التقينا به في مقر اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم بمدينة الرباط، ووجدنا مستشار جلالة الملك عبد العزيز مزيان بلفقيه، بعد ظهر يوم ممطر، في الموعد المحدد
بدا الرجل منشرحا ومستعدا تمام الاستعداد للحديث عن ملف شغله طيلة سنة، إلى جانب فريق متعدد الاختصاصات،
كان السؤال ملحا : من أين البدء؟ سيما وأن الحديث عن الموضوع وقع تناوله في أكثر من مناسبة وأكثر من منبر، لكن هدفنا كان واضحا منذ البداية.
قررنا أن نركز على الشروط الموضوعية، التي أحاطت بصياغة وثيقة تؤرخ للتاريخ المعاصر للمغرب، وتفتح أمامها آفاقا كبيرة لمغرب القرن 21 .
اكتشفنا، من خلال هذا الحديث المطول، رجلا يتحلى بقدرة فائقة على التركيز واختزال المواضيع المعقدة.
ومن موقعه على رأس اللجنة المديرية لتقرير الخمسينية أبان بلفقيه عن حس سياسي عال، وارتباط بأساسيات البناء الديمقراطي لمغرب يوجد اليوم في مفترق الطرق
إنه المغرب، الذي يستطيع أن يعطي لنفسه كل الآفاق، إن هو آمن بنفسه وقدراته
بيد أن التوجه نحو المستقبل، كما يعتقد بلفقيه، يفرض المرور عبر إيجاد أجوبة على خمسة منطلقات، يتحدد من خلالها مشروعنا المجتمعي.
ويحدد بلفقيه هذه المنطلقات في المعرفة والتربية الأساسية والتعليم للجامعة، والحكامة الجيدة، وسياسة الإدماج ومحاربة كل أشكال الإقصاء سواء كان جغرافيا أو موجها حيال النساء أو الشباب أو المعوقين، وتأهيل الاقتصاد بصفة تمكننا من ربح رهان تنمية مسترسلة وقوية، والمنطلق الخامس يتعلق بالصحة وإطار العيش.
يؤكد عبد العزيز مزيان بلفقيه أنه لم تكن هناك أوليات مسبقة في إعداد التقرير، خارج تفويض الخطاب الملكي ليوم 20 غشت 2003، بيد أنه يعترف بوجود عقبات كان الأمر يتطلب تفاديها، من قبيل التقصير في الاستفاضة، وإهمال ما هو أساسي مع الانشغال بالثانوي، أو الانشغال بالجوانب التنكيتية والمثيرة للحدث.
يقول بلفقيه إن المجتمع يميل إلى البحث عن التوافقات، بينما الإصلاح يعني كسر التوازنات، ما يجعل التغيير ليس طريقا سهلا .
بيد أن بلفقيه يبقى متمسكا بالتفاؤل، ويعتقد أن المغرب يستطيع النجاح في مسيرته الإصلاحية، لأن الأمر يتوقف فقط في النهاية على مسألة صغيرة، يقول بلفقيه إنها "الثقة".
٭ هل كانت لديكم أوليات مسبقة محددة سلفا تطلب الأمر حسمها قبل انخراطكم في بلورة عمل بهذا الحجم الكبير؟
ـ لعل كلمة أوّليات غير ملائمة في هذا المقام، لأنها قد تعني أن شروطا سبقت الانطلاق، والواقع أنه لم تكن هناك أوليات مسبقة.
لقد كان التفويض واضحا باستناده إلى الخطاب الملكي ليوم 20 غشت 2003، ومع ذلك يمكن الحديث عن عقبات كان الأمر يتطلب تفاديها، من قبيل التقصير في الاستفاضة، وإهمال ما هو أساسي مع الانشغال بالثانوي، أو الانشغال بالجوانب التنكيتية والمثيرة للحدث كما كان مطلوبا أيضا عدم السقوط في البرمجة.
