اسكندينافيا وقدرها ونحن

السبت 11 فبراير 2006 - 15:49

كتب سمير عطا الله في النهار الجمعة الماضي يقول "غريبة اسكندينافيا : مجموعة دول واقعة في أقصى الشمال الأوروبي، في قلب الحياد الدولي، بعيدة عن حروب أوروبا القريبة أو العالم البعيد، ومع ذلك، فهي دوما على علاقة ما، بهذا الجزء من العالم .

تبعد عن الجميع وتقترب منا تهرب من جميع النزاعات وترسل إلينا الموفدين من الكونت برنادوت إلى تيري رود لارسن.
من داغ هامرشولد إلى غونار يارينغ، من الخوذ الزرق إلى رجال السلام، إلى الكوخ البارد والمعزول في أوسلو، حيث اجتمع الفلسطينيون والإسرائيليون، من دون أن يعاقبهم "أبو نضال"، هذه المرة بالاغتيال.

فلم تكن أوسلو سوى رافد من مدريد، حيث ذهب جميع العرب
كنت منذ سنوات، أعد ثم اتراجع، مشروع كتاب عن الدور الاسكندينافي القدري في الشرق الأوسط .
فهؤلاء قوم تركن إلى حيادهم الأمم ومن أجل أن تعطي الامم المتحدة نفسها صفة الحياد وطابع النزاهة الدولية، انتخبت أمينا عاما من أحفاد "الفايكينغ"
أولا تريغفي لي، ثم الاسوجي داغ هامرشولد، أشهر وأهم أمين عام في تاريخ المبنى الأزرق، لكن هامرشولد، مثل الكونت برنادوت من قبل، اتّهم بالانحياز إلى العرب، الأول في حرب فلسطين الأولى، والثاني في حرب السويس
واغتالت الهاغانا برنادوت، فيما قتل هامرشولد في ظروف شديدة الغموض في سقوط طائرة في الكونغو أيام كان الغرب يحاول التمسك بآخر مناجم النحاس وثروات "الاونيون مونيير".

وكانت مصر الناصرية، الخارجة يومها إلى امتدادها الإفريقي، أكثر من شعر بالحزن على هامرشولد، الأكاديمي الذي ابتلعته سياسة العالم في أخطر مراحل التغير
بعد 1967 عاد الاسوجيون إلى الصراع العربي الإسرائيلي، هذه المرة عبر وساطة مباشرة.

فقد كلفت الأمم المتحدة، غونار يارينغ، سفير السويد (اسوج) في موسكو، أن يجول على أطراف النزاع ومعه أسئلة مكتوبة، وأن يعود بأجوبة مكتوبة كذلك ولم يعد أحد يعرف ماذا حل بالأسئلة والأجوبة.
وعام 1972 ذهبت إلى موسكو لكي أغطي لـ "النهار" قمة ريتشارد نيكسون ليونيد بريجنيف.

لكن "الصيد" الذي خرجت به لم يكن في القمة، وإنما في عشاء عند السفير الراحل نعيم اميوني
إذ فيما كان ضيوفه يتوافدون، ويتخالطون، سمعت السفير ينادي : هنا غونار وتساءلت، هل يمكن أن يكون في هذا العالم أكثر من شخص يحمل هذا الاسم؟ طبعا لا
وبعدما قدمني السفير اميوني إلى زميله، قلت له : "أنا اعرف أنك لا تحب الكلام إلى الصحافيين؟".

وقاطعني قائلا : "لا أدري من أطلق هذه الإشاعة
أنا ألاحق الصحافيين" نشرت يومها اللقاء مع يارينغ في "الملحق" ورويت أنه ترك السهرة باكرا، لارتباطه بموعد بريدج.

ولكن قبل أن يذهب، قال لي في بساطة الاسكندينافيين، وكأننا نعرف بعضنا من عقود : "هل يزعجك أن توصل السيدة يارينغ إلى المنزل بعد انتهاء السهرة؟ إن منزلنا في طريقك إلى الفندق".
ظل يبهرني دور الاسكندينافيين في قضايانا، وكنت أعتقد أنه من أجل أن يستطيع أحد التدخل في هذا الصراع الحاد والمتعمق، يقتضي أن يكون الوسيط غامضا وبعيدا
لا هو أميركي، ولا هو ينتمي إلى الدول التي لها ذكريات استعمارية في المنطقة، مثل بريطانيا وفرنسا، ولكن الاسكندينافيين انتقلوا من مرحلة الوسيط النزيه والمجرد الذي لا يذهب إلى أكثر من مرحلة الوسيط المدبَّر، أي الساعي إلى عقد اتفاق بين الطرفين
وكان هذا أخطر من ذهب إليه أي طرف في العالم خارج الدول الكبرى و"المحادثات الرباعية"، إذ في ما عدا "كامب ديفيد" الذي رعته ودبرته أميركا وجيمي كارتر، لم تسع دولة أو مجموعة دول إلى تبني حوار، أو تفاوض، بين الفلسطينيين والإسرائيليين
والفلسطينيون الذين كانوا قد غامروا، بتواطؤ من القيادة، بالتفاوض السريع مع الإسرائيليين، اغتيلوا في أوروبا وفي قلب مكاتب منظمة التحرير، في باريس ولندن
كان الإعلان عما حدث في أوسلو من اتفاقات، مفاجأة مذهلة للجميع، حتى الأميركيون ادعوا أنهم فوجئوا بالمسألة، ورغم الخلاف في الرؤية فقد كانت هناك واقعة تاريخية لا سابقة لها، وهي أن جزءا من الأرض العربية قد استعيد، ليس هذه المرة بوساطة أميركية وموافقة سوفياتية ودعم أوروبي وتغافل صيني، وإنما بوساطة ورعاية دولة صغيرة واقعة في قلب الشمال الأوروبي البارد، تدعى النرويج.

