قدم الكاتب المغربي الطاهر بنجلون ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب روايته الجديدة "بارتير" عن منشورات "غاليمار".
وسلط الروائي المغربي الضوء على الأسباب التي دفعته إلى كتابة هذا العمل الروائي الذي يعالج موضوعا راهنيا يتمثل في ظاهرة بدأت اليوم تثير أيضا اهتمام المثقفين ألا وهي هجرة الشباب المغربي نحو أوروبا.
يحكي الكاتب المغربي من خلال روايته، محاولة الشباب حاملي الشواهد الذين لم يتمكنوا من إيجاد فرصة عمل, كيفما كان نوعها داخل القطاع العام أو القطاع الخاص "اكتساح" الضفة الأخرى من حوض المتوسط، إنه حقا، يقول بن جلون، "وضع محزن ومؤلم لهؤلاء الشباب".
وقال الطاهر بنجلون الفائز بجائزة غونكور 1987 "إن رواية "بارتير" التي هي من الحجم المتوسط 270 صفحة، "عمل يتناول الرغبة الملحة للشباب من أجل مغادرة هذه الأرض، التي لم تعد ترغب في أبنائها، والفرار بجلدهم مخاطرين بأرواحهم نحو المجهول"، معتقدا أن كل الشباب المغربي وحتى أصحاب الشواهد يحلم بالعيش في الضفة الأخرى
ولم يكن اختيار الطاهر بنجلون لمدينة طنجة التي شكلت منطلقا لروايته اعتباطيا، لأن هذه المدينة تجسد موقعا تاريخيا للقاءات والتبادل الثقافي بين ضفتي حوض المتوسط
ويحاول الطاهر بنجلون من خلال روايته أن يبرز بأن "أوروبا قريبة جدا، والرغبة في اكتساحها أمر غاية في التجلي، وأن الشباب المغربي مهووس أكثر بأضواء الساحل الإسباني المتوهجة، التي تحيل في إشارة رمزية إلى فردوس الإلدورادو المفقود".
حضر هذا التقديم جمهور كبير ونوعي من مختلف المشارب والآفاق متتبعين لحديث الكاتب بكل اهتمام. وتجدر الإشارة إلى أن الطاهر بنجلون من مواليد مدينة فاس سنة 1944، اشتغل سنة 1968 أستاذا للفلسفة، ثم هاجر سنة 1971 إلى فرنسا لتحضير أطروحة السلك الثالث في الفلسفة تخصص علم النفس, وحصل سنة 1975 على دبلوم في علم النفس الاجتماعي بكلية دو جيسيو حول موضوع "المشاكل العاطفية والجنسية للعمال المنحدرين من شمال إفريقيا بفرنسا".
كما نال سنة 1987 جائزة غونكور عن روايته "ليلة القدر" وله مجموعة من الأعمال الروائية من بينها على الخصوص "هوسبيتاليتي فرونسيز" و"أمور سورسير"، من جهة أخرى، وضمن تيمة الاحتفاء بثقافة بلدان المغرب العربي، دعا مثقفون مغاربيون ضمن فعاليات ندوة "البعد الثقافي في بناء المغرب العربي" إلى تعزيز الفعل الثقافي في إطار شبكات المجتمع المدني من أجل تدعيم الهوية المغاربية المشتركة وتجاوز المفعول السلبي للسياسة.
وشدد المتدخلون على أن الفضاء المغاربي شكل لدى الحركات الوطنية المغاربية "حقيقة قائمة" إلا أن هذا الحلم الوحدوي تأثر بتحولات ما بعد الاستقلال، وفي هذا الاطار عبر المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي عن أسفه لضعف التبادل الثقافي بين البلدان المغاربية، داعيا إلى تعزيز حركة التفاعل بين المثقفين المغاربيين في إطار قنوات المجتمع المدني والتي ينبغي أن تبقى بمعزل عن الإكراهات السياسية.
ولاحظ الخطيبي أن الاستقلال تطور في المغرب العربي ضمن رؤية سلبية للجوار، قوامها الانغلاق على الذات، ومنظور ضيق لمفهوم "المجال"، الأمر الذي يتعارض ودينامية العولمة القائمة على التكتلات والفضاءات الكبرى.
وأكد الباحث الجزائري نور الدين بن عدي، أن الوعي المغاربي متجذر في الذهنية الجماعية بالمنطقة منذ القرن 12 خصوصا في عهد الدولة الموحدية التي جعلت من المغرب العربي كتلة سياسية قائمة الذات.