٭ لماذا؟
ـ الأمر بسيط، إننا في بلد يعلن نفسه دولة القانون، ويريد أن يبني ديموقراطية حقة
وفي ظل هذا المعطى، يعود تقديم البرامج للناخبين إلى حاملي هذه الديموقراطية
إن هذه المهمة لا تعود إلى مجموعة من الباحثين أو من أطر الإدارة، بصرف النظر عن مؤهلات أفراد هذه المجموعة وقوة إرادتهم، لأنهم لا يتوفرون على أي مشروعية للقيام بهذا الدور .
٭ بات بديهيا اليوم أنه لا يمكن إقصاء جزء من المجتمع يعمل ويفكر في المؤهلات والإكراهات لتنمية البلاد ومستقبلها، بدعوى أن هذا الجزء يوجد خارج الهياكل السياسية التمثيلية
إن بناء مغرب الغد يفترض أن يبنى بجهود كل أبناء البلد، ألا ترون صعوبة في عدم الدخول في البرمجة أو تقديم برامج؟
لنأخذ مثالا بظاهرة اجتماعية باتت ملموسة، إنها حالة تشايخ الساكنة، التي تطرح جملة من المشاكل البارزة سوف نوضح الأمر إن إبراز التوجهات الكبرى والمعبرة أمر قائم بذاته
أما بخصوص مسألة التشايخ وما يعرف بالنعمة الديموغرافية، التي تفترض أننا سنصبح إزاء شريحة واسعة من السكان بين 15 و59 عاما، علينا الاستفادة منها، فالأمر هنا يتعلق بمعطيات صحيحة.
والآن لنر كيف يمكن التعاطي مع هذه التحولات, يتعلق الأمر هنا باختيارات سياسية حقيقية، فهناك ليبراليون سيقولون بضرورة التحرير، وهناك آخرون يميلون أكثر إلى مبدأ المرفق العام والتشديد على بناء مجتمع تضامني.
أما نحن، في مجموعة العمل، فلم نذهب إلى هذا الحد وفي كل الحالات، وعلى ضوء مبدأ المحاور، تبرز إجابتان أو ثلاث إجابات على الأقل، وهي إجابات إيديولوجية بطبيعة الحال، بالمعنى الإيجابي للكلمة، ولا مجال للمعنى القدحي هنا.
يتعلق الأمر، بالأحرى، بمسألة تصور مجتمعي، فهناك من سيختارون مجتمعا في غاية التشظي، أي الفردانية أو الأنانية، وهناك الذين يختارون مجتمعا يقوم على جملة من القيم.
٭ يتوفر التقرير بالتأكيد على ميزة الانسجام ويساعد على بناء تصور قريب من الواقع الراهن، من خلال تحليل لحالة المغرب خلال خمسين عاما ألم يكن لديكم تخوف من تدخل القناعات الخاصة للأشخاص في هذا العمل مما قد يؤثر على القيمة العلمية للتحاليل
إنه تخوف مبرر في نهاية الأمر بالنظر إلى تعدد الأفراد والاختصاصات داخل فريق العمل، بل هناك أيضا اختلافات عقائدية من الزاوية السياسية.
هل يمكن إذن الوقوف على طبيعة التعديل والتحكيم، الذي كان عليكم أن تنجزوه من أجل الحفاظ على انسجام المجموعة؟ وهل طُرحت فعلا مثل هذه الحالات؟ ـ نعم، طُرح هذا بشأن عدد من القضايا الخاصة والمتميزة.
٭ مثلا؟
ـ حصل هذا بشأن قراءة معينة للماضي، وطرح السؤال على هذا النحو : إلى أي مدى يمكن الذهاب؟ وبشأن سياسة المغربة والسياسة المائية في بعديهما الكبير والصغير، هناك آراء مختلفة حول هذه القضايا في بلادنا منذ فترة طويلة، وهذا أمر معروف لدى العموم.
وأعتقد أن الطريقة الجيدة كانت هي تحديد مسؤولية الخط التحريري في البداية.
