عدد خاص لفصلية بدائل حول العولمة البديلة

عالم آخر ممكن دفاعا عن إنسان بديل

السبت 11 فبراير 2006 - 17:00
عدد خاص لفصلية بدائل حول العولمة البديلة

عدد خاص عن العولمة البديلة، هكذا عنونت فصلية "بدائل" البيروتية آخر إصداراتها، موزعا على ثلاثة فصول شيقة وجاءت كالتالي : "العولمة عن قرب"، "العرب والعولمة" و"حركة العولمة البديلة".

والواقع أن مجرد استحضار بعض الأسماء المشاركة في الإصدار، يغري المتلقي بالاطلاع على جديد اجتهادات هذه الأسماء ونذكر منها على وجه الخصوص تيدي غولدسميث، مؤسس مجلة "ذي إيكولوجيست" وصاحب مذهب "علم البيئة السياسي"، ومن أبرز مؤلفاته "طاوية الإيكولوجيا" و"محاكمة العولمة، ريكاردو بيتريللا وهو خبير مياه دولي ورئيس "المنتدى العالمي البديل للمياه"، رولان لافيت الباحث الاستراتيجي الفرنسي والمختص في شؤون الشرق الأوسط، من مؤلفاته "العراق في الطوفان"، فاندانا شيفا وهي فيزيائية وعالمة طبيعة وإيكولوجية وناشطة هندية، ترأس مؤسسة "البحوث العلمية والتكنولوجية والموارد الطبيعية" في نيودلهي، وقد أسست حركة "نافدانيا" للحفاظ على التنوع البيولوجي وحقوق الفلاحين.

كما حصلت على جائزة "نوبل البديلة" عام 1993، من مؤلفاتها "الإرهاب الغذائي"، "النهب المزدوج للطبيعة والمعرفة"، "الأخلاق والصناعات الغذائية : السيطرة على الحياة"
من المشاركين أيضا، نجد فرانسوا هوتار، رئيس "مركز القارات الثلاث" ومقره في بلجيكا، ومدير مجلة "الخيارات الجنوبية"، من مؤلفاته "دافوس الأخرى"، كلود سرفاتي، الباحث في العلوم الاقتصادية في جامعة فرساي الفرنسية، من كوادر المجلس العلمي لجمعية أتاك، من مؤلفاته "أبعاد العولمة: رؤية نقدية"، بيار كالام، رئيس مؤسسة "شارل ليوبولد ماير: من أجل تقدم الإنسان"، وهي من أهم وأنشط المؤسسات الأوروبية في تفنيد أثر العولمة على البيئة والإنسان.

الاستعمار يجدد شبابه نبدأ بالذي حرره تيدي غولدسميث، والذي يؤسس مداخلته على مُسَلَّمة اقتصادية مفادها أن عولمة التجارة الحرة اليوم تجسد استمرارا للتنمية القديمة، فالاستعمار يجدد شبابه على الدوام، بحيث لم يجر أي تغيير في الطرق الاستعمارية بشأن استخدام الأرض وتوفير الغذاء، مضيفا أن المستعمر الجديد يوزع أحلام الازدهار بالتجارة الحرة المعولمة كما وزعها بـ "التنمية الاقتصادية" لمحاربة الفقر، وهي كلها أوهام، مستشهدا بمقولة شهيرة لسيسيل رودوس، والذي يُلقب بالأب الروحي لنظرية الاستعمار أعطي إسمه لروديسيا، أو زمبابوي حاليا وجاء فيها: "ينبغي علينا إيجاد أراض جديدة تمكننا من الحصول بسهولة على المواد الأولية، وتسمح لنا في الوقت ذاته باستغلال اليد العاملة المحلية بالسخرة والأسعار البخسة، وتتيح لنا تصريف فائض منتجات مصانعنا في أسواق المستعمرات".

لم يمت الاستعمار بعد "إزالته" بل جدد شبابه بطرق حديثة أكثر فاعلية، فمازال ثلثا المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة الأميركية إلى بلدان الجنوب، تأخذ شكل المساعدات الأمنية.

