تواصل "دار الفنون" عرضها لأعمال فنية جديدة حول موضوع: "الإبداع في خدمة الصناعة" إلى غاية 2 أبريل 2006، وبذلك تؤكد مؤسسة "أونا" مجددا توجهها والتزامها بالانفتاح والعمل على تثمين كل أشكال التعبير الفني.
أن "فيلا الفنون" من خلال تنظيمها معرض الإبداع في خدمة الصناعة" لاترغب في تعريف الجمهور العريض بهذا الفن فحسب، بل إنها تسعى أيضا إلى تمكين الحرفيين من الاستئناس بأشكال إبداع عصرية تطلب إنجازها عملا طويلا كما يتعلق الأمر على الخصوص بتوجيه نداء لرجال الصناعة، الذين لازالوا لم ينخرطوا بعد في إنتاج إبداعات مصممين فنيين عدة، تلك هي الأهداف الثلاثة التي تروم مؤسسة "أونا" تحقيقها من خلال هذ المعرض الذي يضم عددا أجيال المصممين الفنيين إلى جانب الندوات التي سيتم تنظيمها خلال هذه التظاهرة.
وإذا كان التصميم الفني نتاجا للثورة الصناعية في العالم الغربي ومندرجا بالتالي في منطق الإنتاج المتسلسل وكان هدفه إضفاء مسحة فنية على المواد المنتجة والموزعة على نطاق واسع، وهذا يعني أن هذه المهنة موجودة منذ مدة طويلة، ناهيك عن كونها خاضعة لإعادة النظر باستمرار في ضوء تطورات التكنلوجيا والمجتمع على حد سواء
ففي المغرب، فإن التصميم الفني، يحيلنا باستمرار على بعض الأشياء الأثاث، النسيج، الحلي.
الأصيلة بل والغريبة أيضا فهو يعتبر ضمنيا كعلم يتلخص في القيام بتدخل مرئي لافت للنظر ورائع أحيانا يمس الجوانب الشكلية والفنية، لاغير وكثيرا ما لاتأخذ بعين الاعتبار كثير من الرهانات العديدة التقنية والاجتماعية والثقافية التي تحيط بهذا النوع من الإبداع وقد بقي التصميم الفني في المغرب إلى حدود الثمانينات مجال إبداع هامشي بحيث ان المبدعين المغاربة الذين ظهروا حينذاك اضطروا الى الهجرة إن لم يقوموا بتمويل ذاتي بهدف النشر والتعريف بإبداعاتهم، وهكذا فإن قطاعات عديدة كالنسيج وصناعة الألبسة والأثاث وصناعة البناء التي كان بإمكانها النهوض بهؤلاء المصممين غضت الطرف عنهم مكتفية بالنقل أو باللجوء الى مبدعين أجانب.
ولكي يأخذ التصميم الفني المغربي انطلاقته على غرار التطور الغربي فإن عليه أن يولي اهتمامه بالتوازن الملائم للمواد والأشكال والألوان مع التساؤل عن وظائفه وغاياته كما ان عليه ان يسائل في الوقت ذاته البيئة الاجتماعية والتقنية والثقافية التي يتطور فيها المنتوج الفني، لماذا أو لمن يمكن ان يصلح هذا المنتوج الفني؟ كيف يمكن استعماله؟ ماهي تفاعلاته مع المستعمل؟ ماهي الآثار التي يمكن ان تترتب عنه بالنسبة للمحيط القريب؟ فمنذ الثورة الصناعية غزا التصميم الفني كل مكونات المجتمع من ثقافة واقتصاد بما في ذلك البيئة والتنمية المستدامة، والمغرب يختزن ثراتا معماريا هائلا يناهز حوالي ثلاثين مدينة عتيقة مع ما تحتضنه البوادي من معالم ذات أهمية كبيرة إلى جانب ساكنة نشيطة تعد بمئات الآلاف من الصناع الحرافيين العاملين في مختلف الفنون التقليدية الأكثر تنوعا مما يشهد على دينامية وخبرة مشهود بها فيما وراء الحدود، لقد أبانت قطاعات واسعة من هذه الصناعة التقليدية التي احتضنت منذ مدة قصيرة مهندسين معماريين ومصممين فنيين مغاربة بمناسبة عمليات إعادة ترميم بعض المآثر التاريخية أو الرياضات، عن قدرتها على التطور وإدماج قيم جديدة مرتبطة بمعايير ومتطلبات عالم التصميم الفني، ان الثراء الذي يميز هذا التراث، والكفاءات البشرية المتاحة تستحق رضع استراتيجية للنهوض بهذا القطاع تضم المهارات التقليدية والمقاربات الجديدة للتصميم الفني المعاصر.
وبالفعل فالصناعة التقليدية كما نعرف عبارة عن مسلسل للإبداع في هذا الإطار فإن الإبداع والابتكار يلعبان دورا مزدوجا بالنسبة للصناعة التقليدية، أذ لايعملان على النهوض بها كفن تقليدي فحسب ولكن يدفعان بها لتندمج في الفضاء العصري.
ومن جانب آخر فإن الثورة الرقمية باعتبارها ثورة صناعية جديدة قد قلبت كل المعطيات، فالتوزيع والخدمات خطيا بقصب السبق بالنظر للصناعة والمنتجات، كما سقطت الحواجز الفاصلة ما بين مختلف الميادين ولم تعد للغرف في المنازل وظيفة واحدة الى جانب تزايد الوقت الذي اصبحنا نقضيه في بيوتنا أكثر فأكثر.
فهذه التحولات تعرف تطورات سريعة تؤدي إلى ظهور حاجات ولربما أنماط عيش عابرة أحيانا، وفي هذا الإطار فإن التصميم الفني لم يعد فقط نشاطا إبداعيا يرتبط الجودة بشكل الأشياء التي يتم إنتاجها صناعيا قصد الحصول على نتيجة جمالية تتوافق والمتطلبات الوظيفية والتجارية فالمصمم الفني أصبح إذن مبتكرا ومبدعا صناعيا يبدع شيئا ذا قيمة عن طريق استباق التطورات والميولات المحتملة.
ان التطلع الى المستقبل بالنسبة للمصمم الفني هو مثل البحث بالنسبة للهندسة لكون الابتكار والإبداع قيمتان مضافتان يتطلبان الحس الفني والعمل الفكري، وهذا التوجه نحو المستقبل من شأنه أن يغذي تأملا استراتيجيا يتيح التساؤل باستمرار قصد اكتساب القدرة على استشراف أفضل.
ذلك أن الجمع ما بين التصميم الفني والصناعة التقليدية سيفضي الى ولادة "اقتصاد جديد" يستمد قوته من حيوية تقاليدنا ويعمل دوما على تنميتها من خلال مراهنة الانفتاح على العالم.
يؤثث فضاء المعرض الذي تحتضنه "دار الفنون" بالدارالبيضاء إلى غاية الثاني من أبريل الجاري أعمالا فنية لكل من جميل بناني، مصمم فني، استاذ تجارة الاثاث ومنية البرنوصي مصممة فنية، سعيد فشتال مصمم فني، ياسمين إيطوشان مهندسة داخلية، عزيز الأزرق مهندس ومصصم فني، كريم الطاسي، مصمم أزياء ومصمم فني للموضة والزخرفة، صوفيا التازي، مهندسة داخلية ومصممة فنية ـ منصف الزناتي، مصمم فني.