٭ على ماذا ارتكز هذا الخط؟
-على كون مسؤولية المساهمات الفردية تعود إلى أصحابها وحدهم، بحيث لكل واحد أن يبلور أطروحات لا تلزم الآخرين، إلا أنها تبقى في حدود وجهة النظر الخاصة.
كان الأمر المهم بالنسبة إلينا هو أن تأتي كل وجهة نظر مدعمة بالوثائق وقابلة للطرح العلمي.
وكان مهما أيضا أن يستند الرأي المعبر عنه إلى وقائع ملموسة ويقوم على حجج مترابطة، وأن يستقيم الهيكل العام للتحليل.
إن التقارير الخاصة بالمحاور تقع مسؤوليتها على مجموعات العمل، وقلنا منذ البداية إن التقرير العام من مسؤولية اللجنة المديرية، وتوسعنا في مناقشة هذا التقرير بإشراك كل مقرري المجموعات وأعتقد أننا توفقنا في نهاية الأمر .
٭ ألم تحصل توترات؟
ـ كانت هناك وجهات نظر مختلفة حول المسألة الدستورية وتصنيف الأولويات، وهذا مؤشر صحي.
ويمكن أن أتمنى لهذا التقرير أن يخضع لقراءات مختلفة، وربما للنقد أيضا
هذا هو معنى الحوار والنقاش، وبدون ذلك لا يمكن أن نتقدم يجب ألا نخاف الفكرة المغايرة والمناقضة، إنها بمثابة خلاص.
٭ بصفتك مهندس الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ثم منسق هذا التقرير حول خمسين عاما في المغرب، لا يخفى عليك أن الميثاق أثار الكثير من الانتقادات أخذت عليه عدم تحقيق أهدافه
ـ يجب تحديد نقط الفرق، فالميثاق أعطى مبادئ وحدد كذلك نظرة معينة للتربية وأهدافها.
لقد أنتج ميثاق التربية في منتصف الطريق تقريرا قدم إلى المجلس الأعلى للتربية، ولم تكن النظرة موضوع جدل بقدر ما يتعلق الأمر بصعوبة الإصلاح في البلاد، سواء في مجال التربية أو غيره.
أعتقد أننا محافظون بعض الشيء، وربما كثيرا، ونميل أكثر إلى البحث عن التوافقات
إن الإصلاح يعني كسر التوازنات، والتغيير ليس طريقا سهلا .
٭ لكن على أي مستوى تتحدد العرقلة؟
ـ قلت هذا وكررته مرارا لقد افتقر الإصلاح إلى الدعم من طرف الرأي العام
إن إصلاح المدرسة ليس عملية تقنية، وهناك الكثير من الفاعلين لم يؤدوا دورهم
إن المدرسة تحتاج في الواقع إلى أكبر قدر ممكن من الدعم، وأقصد هنا دعم التلاميذ أنفسهم وأولياء التلاميذ والمدرسين والفاعلين السياسيين والفاعلين الاقتصاديين.
٭ ألا تعتقد أن الأمر يتعلق بمشكل تواصل؟
ـ يحتمل أن يكون الأمر كذلك لم نستطع أن نثير قدرا كافيا من الاهتمام، مع أننا عقدنا أزيد من 300 اجتماع .
لكن ربما كان علينا أن نشتغل بطريقة أخرى، لعل الأفضل كان هو تنظيم نقاش شعبي، لست أدري.
بعد هذه الملاحظة لا يجوز التهويل، فليس كل شيء بلون السواد لقد حصلنا على نتائج، وخرجت إلى الواقع هيئات في مجال اللامركزية، وهناك طرق جديدة قيد العمل، لابد أن يتوفر لها الوقت الكافي لكي تعطي ثمارها.
وصحيح أيضا أننا لا نمنح الإصلاحات الوقت المطلوب، بسرعة نحاكمها ونلقي بها إلى الخلف ثم نغيرها.
هكذا نجد أنفسنا في حالة "مرض" دائمة بالإصلاح مع تسجيل هذه الأمور لا بد من التزام الحذر لأننا إزاء ورش ضخم، وهذا هو الأهم .
