الغوص في عمق الوجدان الجمْعي

الأحد 19 فبراير 2006 - 18:00

صدر للمسرحي المغربي سعيد الناجي كتاب بعنوان "مسرح المغاربة"، يشكل حلقة جديدة في ما يتلاحق من إصداراته.ولعل ما يميز الكتاب الجديد أنه يتحرر من مخاطبة المتخصصين في المسرح والباحثين فيه ليتوجه إلى عموم القراء المعنيين من بعيد أو من قريب بالفرجة المسرحية.

الكتاب في الأصل تجميع لزاوية أسبوعية كان الكاتب يصدرها في ملحق فني أسبوعي بالمغرب، وكان من خلالها يتتبع جديد المسرح المغربي وقضاياه النظرية كما كانت تظهر في الكتابات النقدية أو كما كانت تطرحها المواسم المتعاقبة للمسرح المغربي وما تعرفه من إنتاجات مسرحية .

ومن القضايا التي تبدو لنا مهمة للغاية التساؤل عن المكاسب التي حققها المسرح المغربي بعد أن قام بدور فعال في تأطير المغاربة في نضالهم ضد الاستعمار الفرنسي خلال النصف الأول من القرن العشرين.

والمتأمل للوضعية القانونية الحالية لهذا المسرح سيعترف بدون شك أنه كان الخاسر الأكبر، وأنه لم يحظ بالاهتمام اللائق بعد خمسين سنة من استقلال المغرب، يدل على ذلك الغياب المهول للبنيات التحتية المسرحية، وانعدام وضعية قارة للفنان المسرحي.

ولم يسقط الكاتب في فخ إلقاء بلائمة هذه الخسارة على الدولة وحدها؛ أكيد أن المسرح لم يدخل في نطاق اهتمامات الدولة المغربية بعد نيل الاستقلال مما جعله يعيش أزمة خانقة.
وقد تكررت التجربة في عدد من الأقطار العربية، ولكن المسؤولية تتحملها أطراف أخرى منها نخبة المسرحيين ورموزهم الكبار الذين لم يستطيعوا فرض الاهتمام بالمسرح، كما يتحمل المسرحيون أنفسهم جزءا من المسؤولية لأنهم لم يقدروا على تأسيس تمثيليات نقابية لهم إلا بعد فوات الأوان، وغير ذلك من الأطراف التي ساهمت في تأزيم الوضع المسرحي.

ولكن هذه الأزمة ـ في نظر الكاتب ـ يقابلها انفراج جزئي ظهر في استفادة المسرح المغربي من دعم الدولة المباشر من خلال صندوق دعم المسرح التابع لوزارة الثقافة
ورغم أن هذه التجربة مهمة للغاية، ناهيك عن أن من حق المسرح التمتع بدعم رسمي، فإنها ما زالت تحتاج إلى تطوير وإلى ترسيخ حتى تستطيع الرفع من مستوى المسرح.

ولكن الكتاب لم يقتصر على هذه القضايا المسرحية المتنوعة، التي تصل إلى حدود التساؤل عن مشروعية الحديث عن نظريات في المسرح المغربي والعربي هنا والآن، تلميحا إلى استمرار بعض النداءات إلى مسرح عربي خاص ومتميز أو إلى احتفالية معينة.

وإنما أدرج أيضا في القسم الثاني دراسات تقارب بعض العادات المغربية في الحركة أو الصوت أو الجسد مما كان له تأثير على جماليات المسرح المغربي؛ فالمسرح ـ في نظره ـ "ليس صناعة فرجوية فقط، ولكنه ثقافة تغوص في عمق وجدان الجماعة البشرية، ويتصل بطرق تنظيمه للجسد والفضاء والعمران وبتصوراتها الخفية عنها".
هذا ما دفع الكاتب نحو مجالات جديدة مثل حركة الأيادي، ونبرات الصوت وقسمات الوجه، وحاول مقاربة استعمالها عند المغاربة وأثر ذلك على المسرح.

