا في أثمان الكتب، الشيء الذي كان يشجع المواطن على اقتناء أكبر عدد ممكن منها بما فيهم القراء الأجانب الذين كانوا يتهافتون على الكتب الجزائرية أكثر من الأجنبية، تخلفت في الآونة الأخيرة الدولة عن دعم الكتاب مما وضع القراءة والنشر في مأزق حقيقي، "لذلك نتمنى من الدولة توفير الدعم ولو بطريقة غير مباشرة، كشرائها على الأقل 30 أو50 % من أي عنوان جديد يصدر على الساحة الأدبية".
ولا تعد لبنان أحسن حالا من الجزائر، إذ وبخلاف التوقعات أوضح نسيم عبد الرضى، مدير دار لبنانية، متخصصة في كتب الجيب، خصوصا المتعلقة بالمرأة، الصحة والتغذية، أن القراءة في لبنان متدهورة جدا، على الرغم من أنها من بين أهم البلدان العربية من حيث إنتاج الكتب وتصديرها.
وتصدر الدار في السنة ما بين 30 و50 عنوان، أكد عبد الرضى أن النشر في لبنان يعتمد على التصدير إلى الدول العربية فقط، وهو قطاع خاص ومستقل بذاته لا يحظى بأي دعم من الدولة.
وفي المقابل هناك بعض البلدان العربية وخصوصا المغاربية تحظى بدعم كبير من الدولة، أهمها تونس، فشارك الجناح التونسي هذه السنة بصورة فعالة، إذ استضاف المعرض الدولي 20 ناشرا تونسيا في مختلف مجالات المعرفة والفكر، بالإضافة إلى جامعات تونسية مشاركة بالكتاب العلمي المتخصص والكتاب الوظيفي، كما كانت هناك دور نشر للخواص.
ويصل عدد العناوين المعروضة حوالي 600 عنوان، تشكل نسبة الكتب الحديثة فيها والمطبوعة منذ سنتين 70%. وقامت تونس بمجموعة من الأنشطة الثقافية على هامش المعرض من بينها تكريم محمود السعدي، المفكر التونسي المعروف، كما نظمت محاضرات أخرى.
وأرجع الشادلي بنزويتين، أمين عام اتحاد الناشرين التونسيين، والمشرف على جناح تونس الإنتاج الغزير للكتب التونسية، إلى دعم الدولة الكبير للكتاب من حيث سعر الورق ب75%، بالإضافة إلى تشجيعات أخرى تتعلق بشراء الوزارة لنسب كبيرة من الكتب تصل إلى ألف عنوان خاص بالطفل فقط.
وتتكلف الدولة أيضا حسب بنزويتين بطبع الكتب التي لا يقبل عليها الناشرون، كالكتب المتخصصة المتعلقة بالتاريخ أو الحضارة التونسية، كما تتكفل الدولة بشحن الكتب إلى المعارض، وبذلك تعتبر تونس الآن أول دولة في المغرب العربي من حيث إنتاج الكتاب، إذ يصل عدد العناوين الصادرة سنويا 1300، وهي ثالث دولة في إفريقيا بعد مصر وجنوب إفريقيا ورابع دولة في العالم العربي.
وأكد الشادلي ل"الصحراء المغربية" أن هناك أزمة نشر عالمية وليست فقط في الدول العربية، والمطلوب أن يستجيب الناشر لكل المتطلبات العصرية التي يفرضها الواقع، إذ ينبغي على الكتاب أن يواكب عصر الصورة والفضائيات وتطور وسائل التواصل والمعرفة، ويجب أن يكون النشر في العالم العربي تنويري، يستجيب إلى تطلعات القارئ، وعدم الاعتماد على أفكار الماضي أو اجتراره.
ولخص العارض أهم المشاكل في ضعف الطاقة الشرائية، والأمية المتفشية في البلدان النامية وكذا سوء التوزيع، "وعلينا التعاون والتواصل مع بلدان المغرب، وهذا ما يدخل في إطار الاتحاد المغاربي للناشرين، الذي تكونت على إثره مؤسسة تضم 5 بلدان مغاربية، تسعى إلى القيام بالنشر المشترك وفتح الأسواق والتخلص من العقبات الجمركية والبنكية، وكذا تسهيل تبادل الكتاب وسيرورته بين بلدان المغرب العربي، وفي النهاية فإن طبعنا كتابا فالغاية إثبات ذاتنا المغاربية".