٭ نربط هذا السؤال باستراتيجيات المستقبل التي قد يبلورها المغرب ويطرحها
على سبيل المثال إذا تقرر غدا عقد كل الرهانات على التكنولوجيات الجديدة للإعلام وكل ما يرتبط بها على مستوى التربية وتكوين الموارد البشرية الضرورية، ألا تعتقدون، في هذه الحالة، بضرورة إعادة تنظيم كل الكفاءات الخاملة للدولة في هذا الاتجاه وتقديم قطاع التكنولوجيات الحديثة للإعلام على القطاع الفلاحي؟
-إنني متفائل بالطبع، وأعتقد أن المغرب يستطيع النجاح في عدة أمور، ويتوقف الأمر في النهاية على مسألة صغيرة، هي الثقة.
فإذا كنا قادرين على الثقة في أنفسنا نستطيع أن ننجح وهذه الثقة بدورها تتغذى وتتقوى بفضل النجاحات الصغيرة المحققة.
هناك، كل يوم، مغاربة يحرزون نجاحات، ويجب إبراز مثل هذه الأمور، ليس فقط من أجل إرضاء الذات، لكن بهدف جعلها نموذجا واستلهام القوة, ويجب أيضا أن تتوفر الإحاطة بالهدف والاتجاه المقصود.
٭ وجهتم أخيرا خلال اجتماع بخريجي سلك دراسات الـ "ام بي أي" بالمدرسة الحسنية للأشغال العمومية بالدارالبيضاء، نداء قويا موجها للشباب تحثونهم على الانخراط في الحياة السياسية
وتعلمون من جهة أخرى أن التنوع الكبير لكل الأطياف السياسية والعدد المهم للأحزاب السياسية لا يساهم بالضرورة في عملية الاختيار لدى الشباب والمواطنين من أجل الانخراط في هاته الهياكل كيف ترون حل هذه المعادلة؟
ـ أعتقد بأن العمل السياسي بدأ يسترجع مصداقيته لدينا ونعلم جميعا بأن الشباب المغربي ينخرط أكثر فأكثر في العمل الجمعوي.
وأعتقد جازما كذلك، بأننا لا يمكننا أن نتلافى أو نتناسى دور العامل السياسي في العملية التنموية الشاملة.
ولهذا فلا يمكننا أن نقول بأنه يكفي فقط الاهتمام بالعمل الجمعوي ونقف عند هذا الحد
وهذا لا يعني أن كل المغاربة عليهم أن ينخرطوا في الأحزاب السياسية، بل ما هو مطلوب بالتأكيد، هو أن يهتم الجميع بالشأن السياسي.
وكما هو معروف في جل البلدان الديمقراطية، فنسبة المواطنين المنخرطين في الأحزاب السياسية لا تتعدى في أغلب الأحيان 10٪ .
لكن عملية إعادة الاعتبار للشأن السياسي ليست مسألة تفرض بين عشية وضحاها، بل الأمر يتعلق بالتربية على المواطنة وترسيخ قيمها، وهي العملية التي ينبغي أن تبدأ من المدرسة.
علينا أن نلقن أبناءنا مبادئ صحيحة من قبيل تحريم الغش والاستفادة من أوضاع خارج سلطة القانون وعلينا بالمقابل أن نبرز قدسية قيم العمل والجهد والإحساس بالمسؤولية
وأتمنى أن تعمل قنواتنا التلفزية التي سيرتفع عددها إلى 5 أو 6 قريبا على بث برامج سياسية حوارية يوميا بهدف تقريب الخطاب السياسي من المواطن وهذا ما ينبغي أن يتضمنه مفهوم الخدمة العمومية في قطاع التواصل.
٭ ما هي أنجع طريقة لإعادة الاعتبار للعمل السياسي؟
ـ من خلال ممارسة المسؤولية.
