صحافة الثقافة

السبت 11 فبراير 2006 - 16:56
محمد عابد الجابري

ستكون لرواد المعرض الدولي للكتاب والنشر في دورته الثانية عشرة والمنعقد منذ ثلاثة أيام فرصة حضور مائدة مستديرة حول" المغرب العربي في المجلات" وستحتضنها قاعة عبد الله إبراهيم يوم السبت 18 من الشهر الجاري، أي في اليوم ما قبل الأخير، وسيشارك في النقاش، حسب ب

ومحمد ياسين فرسيرا عن" لي كايي ذي كريات" ، ومحمد الصغير جنجار عن" مقدمات" وعبد الحميد عقار عن" جسور" و"آفاق" ، وزكية داوود عن" لاماليف".

هذه المائدة المستديرة ستطرح بلا شك موضوعا غير مطروق بالشكل الذي يستحقه
ومن خلاله يُطرح سؤال كبير حول أهمية وجدوى المجلات الثقافية أو" الصحافة الثقافية"
وهل من الضروري أن يقوم المثقفون والمفكرون والأدباء بخلق" منابر" لهم، تكتسي طابعا صحفيا في حدود الشكل والدورية؟ ومتى كانت الصحافة مستقلة عن الأدباء والمفكرين عبر العصور؟ ألم يهجر أحمد حسن الزيات التدريس بعد عودته من بغداد سنة 1933، ويتفرغ للصحافة والكتابة، وأنشأ مجلة" الرسالة" بعد اختفاء" السياسة" الأسبوعية التي كانت ملتقى كبار الأدباء والمفكرين؟ كانت المجلة" ذات ثقافة أدبية خاصة، تعتمد على وصل الشرق بالغرب، وربط القديم بالحديث، وبعث الروح الإسلامية، والدعوة إلى وحدة الأمة، وإحياء التراث، ومحاربة الخرافات، والعناية بالأسلوب الرائق والكلمة الأنيقة، والجملة البليغة" كما يصفها من عرفها حق معرفتها، لقد صارت" منتهى أمل كل كاتب أن يرى مقالة له ممهورة باسمه على صفحاتها، فإذا ما نُشرت له مقالة أو بحث صار كمن أجازته الجامعة بشهادة مرموقة، فقد أصبح من كُتّاب الرسالة".

كتب في صفحات المجلة أعلام الفكر والثقافة والأدب كالعقاد، وأحمد أمين، ومحمد فريد أبو حديد، وأحمد زكي، ومصطفى عبد الرازق، ومصطفى صادق الرافعي
كما" ربت الرسالة جيلا من الكتاب والشعراء في مصر والعالم العربي، فتخرج فيها : محمود محمد شاكر، ومحمد عبد الله عنان، وعلي الطنطاوي، ومحمود حسن إسماعيل، وأبو القاسم الشابي، وغيرهم، وظلت المجلة تؤدي رسالتها حتى احتجبت في 15 من فبراير 1953" .

هذه هي" الرسالة" التي اتخذت الصحافة وسيلة للثقافة والمثاقفة أيضا وهي ليست الوحيدة في المشرق فقد كانت مجلة" الثقافة" ومجلة" شعر" في لبنان ومجلة" الشعر" في مصر التي كتب افتتاحيتها يوسف السباعي وزير الثقافة آنذاك فقال : " ها نحن ـ من واقع مصر المنتصرة ـ نزف مجلة" الشعر" للعرب تأكيدا للفكرة المتواترة التي تقول : من أحيا الشعر فقد أحيا العرب، ومن قتل الشعر فقد قتل العرب" والأمثلة من المجلات الأدبية كثيرة، وشيء من هذا حصل أيضا في المغرب العربي فظهرت" مجلة الشعر" في تونس في بداية الثمانينات.

كما حصل ذلك أيضا مع المجلات الثقافية التي ظهرت في المغرب، والتي سيُحتفى ببعضها في معرض الكتاب والتي كان أكبر همها هو الخوض في القضايا الثقافية، وإن بشكل" مؤدلج" ، اقتضته مرجعية كتابها آنذاك ومتحهم أساسا من الفكر الاشتراكي، ومهما يكن من أمر فالكتاب المغاربة لم يكونوا في ذلك بدعا، بل ساروا على خطى أندادهم المشارقة، وأيضا سابقيهم في الغرب، والكل لا زال يذكر أن الكاتب إميل زولا لم يكتف بالتعبير عن أفكاره بالكتاب وحده و»أنا أتهم" التي أطلقها صرخة لم تجلجل في سماء جهورية المساواة والحرية والإخاء إلا بفضل الصحافة.