وأشار إلى أن هذا الوعي الوحدوي الاندماجي، بلغ أوجه خلال لحظات الصدام مع "الآخر"، معربا عن اعتقاده أن المصاعب التي تواجه البناء المغاربي تكتسي طابعا ظرفيا، خصوصا بعد سقوط جدار برلين الذي أنهى عهد التخندق الايديولوجي.
وأشار محمد تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، بأن الحركات الوطنية كانت مسكونة بهاجس الجمع بين الاستقلال كمرحلة والوحدة كهدف، ملاحظا أن النظام القطري اختزل الفعل السياسي في نطاق وطني مغلق، سقط معه المغرب العربي رهينة نظام التوازن الجيو استراتيجي وسياسة المحاور.
وضمن فعاليات المعرض ايضا أعلن الباحث حسن الوزاني، أن مجموع دور النشر بالمغرب أصدرت 2719 كتابا، خلال الفترة ما بين 2002 و2004، جلها ذات طابع تخصصي في مجالي الثقافة والعلوم.
وأوضح خلال ندوة "وضعية الكتاب والنشر بالبلدان المغاربية"، أن 31,19 في المائة من هذه الكتب، وأغلبها في الأجناس الأدبية رواية، شعر، قصة تم نشرها على نفقة المؤلف
وأضاف أن أزيد من 77 في المائة من الإصدارات باللغة العربية، و19 في المائة منها بالفرنسية و0,53 في المائة فقط بالأمازيغية، مشيرا إلى أن سحب معظم هذه الإصدارات لا يتجاوز أبدا ألفي نسخة.
من جهة أخرى، أشار الباحث حسن الوزاني الى أن غياب التكوين المستمر للمشرفين على المكتبات، ومالكي دور النشر، فضلا عن غياب دراسات للسوق حول حاجيات قطاع الكتاب، تشكل عوامل سلبية أثرت على إنتاج دور النشر.
هذا وقدم باقي المتدخلون مجموعة آراء أبانت جميعها على أن وضعية الكتاب والنشر في مجموع بلدان المغرب العربي تخضع للإكراهات التي تعيق النهوض بالكتاب، مثمنين الدور الذي يضطلع به الناشرون الخواص خلال السنوات الأخيرة في ترويج الكتاب بهذه البلدان
ولاحظ المشاركون أن أغلبية دور النشر تواجه العديد من المشاكل، من بينها ارتفاع كلفة الورق وغياب التحفيز على القراءة وانعدام إحصائيات دقيقة حول وضعية الكتاب والقراءة، إلى جانب الفوضى التي تعرفها سلسلة التوزيع وضعف موارد الدعم الموجهة للكتاب مشيرين إلى ضرورة تعزيز آليات التنسيق بين مهنيي الكتاب، وتشجيع التكوين في قطاع النشر، وإنشاء مزيد من الخزانات والتخفيض من قيمة الرسوم على تسويق الكتاب.
كما أعربوا عن أملهم في أن يأخذ قانون النشر بعين الاعتبار خصوصية القطاع وأن تبادر الدول المغاربية إلى دعم صناعة الكتاب وتشجيع توزيعه، منبهين إلى أهمية مكافحة القرصنة والنسخ في تطوير القطاع.
وعرفت فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب أيضا عقد مجلس إدارة الاتحاد المغاربي للناشرين لدورته السنوية الأولى، وثمن المجلس بالمناسبة قرار الأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي تخصيص جائزة لأفضل كتاب مغاربي صدر سنة 2005، في مجالات تهم الحياة الثقافية والفكرية والاقتصادية في بلدان المغرب العربي.
وتم خلال الاجتماع إسناد رئاسة إدارة الاتحاد المغاربي للناشرين إلى رئيس نقابة الناشرين الجزائريين السيد محمد الطاهر خلفا للسيد عبد الجليل ناظم (المغرب)
كما قرر مجلس إدارة الاتحاد عقد دورته الثانية في أكتوبر 2006 على هامش المعرض الدولي 11 للكتاب بالجزائر.
وحيا المجلس مساهمة الاتحاد في الاحتفال بالذكرى المئوية السادسة لوفاة المفكر المغاربي ابن خلدون، وذلك بوضع شارة موحدة على أغلفة الكتب المنشورة في سنة 2006.