٭ عندما نتتبع ما يقع بداخل الأحزاب السياسية من حروب وخلافات على الزعامة لا نجد ما يشجع على الانخراط في هذا العمل، بل نجد أنفسنا أمام وضعية محبطة
ـ إن هذا النوع من الخلافات والصراعات موجود في كل بلدان العالم وحتى في الديمقراطية العريقة أنظر مثلا ماذا يقع في فرنسا أو ألمانيا أو الديمقراطيات الأخرى
ألا ترون بأن الساسة هناك يتناحرون من أجل الزعامة.
إن هذه الخلافات والصراعات في تقديري مسألة طبيعية، وهي كذلك لأن كل المتسارعين الذين يوجدون على طرفي نقيض في كثير من الأحيان تجدهم كذلك حاملين لمشاريع سياسية مختلفة أو متناقضة.
وقد تجد أيضا أن الصراعات تغذيها طموحات شخصية وأنا لا أرى هنا أي نوع من اللامشروعية, لكن هذا يبقى مشروطا بقدرة التنظيم السياسي على الاشتغال بطريقة طبيعية.
وأعتقد من جهة أخرى أننا في كثير من الأحيان نتعامل بصرامة زائدة مع أحزابنا السياسية, هناك العديد منها يشتغل بشكل جيد ولا ينبغي أن نكيلهم جميعا بالمكيال نفسه.
فالسياسة ليست وسخة بطبيعتها، بل هي التعبير الأسمى لشعور الانتماء إلى نظرة معينة للعالم.
والسياسة ينبغي لها بالضرورة أن تكون مسنودة بميثاق للقيم وأذكركم بأن جلالة الملك محمد السادس كان في إحدى خطبه الأخيرة عبر عن رغبته في أن تمكن انتخابات 2007 من فرز أغلبية واضحة من خلال صناديق الاقتراع وأن يتم إفراز برنامج عمل واضح يمكن هذه الأغلبية من تسيير شؤون الحكومة, وهذا في تقديري الدليل على إعادة الاعتبار للشأن السياسي بالمغرب.
٭ تفهمنا جيدا موقفكم في إطار تقرير التنمية البشرية على مدى 50 سنة بوصفكم تجمعا من الخبراء، بأن لا تعتمدوا مقاربة تفضي إلى برامج عملية
لكن عملتم على وضع سيناريو 2025 للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد
هل يمكنكم أن تذكروا بالخطوط العريضة لهذا السيناريو؟
ـ عندما وصلنا إلى مرحلة الدراسة الاستشرافية بدأنا بحصر الصورة التي كانت عليها البلاد سنة 2005 .
وهكذا خلصنا إلى أن المغرب يوجد في مفترق الطرق وبالرغم من أن هذا المصطلح استعمل في مناسبة أخرى بشكل كبير، إلا أننا ارتأينا بأنه المصطلح الذي يقترب من واقع البلاد.
ويعني هذا التقدير أن المغرب مفتوح على كل الافتراضات بالنسبة للمستقبل
ولكننا احتفظنا بتوجهين اثنين وبشكل إرادي.
التوجه الأول يأخذ بعين الاعتبار استرسال موجة الاصلاحات الجارية، وهذا يعني أننا ملزمون بتفعيل كل عمليات الانتقال سواء على المستوى الديموغرافي أو الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي.
إنها صورة المجتمع الذي يتحرك، يتقدم ثارة ويتخلف تارة أخرى والأساسي هنا هو وجود رغبة قوية في الإصلاح لأن المغاربة يريدون أن ينجحوا في انتقالهم بكل الوسائل، وبالتالي قد تجد استراتيجيات فردية تجنح إلى التغيير، لكن المهم هو الإحساس بأن شيئا ما يحدث ويتغير .
هكذا فالاختيار واضح، فإما أن نذهب الى اتجاه المحافظة على الموجود أو نسلك طريقة التغيير .
لكن إذا ما حدث، لا سمح الله، أننا توقفنا عن مسيرتنا أو تخاذلنا أو أظهرنا نوعا من التحفظ، أو ظننا أن بإمكاننا الرجوع إلى الوراء فسيكون ذلك عملا انتحاريا وطامة كبرى
إن المغرب ذهب في طريق الإصلاح إلى أبعد ما يمكن وبالتالي، فعليه أن يتوجه نحو الأمام، عليه اليوم أن يحافظ على السرعة التي استطاع أن يصل إليها والتي لم تكن ممكنة 15 أو 20 سنة من قبل.