كما فرضت "التنمية الاقتصادية" على بلدان الجنوب بكل أساليب الاستعمار وبالتدخل العسكري ودعم انقلابات الجنرالات، وهناك، للمفارقة السوداء، قسم آخر من المساعدات عبارة عن مساعدة عينية من الحبوب هدفها أمني أيضا، حسب تأكيد نائب الرئيس الأميركي هوير هامفري "عندما تسعى لإخضاع الناس وتعمل على أن يتعاونوا معك، يبدو لي أن التبعية الغذائية تفعل العجائب".

بالنسبة لإيناسيو راموني، رئيس تحرير مجلة "لوموند دبلوماتيك"، فيدق في مقالهالمانيفستو ناقوسين: الأول، ناقوس الخطر من قيام العولمة المتوحشة بنشر الفوضى والفقر والبطالة والجريمة المنظمة وتخريب الطبيعة وتوسيع الهوة بشكل سحيق بين الأغنياء والفقراء.

والثاني ناقوس الأمل بفجر جديد لعالم جديد، تستولده حركة عولمة بديلة من أتون جحيم العولمة الراهنة، مؤكدا على أن حركة العولمة البديلة، برفعها راية المقاومة عاليا، إنما وضعت اللبنة الأولى في هذا الصرح وأسست مجالا جديدا لتصور العالم وما ذلك سوى الموقع الطبيعي والمركزي للمجتمع المدني.

تعددية قطبية وعولمة جديدة
يسافر بنا رولان لافيت نحو الأبعاد العسكرية الاستراتيجية والسياسية والثقافية للعولمة، مُحذرا من أن الاقتصار على جانبها الاقتصادي يجعل منها ظاهرة غامضة وغير مفهومة، على اعتبار أنها تعتبر الكرة الأرضية برمتها مجالها الحيوي الامبراطوري
ومؤكدا على وجود علاقة فكرانية وثيقة بين النظرية الليبرالية والنفقات العسكرية الطائلة والتي من بين مبرراتها التهديد الذي يمثله خصم المرحلة لحرية التجارة وللحرية بصفة عامة.

يتقاطع هذا الطرح مع ما خلُصت إليه دراسة كلود سرفاتي، والذي يجزم بأن هناك رابط عضوي بين العولمة الليبرالية وبين العسكرة المتصاعدة والحروب المتصلة بقيادة الولايات المتحدة، ومحذرا من أن الإنسانية تواجه مخاطر كبيرة نتيجة لهذا الترابط تتجسد أساسا في ما يسميه "حروب بلا حد أو نهاية" في كل أنحاء العالم.

وبديهي أن العسكرة تغذي الحروب، وبديهي أيضا أن الشمال يختص بإنتاج السلاح، بينما تقع الحروب في الجنوب، وغالبا ما تنعت هذه الحروب خطأ أو بصفة مبالغ فيها بـ "الحروب الإثنية" بالنسبة للمحلل الاقتصادي المصري سمير أمين، فيطل في دراسته على مسألتين راهنيتين ومتلازمتين: الأولى مصير الدولة الأمة في إطار العولمة الليبرالية، والثانية مصير النظام العالمي في سياق هيمنة الثالوث الإمبريالي الأميركي الأوروبي الياباني بقيادة الولايات المتحدة.

على صعيد المسألة الأولى، يرى أنه، وبرغم كل الصعوبات، ثمة هامش حقيقي للمناورة أمام الدولة، فيما هو يضع شروطا (تبدو مستقبلية في الواقع) لمجابهة المشروع الأميركي الجنوبي، كما يسميه، ولنشوء تعددية قطبية وعولمة جديدة.

من جهته يعتقد بيار كالام أنه لا يمكن اختزال القانون الدولي في جملة من المعاهدات والاتفاقيات بين دول ذات سيادة تحول دون إرساء دستور ينظم إدارة عالمية، فقد بات من الواجب الاعتراف المتبادل بالقيم الأساسية والضرورية لحياة جماعية، مضيفا أن خلق 20 منطقة في العالم من شأنه أن يسمح بإرساء مثل هذا الدستور ووضع قواعد الحوار الثنائي بين هذه المجموعات.

أما سوزان جورج فقد اشتغلت على تركة روبرت ماكنمارا ـ وزير الدفاع الأميركي الأسبق ـ على البنك الدولي في الحقبة التي تولى فيها إدارة هذه المؤسسة والتي امتدت على أكثر من عشرين عاما.

