الدكتور محمد عزيز الوكيلي

المدارس الباطنية بين العلم والفلسفة والعقيدة والدين

الأحد 19 فبراير 2006 - 16:30
محمد عزيز الوكيلي

أصدر الدكتور محمد عزيز الوكيلي كتابا جديدا ينضاف إلى "ربرتواره" الغني بالمؤلفات التربوية والعلمية، واختار لمحور كتابه هذا الدراسة الباطنية، بغية الخروج بالقارئ من الأنماط المادية المحضة إلى ما هو باطني وداخلي ويقتضي نوعا آخر من الأسلحة المعرفية لمقاربته و

٭ الدراسة الباطنية، تحيل القارئ إلى علم الغيب أو الماورائيات، هل طبيعة مقاربتكم تدخل في هذا الاتجاه، ثم لماذا هذا النوع من الموضوعات في مطلع الألفية الثالثة؟

- بداية، ليس لإثارة هذا الموضوع أي علاقة بمطلع القرن الحالي أو وسطه أو نهايته، فالمسألة حيوية وعلى صلة حميمة بمصير الإنسان، لأن هذا المصير يتوقف من حيث سعادته أو شقائه على مدى فهم الإنسان لمطلب "العبادة"، الذي من أجله وحده، فقط لا غير، خلق الحق سبحانه وتعالى الثقلين معا، الجن والإنس، كما يرد ذلك في كتابه الحكيم.

ما دام الجانب الظاهري من الحياة الأرضية، قد اختصت به المدارس والمناهج والبرامج الدراسية المتاحة، فقد وجب إخراج الجانب الباطني من تلك المعرفة إلى دائرة الضوء، بعد أن ظل لقرون طويلة من قبيل الشؤون العلمية الخاصة، أو خاصة الخاصة، والتي تستأثر بها ثلّة من الناس، من الصوفية وغيرهم، دون باقي المسلمين، والمؤمنين عامة، مع ما ينتج عن ذلك ضروب من الفهم المغلوط ومن الفتنة.

إن المسألة إذن، على علاقة بضرورة ملحة، تتمثل في أن يعرف الناس كل شيء عن دينهم ودنياهم، فلا يحجب عنهم أمر إلا بقدر ما لا تطيق عقولهم فهمه وتمثله واستيعابه، وهناك دافع آخر لا يقل أهمية، يكمن وراء إنجاز هذه الدراسة، ألا وهو كثرة انتشار أنماط الفكر العقدي الباطلة والمغلوطة، واختلاط بعضها بالأنساق الباطنية المعتمدة لدى بعض طرائق أهل الكتاب.

وظهور بعض الاستعداد لدى دارسين وباحثين من المسلمين للأخذ عن تلك الأنماط والنسج على منوالها ظنا بكونها غير مناقضة ولا معارضة لما جاءت به النصوص الدينية المنزلة، بينما حقيقة الأمر أن تلك الأنساق الفكرية العقدية دخيلة بكل المعايير، وصادرة عن جهات وارثة عن المحرفين الأوائل للرسالات المنزلة، من توراة وإنجيل وغيرهما مما سبق من الصحف، وبالتالي، فمن الواجب الرجوع إلى العلم الباطني بغية الوقوف من جديد على أصول الكَلم وعلى أشكال التحريف التي طالته حتى لا ينخدع المسلم في فكره ومعتقده.

٭ إذا كانت هذه دوافعكم إلى إنجاز هذه الدراسة فما هي الإضافات، أو القيم المضافة، التي جئتم بها من خلالها إلى ساحة البحث العلمي ؟

ـ يمكن حصر الإضافات التي جاءت بها هذه الدراسة في أربعٍ أساسية، وقول "أساسية" لأنها تدعو إلى تصحيح جملة من المفاهيم الخاطئة والقائمة حول الموضوعات الأربعة التي تتطرق لها وهي على التوالي : - موضوع القاتل والمقتول في قصة ابني آدم عليه السلام، قابيل وهابيل.
فالكتب والمصادر المتوفرة، سواء لدى المسلمين أو غيرهم تدعي بأن قابيل كان القاتل وبأن هابيل بتحصيل الحاصل هو المقتول، وقد تقبل الباحثون المسلمون ذلك برغم علمهم بغياب أي مصدر حول هذه المسألة باستثناء المرجعية الإسرائيلية.