وعلى الرغم من ذلك، فإن المشكل الوحيد الذي يواجهه الناشرون التونسيون، يتمثل في ضيق السوق، "إذ نسحب من الكتاب كميات قليلة، الشيء الذي ينعكس على سعر الكتب".
وأشاد بنزويتين بالزيارات المدرسية التي تحرص كل سنة على إحضار التلاميذ إلى المعرض ليتطلعوا على آخر الإصدارات ويقتنوا منها كل حسب سنه، وقال "إن قارئ اليوم هو القارئ في المستقبل، باعتبار القراءة تربية وبيداغوجية تنمو مع الإنسان".
أما بالنسبة لليبيا فأكد سالم سعدون مدير عام دار الرواد والمسؤول عن جناح الكتب الليبية، أن حركة النشر في بلاده مطمئنة جدا وواعدة، قائلا " إننا نتوفر في الجناح الخاص بنا على أكثر من 500 عنوان، وأنشأت في ليبيا لأول مرة، أمانة اللجنة الشعبية العامة للثقافة إذ جرى توقيع عقود مع 300 مؤلف، خلال السنتين الأخيرتين، وتنشر ليبيا حوالي 400 عنوان سنويا في هذه الفترة".
ويرى سعدون أن هذه النسبة تبقى ضئيلة بالمقارنة مع بلدان أخرى، وما يحتاجه القارئ العربي من إنتاج فكري، وقال "الأسباب تعود بالأساس إلى قلة الكتّاب أو المؤلفين، وضعف القدرة الشرائية موازاة مع تزايد متطلبات الحياة وغياب الدعم"، إلا أنه يرى أن الدعم الحقيقي يكمن في اقتناء الجهات العامة كتبا للمراكز الثقافية والمكتبات المدرسية وأضاف "لا أؤمن بالدعم المباشر لأن الدعم في نظري يكمن في الشراء".
وإذا كانت ليبيا تشتكي من قلة الكتّاب، كما هو الحال في المغرب، بعد أن توصلت الدراسة التي أنجزها الباحث حسن الوزاني لصالح وزارة الثقافة المغربية إلى أن 359 كاتب من أصل 598 اكتفوا بنشر كتاب واحد ثم توقفوا عن الكتابة، فهناك بعد دور النشر التي تتميز بإصدارات كتابها، ويتعلق الأمر بدار علاء الدين السورية المتخصصة في نشر الكتب العلمية منذ حوالي 16 سنة، كما تصدر بعض الكتب التاريخية والأدبية، إلى جانب كتب الفلاحة، فحسب فؤاد شرغيم المسؤول عن الدار والجناح، فإن أهم كتب الدار من توقيع الكاتب فراس السواح الذي يملك 14 عشر عملا أهمها موسوعة "تاريخ الأديان"، في ثلاثة أجزاء، ولا تقل كتبه عن 15 طبعة، تتجاوز كل طبعة منها 5 آلاف نسخة وأكد العارض فؤاد شرغيم متحدثا عن واقع النشر في سوريا، أن وضعيته ممتازة، معللا رأيه بأن الدار التي ينتمي إليها، تنتج كل أسبوع إصدارا جديدا، واعتبر أن الأمانة الفكرية والأدبية تقتضي على دور النشر، الالتزام بتنويع إصداراتها وتكثيفها من أجل تقوية التواصل، ليتمكن القارئ من الحصول على جميع المعلومات التي يحتاجها في كافة المجالات. وإجمالا أكد أن الدار تنتج سنويا ما بين 50 إلى 120 إصدارا.
وعارض شرغيم فكرة تراجع مستوى الكتاب قائلا "ألاحظ من خلال مشاركاتنا في المعارض العربية والدولية تهافتا كبيرا من طرف فئة عريضة على اقتناء الكتب المعروضة، لذلك أرى بأن الكتاب لا يزال بخير، على الرغم من وسائل الاتصال الحديثة، ويحافظ دائما على مكانته بصفته خير جليس للقارئ".
أما عن الأثمان قال العارض "إنها مناسبة، وتصل نسبة الخصم إلى 40% من ثمن الكتاب الواحد". وعبر شرغيم عن إعجابه بالمعرض الدولي لهذه السنة، مقترحا ضرورة توفير دليل حاسوب مفهرس، يدل على أسماء دور النشر المشاركة في المعرض والكتب المعروضة بأسماء أصحابها.
ووجد أن اختيار دور النشر المشاركة لهذه السنة مناسب جدا، ومختار بعناية وأكد أن الكتب المغربية المعروضة ممتازة.