وهي الصحافة نفسها التي انتقدها بشدة الكاتب الفرنسي غي دو موبسان في روايته الشهيرة" بيل أَمي" وهو الذي توسط له غوستاف فلوبير لدى إميل زولا الذي مكنه من فرصة التعاون مع مجموعة من الجرائد .

هاجم دو موبسان الصحافة وعاد ليعتذر في رسالة مفتوحة تحت عنوان" رسالة إلى رئيس تحرير" هي قصة طويلة وممتدة بين الأدباء والمفكرين والصحافة.

وليام شكسبير كتب رائعته" روميو وجولييت" ، مسلسلة في الصحافة وكان يتوصل ببريد من القراء الذين طالبوه بنهاية سعيدة للقصة ولكنه أبى إلا أن يخيب آمالهم
وقصة" العروة الوثقى" وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده واسعة الانتشار
لا ضير إذن أن يترك الكُتاب مؤقتا الكتاب ليرتموا في أحضان الصحافة دون أن يقوموا بالطبع بدور الصحفيين، وهنا لا بد من ذكر ما قالته لطيفة أخرباش مديرة المعهد العالي للإعلام والاتصال في كلمة قبيل افتتاح أشغال ندوة حول موضوع" هل يصبح القرن الحالي دولوزيا؟" ، تكريما للفيلسوف الفرنسي جيل دولوز وهي ندوة شارك فيها مجموعة من المفكرين

قالت أخرباش إن تنظيم هذا اللقاء يكتسي أهميته من حيث كون الفيلسوف دولوز طرح أسئلة قيمة حول الصحافة، وأنه حمل الصحافي" جزءا من المسؤولية في أزمة الآداب" ونتيجة لذلك يتعين" على الكاتب أن يتولى دور الصحافي في الكتابة عن نفسه وعن أعماله" .

إلى أي حد يمكن اعتبار هذا صحيحا، ما دام للصحفي دوره وللكاتب دوره؟ الصحفي هو" مؤرخ اللحظة" وينتج عموما مادة بائدة تنتهي صلاحيتها في اليوم الموالي أو مع صدور العدد الموالي وهو يكتب عن السياسة والاجتماع والاقتصاد وأيضا الثقافة.

" أزمة الآداب" مسألة كبيرة جدا ومعقدة تتجاوز الصحافي ودوره
يُتهم الصحفي عادة بنشر ثقافة سطحية أو مُسطَّحة، من جنس ما وصفه الفيلسوف الفرنسي الراحل بيير بورديو بـ" الثقافة الخفيفة" على وزن" الوجبات الخفيفة".

قد يصح ذلك عموما وهو شيء ملموس في الصحافة المغربية يوميا لكن لا بد أيضا في هذا الصدد من التمييز بين" ثقافة الصحافة" و»صحافة الثقافة" الأولى تحيل إلى الجانب الثقافي في الصحافة التي قد تكون عامة.

أما المفهوم الثاني فهو يحيل أساسا إلى صحافة متخصصة في الشأن الثقافي
" تسطيح" الثقافة إن كان له ما يبرره في الصحافة العامة وفي" ثقافة الصحافة" ، فلا يمكن تصوره، بأي حال من الأحوال، في" صحافة الثقافة" التي يقوم عليها إما صحافيون مهتمون أو متخصصون أو كتاب ومثقفون وهو الحال الذي توجد عليه المجلات الثقافية
تساءل جمال بودومة في عدد الخميس الماضي من جريدة" صوت الناس" أين المجلات الثقافية، بعد أن ذكر" أقلام" و»أنفاس" و"الثقافة الجديدة" و»لاماليف" و»البديل" و»الجسور" و»المشروع" ولم يعتبرها" فقط عناوين مجلات، بل عناوين مراحل سياسية من تطور البلاد" ، وأكد بأن المغرب يحتاج إلى" مجلة حقيقية كي تتحول السجالات العقيمة إلى نقاش، ويتحول النقاش إلى أفكار" .

لكنه أعطى بعض عناصر الجواب عندما قال" الثقافة لا تبيع الثقافة مكلفة لذلك لا تهتم بها الصحف.
لا شيء يتغير في أي مجتمع بدون تنمية ثقافية، وهو ما يمكن تحقيقه عبر مداخل كثيرة من بينها الرفع من مستوى" ثقافة الصحافة" وبث الروح في" صحافة الثقافة" ، ولم لا يكون ذلك بشكل متواز، لأن الأمرين لا يتعارضان، بل قد يتكاملان لتحقيق نشر الثقافة في مجتمع لا بد له أن يتحول وحتما إلى" مجتمع معرفة"




تابعونا على فيسبوك