وقد حاولت أن أقيم الدليل على بطلان ذلك بناء على حجتين اثنتين على الأقل : الأولى بيانية، تستند على البلاغة القرآنية مطلقة الكمال والدقة، ومفادها أن دقة الكلام الإلهي يستحيل أن يغيب فيها المدلول الاشتقاقي للفظ العربي في كتاب أنزله الله سبحانه باللغة العربية ليفقهه العرب قبل غيرهم، مع العلم بأن هؤلاء على بينة واطلاع واسع باللغة وآدابها وفنونها، وبناء على ذلك، فإن ورود ذكر أحد ابني آدم في القرآن الكريم، في سورة البقرة، مقرونا بصفة القبول والتقبل "إذْ قَربا قربانا فتقبل من أحدهما " الآية، ونفي تلك الصفة عن الابن الآخر "ولم يتقبل من الآخر ".

" الآية، لا يمكن أن يكون صدفة أو اعتباطا، مع العلم بأن الاشتقاق اللفظي للتقبل والقبول يناسب اسم قابيل، في حين أن الاشتقاق المتعلق باسم هابيل يناسبه زخم من الألفاظ الدالة على التمرد والسلبية والكفر، مثل "هُبَل" زعيم آلهة الجاهلية، و"الهَبْل" بمعنى النّقع والغبار، والهَبَل" بمعنى العته والحُمْق، ونحو ذلك من الكلمات التي لا تتناسب بأي وجه من الوجوه مع الاشتقاق الأول ذي الصلة باسم قابيل.

والثانية تاريخية، تستند على تفنيد المقولة الإسرائيلية بكون الإنسان مخلوق شرير، وبكون الدين يقومه ويصلح من شأنه، وهذه المقولة كما نعلم يبرر الصهاينة القبلانيون بها تقتيلهم للأنبياء ولكل من لم يحظ برضاهم، مستعملين المقولة المذكورة حجة على الله سبحانه وتعالى عن ذلك مطلق العلو بكونهم لم يفعلوا سوى ما أملته عليهم فطرتهم الأولى، الشريرة.

والحال أن الإنسان، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، "يولد على فطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " الحديث، والفطرة ما هي إلا الإسلام، والخير والعدل والفضيلة.
وكلها يولد الإنسان عليها قبل أن تفعل الظروف المحيطة به فعلها فتبقيه صالحا أو تميل به إلى سكة الفساد والإفساد.

يفهم، من هذين الطرحين، أن المقولة الإسرائيلية تتناسب مع ادعاء بني إسرائيل بأن هابيل هو المقتول، وقابيل هو القاتل، وبذلك يقلب هؤلاء الحقيقة المذكورة كما قلبوا، ولا يزالون يفعلون، كل الحقائق بلا استثناء، ومن باب تفنيد ادعائهم المذكور أن نقول، نحن المسلمين، إن قابيل ليس القاتل بل المقتول لأن فطرته التي فطره الله عليها تقتضي ذلك.

2- موضوع نزع صفة العلمية عن الفلسفة، بناء على مفهوم مصحّح حول "العلم"
إن العلم "لا يكون إلا علما حقا، وإلا فإنه لا يستحق أن ينال صفة العلمية، والعلم الحق هو العلم الذي تتحقق على ضوئه سعادة الدارين معا : الدنيا والآخرة، وهذا يجعلنا ننظر بعين الريبة إلى ما نسميه الآن علما، أو علوما، مما لا يصلح إلا لخدمة أغراض دنيوية زائلة وفانية، فضلا عن كونه يفسد الحرث والنسل ويخل بكل موازين الطبيعة وتوازناتها البيئية والأحيائية-البيولوجية.