وفي هذا الصدد، يعتبر الكاتب أن الوجه المغربي "وجه عابس وصارم لا يلقي الابتسامة عفويا بقدر ما يبتعد عن البشاشة والحبور العفوي"، والمغاربة يرفعون صوتهم حين يتكلمون، وطبيعي أن تنعكس هذه الخصوصية على فنوننا ومسرحنا" وإن كان الكاتب يعترف أن الصوت المرفوع هو من خاصيات شعوب البحر الأبيض المتوسط، فإن ذلك لا يلغي كون الصوت المرفوع هو من خاصيات مسرحيات مغربية عديدة التي لا تجد فيها غير " متواليات من العويل والصراخ" .

يمكن القول إن ما يميز القسم الثاني من الكتاب هو التنوع في مقاربة ظواهر ثقافية عديدة عند المغاربة، ولكنها ظواهر تنطبق كذلك وفي جزء كبير منها على الثقافة والمسرح العربيين، إضافة إلى كون المقاربة اعتمدت كتابة ساخرة ومرحة.

وقد خصص الكاتب القسم الثالث لمقاربة عدد من العروض المسرحية التي لاقت استحسانا، وهو ما يمكن أن يقدم صورة شبه دقيقة حول راهن إنتاج المسرح في المغرب، وهي مسرحيات متنوعة تنتمي إلى أجيال متعددة، وفي النهاية ضمن الكاتب تغطية لمسرحيات المهرجان الوطني السابع للمسرح المغربي مكناس يوليوز 2005، رغبة منه على ما يبدو في تقديم صورة حول ما يقع في المسرح المغربي من تحولات.

إن ما يميز كتاب "مسرح المغاربة" في نظرنا هي تلك اللغة النقدية الجديدة التي تشكل ما يمكن اعتباره منعطفا في الكتابة النقدية حول المسرح المغربي والعربي.
فالموضوع الحقيقي للكتاب هو علاقة المسرح بباقي الأنشطة الاجتماعية والثقافية والسياسية كذلك، وهو بهذا يتوجه إلى عامة القراء فيما يمكن اعتباره محاولة جديدة لاسترجاع الجمهور إلى المسرح، ولكنه من جهة أخرى يقدم وثيقة على مرحلة من متابعة المسرح المغربي ومتابعة تحولاته.

ونعتقد أن المسرح العربي برمته يحتاج إلى هذه المتابعة شبه اليومية، وإلى مواجهة العروض المسرحية بالنقد والتوجيه، خاصة حين تكون في غير المستوى اللائق، ولعل غياب هذه المتابعة تساهم في تدني مستوى المسرح في العالم العربي برمته.

والجدير بالذكر أنه سبق للدكتور سعيد الناجي أن أصدر ثلاثة كتب تدور كلها حول هواجس شغلت بال النقاد والمسرحيين، إذ انصب الكتاب الأول حول التجريب في المسرح العربي، والثاني حول التجريب في المسرح المغربي، بينما حمل الكتاب الثالث عنوان "قلق المسرح العربي".
حيث تناول المؤلف بدايات المسرح في المغرب خلال طلائع القرن العشرين وطبيعة العوائق التي اعترضته، وهي ـ بكل طرافة ـ شبيهة بتلك التي اعترضت المسرح في المشرق العربي، كما بحث في مواصفات احترافية المسرح المغرب، وفي العوائق التي وقفت دون تحققها، وتأخير إصدار قانون للفنون المسرحية إلى طلائع الألفية الثالثة.

على صعيد آخر، أدلى الكاتب بدلوه في مجال التأليف المسرحي من خلال إصدار نص يحمل عنوان "رأيت كل شيء" إذ وجد سعيد الناجي ضالته في أسطورة "جلجامش" البابلية للتعبير عن الوضع الحالي في العراق.

وتحكي هذه الأسطورة عن "جلجامش البطل الذي يفقد صديقه الحميم أنكيدو الذي رافقه في غزواته ومغامراته ولهوه، فيحزن لفقده ويحاول عبثا إعادة الحياة له
فيهيم على وجهه في البراري والقفار، باحثا عن سر الخلود، راغبا في إكسير للحياة يدفع عنه قدر الإنسان الفاني.
فهو رغم كونه نصف إله ورغم أن أمه إحدى الإلهات الخالدات، فإن نسبه البشري يشده إلى القدر المشترك لبني الإنسان" .
اشتغل على هذا النص المخرج محمد بلهيسي وقدمه في إطار فرقة "مسرح التأسيس" بتازة.




تابعونا على فيسبوك