أما إذا وقع، لا قدر الله، أن دخلنا في مزايدات عقيمة أو لم نستطع تغيير بعض سلوكاتنا أو أصبنا بمرض النسيان أو إذا لم نعط ما يكفي من الوقت للإصلاحات حتى تعطي مفعولها أو إذا انعدم عنصر الثقة فلنكن متيقنين بأن هذه الحركية ستتعطل لا محالة.
٭ هل تعتقدون بأن الرغبة في المضي قدما تم التعبير عنها بشكل واضح؟
ـ أجل بكل تأكيد , لكنك لايمكن أن تتقدم إذا لم تكن تعلم أين ستذهب وأين ستتوجه.
٭ ما هو المسلك الأول الذي يتيحه سيناريو 2025؟
ـ علينا أن نثمن ما توصلنا إليه من نتائج إيجابية وهذا يعني بالتحديد أنه ينبغي لنا أن نعزز الديمقراطية وأن نذهب بها إلى أبعد الحدود مهما كانت الظروف.
وعلى المستوى المجتمعي علينا أن نزكي المكتسبات التي حصلنا عليها في مجال المدونة وحماية الطفل ولا ينبغي لنا بتاتا أن نخوض معارك واهية، بل ينبغي أن نمضي قدما بتوازن واتزان.
وفي مجال الحريات العامة علينا أن نتقدم لكن في إطار وبصيغة متحكم فيهما.
٭ بما في ذلك مجال الصحافة؟
ـ أجل، الصحافة أيضا، ومهما كان الثمن
فالمطلوب هو العمل على إبقاء مد تصاعدي واستمرار في التغيير لأنه لا توجد نتائج نهائية في هذا المجال.
يحدث بين الفينة والأخرى، أن تقع مبالغات هنا وهناك لكن ذلك لا ينبغي له أن يبعدنا عن ما هو أساسي.
فكما لو أن الأمر يتعلق بجيش يتقدم نحو الأمام فيحدث أن تكون هناك مناوشات يمينا ويسارا، فلا ينبغي له أن ينسى الهدف الأسمى وأن تكون له قدرة على التحمل.
٭ هل هذا يعني أن الأهم والضروري هو المحافظة على ما هو موجود؟
ـ لا يمكننا أن نكتفي فقط بتعزيز ما هو موجود, فمثلا إذا كنت تسوق دراجة لا يمكنك أن تتوقف أبدا عن الحركة.
فإذا حدث أن تسربت إشارات تيئيسية وأصبحت أقوى من دوافع التغيير فهذا يعني أننا سنتوجه نحو مسار التقهقر والتراجع وهذا يعني بالتحديد أن مدرستنا ستصبح أقل نجاعة وستكون لدينا بطالة برقمين، وهذا ما يعني أنه ليس لدينا خيار آخر غير التقدم نحو الأمام
وبالمقابل علينا أن نعلم بأن حظوظنا في النجاح كبيرة وهي موجودة.
ما ينبغي هو أن يؤمن المغرب بطاقاته، فقد استطعنا أن نقدم إنجازات مهمة وكبيرة من قبيل ميناء طنجة المتوسط الذي راجت حوله العديد من الشكوك عند الانطلاق، لكنكم اليوم تستطيعون رؤية التقدم الحاصل، بل أكثر من ذلك تم تفويت لاستغلال أكبر تجمع دولي في المجال يضم الشركة الملاحية الأولى في العالم والثانية والثالثة, فهذه الشركات أتت لتستثمر أموالها في المغرب.
٭ هل هذا جزء من مغرب الغد؟
ـ سترون بأن إنجازات أخرى ستلي هاته، ولكن ليست بالضرورة من النوع نفسه
المغرب هو كذلك المبادرة الوطنية للتنمية البشرية, ن النجاحات الاقتصادية تكون ضرورية لكنها غير كافية.