ثمة دولة اسكندينافية صغيرة ظلت بعيدة في مراعيها الخضراء
تربي الأبقار على أنغام الموسيقى الهادئة، ثم ترسل لحومها معلبة إلى العالم العربي، وفق "الذبح الحلال".

ولم تشأ الدانمارك الانضمام إلى المغامرة القدرية والمعقدة في الشرق الأوسط : مورتاديلا بقرية، وبايكون بقري، وزبدة غنم
ولا سياسة ولا لحم خنزير ولا نقانق إلا النقانق الرومية من ديك الحبش
وكانت كوبنهاغن مطمئنة إلى هذا الابتعاد عن تيار التجارب والتصادم
أبعد عن الشر، لا يغني لك ولا تغني له أو العكس.

ونجحت بلاد المراعي في تجاوز الامتحانات، ومضت تربي الأبقار على أنغام "الموزيك دو شامبر"، ولكن رساما أرعن سوف يقحم الدانمارك المترددة، في القدر الاسكندينافي في الشرق الأوسط.
لقد نسي الدانماركيون أن أقصى مسجد في أقصى الشمال يقع في أقصى اسكندينافيا : فنلندا، وصحيح أن فنلندا هي بلاد البابا نويل ووعله وعربته، لكنها أيضا أرسلت في القرن التاسع عشر إلى الجزيرة العربية الرحالة الذي سيصبح الشيخ عبد الولي.

ولكن من أين كانت أول بعثة غربية إلى الجزيرة، إلى أرض الرسالة، إلى جدة وجوار مكة، واليمن السعيد؟ من أين؟ شكرا، إنك طرحت السؤال
لقد كانت أول بعثة غربية إلى الجزيرة، أيها العزيز، عام 1762 وكانت من الدانمارك
وكان يقود الأشخاص الستة الدانماركي كارستن نيبور، الذي سيترك لمواطنيه، بالرسوم الأولى من نوعها في التاريخ، وبالوصف التعبيري، صورة واضحة عن تقاليد الإسلام
بعد ثلاثة قرون يقوم رسام أرعن، لم يقرأ أشهر كتاب رحلات في تاريخ بلاده، بارتكاب لا سابقة له.

وبدل أن تقرأ حكومة الدانمارك التاريخ، تقرر أن تتفرج على الرسوم، وبدل أن تطلب مشورة العارفين والحكماء، خيّل إليها أنه مسألة عابرة لن تعيش طويلا
ولست أدري أيهما الأكثر حماقة، الحكومة التي أصرت على قراءة قانونها المحلي بدل قراءة العرف الدولي، أم الرسام الذي لا يقرأ شيئا.

بعد قضية سلمان رشدي صادف أنني كنت في القاهرة، وقال لي الزميل الكبير الراحل أحمد بهاء الدين، أنه مدعو إلى عشاء عند إحدى عائلات مصر القديمة (آل جندي)، وأني مدعو معه، وكان بين المدعوين سفير بريطانيا.

وأمضينا السهرة وأنا أشاهد السفير ينتقل من حلقة إلى أخرى، وهو يسأل الذين يعرفهم والذين لا يعرفهم سؤالا واحدا : كيف لنا أن نخرج من هذا المأزق؟ وكان سلمان رشدي هنديا ومسلما، وليس دانماركيا وغبيا.

ومع ذلك كانت بريطانيا تسأل، حتى الساهرين الذين لا تعرفهم، كيف الخروج من تلك الورطة؟ لقد تأخرت الحكومة الدانماركية كثيرا، ولاعتبارات واهية ولا علاقة لها بمصالح الشعوب وكرامة الأمم، في احتواء فضيحة الرسوم.

وكانت النتيجة أنها قصّرت الطريق إلى صراع الحضارات في العالم، وأسوأ ما حدث من غبائها، أنها أيضا فتحت الطريق أمام الهمج الذين قرروا أن يعاقبوا رساما دانماركيا تعدى على رمز الرسول الكريم، بأن يتعدوا بكل جهل وكفر، على سورة مريم وسورة آل عمران وعلى التنزيل في أشرق آياته التي هي "أم الكتاب"
طبعا أولئك الرعاع ليسوا من الإسلام في شيء ولو كانوا لما ابتغوا الفتنة.

فروح الإسلام أنه "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، وليس أن يعاقب رسام عربيد في الدانمارك بإحراق بيروت من أجل إشعال لبنان ولكن لم يعد من السهل إشعال لبنان
ليس وأهل الفتوى فيه رجال مثل محمد حسين فضل الله وشجعان مثله في وجه الدهماء
قبل خمسة قرون قال شكسبير : ثمة شيء عفن في دولة الدانمارك، وثمة ما هو أعفن في سواها" .




تابعونا على فيسبوك