وإن العلم الحق، الهادف إلى سعادة الدارين معا، وبالتالي، إلى إحقاق العبادة حقها الكامل بمفهومها الشمولي السابق ذكره أعلاه، لا يأتي إلا من عند العليم الخبير جل جلاله، وبذلك فمفاتيحه الأولى وبداياته كانت دائما تأتي على أيدي الأنبياء والرسل وتتحقق على ضوئها القفزات النوعية الإنسانية الأولى والأساسية، والتي على أرضياتها قامت الحضارات العارفة والعالمة على مر الحقب والعصور، لولا أن أهل تلك الحضارات انحرفوا عن الجادة بعد ما بلغوه من العلم، فحق عليهم القول فأصبحت حضاراتهم، كما نرى اليوم، على عروشها خاوية.

وإن علما حقا، بذلك الوزن لا يجـوز أن يكون فرعا من فروع الفلسفة، بل إن الفلسفة لا تستحق صفة "العلمية"، بالمفهوم السابق ذكره للعمل الحق، لأنها محض نتاج عقلي إنساني، وبالتالي فهي رهينة بقدرات العقل، والعقل كما نعلم محدود القدرة "ولا يؤتى من العلم إلا قليلا" بالدليل القرآني الواضح، فكيف تكون الفلسفة "أما للعلوم" وهي على هذا المنوال من المحدودية ومن الجزئية؟ 3- موضوع الفصل بين الدين من جهة، والعقيدة والملة والنحلة- بكسر النون- والطريقة والديانة والمذهب من جهة ثانية.

إن هذا يجعلنا نعيد النظر في مفهوم "الدين"، بناء على وصف قرآني بالغ الوضوح يفيد بأن "الدّين عند الله الإسلام"، ويفيد أيضا بأن "من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"، وهذا يعني بأن كل ما جاء به الأنبياء والرسل منذ آدم إلى محمد عليهما الصلاة والسلام على كافة الأنبياء والمرسلين.
هو الإسلام في تمامه، مهما اختلفت الرسالات من حيث المواعد ومـــن حيث لغات التبليغ وكذا مـن حيث بعض الشرائع، لأن ذلك لا يتناقـض ولا يتضارب ويتدافع وإنما يكمل بعضه بعضا فيتناسب في كل مرة مع أحوال القوم ومبلغهم من الفهم والفكر .

إن هذا أيضا يجعلنا نفرق بين "الدين" الذي تم تبليغ تعاليمه بواسطة نبوءات ورسالات أصيلة غير محرفة ولا مغيرة ولا مزيد فيها وملا منقوص منها، وبين كل ما عدا ذلك من الرسالات السماوية المحرفة التوراة والإنجيل في صيغهما الحالية والعقائد الأخرى الوضعية من جهة ثانية، وهذا سيجعلنا في نهاية الأمر ننظر إلى من نسميهم مجازا بأهل الكتاب نظرة مختلفة لكونهم صاروا يمسكون كتابا فيه الكثير من النحل والتغيير.

فنطالبهم بالرجوع إلى دين الله الذي ارتضاه الحق عز وجل للناس كافة، ألا وهو الإسلام في كماله وتمامه بالرسالة المحمدية التي كمل بها الدين وتمت بها نعمة رب العالمين "اليوم أكملت لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام دينا"، وهذه من الأمور التي ما زالت تثير الكثير من الجدل ولا يزال الكثيرون يعجزون عن القول فيها قولا فصلا لأسباب ودواعي سياسية وديبلوماسية تقتضي المحاباة والمداورة.