علينا أن ننجح كذلك في إصلاح المدرسة، اعتماد سياسة ملائمة في مجال الصحة تمكن كل المواطنين من الاستفادة بالتساوي من خدمات تطبيب ذات جودة عالية.
٭ لكنكم تعلمون جيدا بأن هذه المعادلة صعبة جدا؟
-ليست هناك معادلات صعبة أو تستعصي على الحل، بل ما هو موجود هو القدرة على انتقاء الحلول الأفضل.
٭ كيف سيتم التحكيم بين الإمكانات وأهداف التنمية المنشودة؟
ـ سنحتكم من خلال القدرة على تلبية الحاجيات لأكبر عدد من المواطنين
وعلى كل حال فالتوجه الثاني يقضي بأن نتوجه نحو المستقبل ونحاول أن نجد أجوبة على خمسة منطلقات يتحدد من خلالها مشروعنا المجتمعي : المنطلق الأول : يتعلق بالمعرفة والتربية الأساسية والتعليم للجامعة.
الهدف هنا يتجلى في تمكين المغاربة من أن يكونوا قادرين على القراءة والكتابة ولو بمستوى ضئيل.
المنطلق الثاني : يتعلق بالحكامة الجيدة وهو ما يعني الاهتمام بطريقة ممارسة المسؤولية في تدبير الشأن العام وذلك في إطار شروط الشفافية والنجاعة والإنصاف
فعندما نتحدث عن الشفافية هذا يعني أننا نتعامل مع مسلسل شامل لاتخاذ القرار في المجال العمومي وهو يعني أن القرارات التي تتخذ، عليها أن تتبع مسلسلا واضحا متعارف عليه وأن تشرح للمواطنين منطلقاتها وأهدافها.
وتعني الشفافية كذلك، محاربة الرشوة ليس فقط من المنظور الزجري، بل علينا أن نعمل على توضيح كل الحالات وجعلها قابلة لتعامل موضوعي واضح.
وينبغي لمحاربة الرشوة كذلك، أن نعمل على تقييم المسؤوليات وأن نفرض مسألة تقديم الحساب.
وهذا يعني أن نضع نظاما للمراقبة أكثر من الجنوح إلى وضع عقوبات سلبية وزجرية
وأعتقد أنه من الضروري أن تطبق هذه المقاربة كذلك على الحكومة ومن يتحمل فيها المسؤولية، مسؤولية تدبير الشأن العمومي، حيث ستلعب صناديق الاقتراع دورها الزجري.
وتبقى العدالة العنصر الأساس في نظام الحكامة الجيدة وعليها أن تكون على منوال زوجة قيصر التي لا ينبغي لها أن تشوبها أية شائبة.
أما المنطلق الثالث فيتعلق بسياسة الإدماج ومحاربة كل أشكال الإقصاء سواء كان جغرافيا أو موجها حيال النساء أو الشباب أو المعوقين، علينا مثلا أن نطرح السؤال ماذا سيكون مصير المسنين في أفق 2035 حينما نعلم بأن مرارة العيش ستدفعنا الى التخلي عن بعض الرموز والأخلاق العريقة في مجتمعنا من قبيل التضامن مع المسنين
علينا أن نبني مجتمعا متضامنا ومتنوعا.
ولا أتحدث هنا عن المفهوم الفج للتضامن بل أتحدث عن تضامن يخضع إلى قواعد وقوانين بعينها.
وأرى أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تشكل قاطرة مهمة في مجال الإدماج على المستوى المجتمعي والمجالي.
المنطلق الرابع يتعلق بالاقتصاد إذن سيكون علينا أن نربح رهان تنمية مسترسلة وقوية
أما المنطلق الخامس فيتعلق بالصحة وإطار العيش.
وفي نهاية التحليل علينا أن نؤمن بأن المستقبل يبنى وليس مفروضا علينا حتما
وهذا يعني أن مصيرنا بأيدينا وأن كل شيء ممكن في المستقبل والسيء منه كذلك.