4- ثم هناك موضوع بالغ الجدة، ويتمثل في استنباط "قاعدة عامة" يمكن على ضوئها معرفة موقع أي طريقة عقدية من الصواب والخطأ ومن الحق والباطل، وذلك بجعل الطريقة المعنية حكما على نفسها، بحيث يكون الحكم الصادر عليها بالصلاحية أو البطلان ناتجا عن إجاباتها هي ذاتها على أربعة أسئلة محددة تتعلق على التوالي بما يلي :
- ما الذي تعتقده الطريقة المعنية بخصوص حالها ومآلها "الدنيا والآخرة"؟
- ما الذي تهدف إليه بما تجترحه من الممارسات والتطبيقات؟
- ما هي الممارسات والتطبيقات التي تستعملها للوصول إلى الهدف المحدد "شعائر أو طقوس أو نحوها"؟
-ما النتيجة التي بلغت إليها، أو التي ينتهي إليها شيوخها الأكابر "أشكال الكشف، المقولات، التجليات، الأحوال والمقامات الخ"؟ .

والحال أن الإجابة الصريحة والنزيهة على هذه الأسئلة الأربعة تجعل الحكم على الطريقة المعنية ليس متاحا فحسب، بل تشكل في حد ذاتها عناصر الحكم البديهي والمنطقي المطلوب، والذي يتبين من خلال الإجابات الأربع بكونه غير قابل للتفاوض ولا للتعديل بأي وجه من الوجوه، وبذلك تكون الطريقة المعنية حاكمة على نفسها بنفسها بما أجابت به على الأسئلة المذكورة فلا تكون لها حجة على الغير ولا يكون في وسعها أن تطعن في الحكم أو تطعن في عدالته .

٭ هل يمكن اعتبار العولمة والعلمنة، قراءة باطنية أيضا لتفاعلات اقتصادية واجتماعية، أدت إلى فتح آفاق التفكير في سبل جديدة للخروج من الأنماط القديمة الأحادية إلى آفاق أرحب وأشمل؟

- إن هذا النوع من الدراسات، أقصد الدراسات الباطنية و"الباراسيكولوجية" الباحثة في العوالم غير المرئية وفي أنماط الفكر العقدي المختلفة، ينتظره مستقبل زاهر بكل تأكيد، بالرغم مما قلتموه بخصوص السيطرة المتنامية لظاهرتي العولمة والعلمنة، بل إن التقدم العلمي، خصوصا في حقول الفيزياء والطاقة والفلك والرياضيات، يبشر بانفتاح غير مسبوق للعلماء التجريبيين على مجالات الدراسات الباطنية والباراسيكولوجية المتعلقة بالظواهر النفسية والعقلية والطبيعية والكونية الخارقة أو غير العادية.

حيث نجد بعض مجموعات العمل قد بدأت تعمل فعلا في حقول الباطن والباراسيكولوجيا، وتضم هذه المجموعات شيوخا لبعض الطرائق الصوفية "خصوصا البوذية وعلماء في التحليل النفسي وعلماء في فيزياء الطاقة والفيزياء التمهيدية وعلماء في الفضاء الكوني"، وقد انطلقت تجارب عديدة هنا وهناك خصوصا في الولايات المتحدة الأميركية، وانجلترا، وألمانيا، وفرنسا في محاولة للتعرف على طبيعة العلاقة بين العقل والمادة.

والحال أن تقدم هذا النوع من الدراسات والأبحاث لن يكون إلا في صالح الإنسان، لأنه سيمهد لعودة الاتصال والتواصل على أشدهما بين العلم الوضعي التجريبي والدين، بعد طول انفصال للأول عن الثاني، وهذه العودة ستكون محمودة ولا ريب، لأنها ستفسح المجال واسعا لتصحيح المفاهيم والمقولات العلمية الوضعية على ضوء ما يتم استكشافه من عتبات وفضاءات اللامرئي، التي كان العلماء ينكرون وجودها ويغضون الطرف عنها إلى أن وجدوا أنفسهم في طرق مسدودة دونهم وتخطي عقباتها تنازلهم القسري عن منظورهم المادي الوجودي البائد وعودتهم إلى النبع الأساس من جديد.




تابعونا على فيسبوك