مقال فاندانا شيفا من أروع المقالات التي يحفل بها هذا العدد الخاص، ويشتغل على نقض وفضح تصور كلاسيكي شائع عن العولمة، والتي يروج لها كما لو كانت عملية تطور طبيعية وحتمية تؤدي للنمو والرفاهية.

وكون العديد ممن يقفون بجانب المساواة والتضامن في دول الشمال يساندون العولمة، معتقدين أنها ستسمح لشعوب الجنوب بالانضمام لتلك القرية الكونية، بل يفترض أن الدخول في السوق العالمية هو الوسيلة الوحيدة لتحصيل شعوب العالم الثالث على فرص العمل. ومن بين الأرقام المهولة التي نطلع عليها في دراسة شيفا كون "أكثر من 2000 فلاح هندي انتحروا بسبب وطأة الديون لشركات البذور المهجنة والمبيدات"لم يخرج مبحث ريكاردو بيتريللا عن تخصصه الأبرز، أي موضوع المياه ـ وهذه من سمات العقل الثقافي الغربي عموما، مشيرا في البدء إلى الجهد الفائق الذي تقوم به الشركات متعددة الجنسية منذ عقدين لترسيخ قبول فكرة خوصصة المياه، وقد استطاعت، متذرعة بدواع بيئية، الحصول على دعم البيروقراطية التقنية الدولية، ونجحت في ترسيخ هذا العمل بتخطيط مؤسساتي وتنظيمي فعلي.

قبل أن يوجد تحذيرات عدة من مغبة سيطرة هذه الشركات على رمق الحياة، في حال لم يشهد العقد المقبل أية معارضة حقيقية لهذا المنحى الخطير الذي يهدد في ما يهدد مياهنا العربية، نحو عولمة بديلة نأتي لأهم ما تضمنه الفصل الثالث من العدد الخاص، ونفتتحه بدراسة تعريفية بحركة "العولمة البديلة" بالصيغة التي حررها حسب كريستوف أغيتون (نقابي وناشط في الحركة المناهضة للعولمة، من مؤلفاته "هذا العالم هو لنا، تاريخ الحركة المناهضة للعولمة"، ومنطلقا من النجاح الكبير للمنتدى الاجتماعي العالمي الخامس الذي انعقد في بورتو أليغري العام 2005، والذي أثبت أن المنتديات الاجتماعية ليست ظاهرة عابرة، بل تحولت إلى موقع وإطار مؤسسي قادر على جذب النشطاء في كل المجالات عبر العالم كله.

ففي عام 1999 مثلا، أعاق ثلاثون ألف مناضل مؤتمر منظمة التجارة العالمية في سياتل
وفي العام 2001، تظاهر ثلاثمائة ألف ضد الثمانية الكبار في جنوى بإيطاليا، وللبقاء في المثال الإيطالي، فقد نزل ثلاثة ملايين إلى الشارع للاحتجاج على قانون العمل الجديد
كما تظاهر ثلاثة ملايين آخرون في 2003 ضد الحرب على العراق.

أما فرانسوا هوتار، فقد اشتغل على نقاط القوة والضعف في حركة العولمة البديلة، باعتبارها حركات جاءت نتيجة لمقاومة مزدوجة جمعت بين الحركات السياسية القديمة لا سيما النقابات والناشطين الجدد في فجر القرن الحادي والعشرين.

والحال أن التنوع الكبير الجغرافي والمهني والثقافي لمن يكافحون ضد الليبرالية الجديدة ويبحثون عن دروب أخرى، يمثل في آن معا، مكمن الضعف ومكمن القوة لهذه الحركة، ملاحظا أن الوعي الجماعي الجديد كنَس شعار مارغريت تاتشر "لا يوجد بديل" وأطلق مكانه شعار "عالم آخر ممكن".


وبالنسبة لغوستاف ماسيا، رئيس مركز الدراسات والمبادرات للتضامن الدولي، وقيادي في مؤسسة "أطاك"، فإن حركة "العولمة البديلة" تخوض اليوم جدالا على مستويات عدة، وفي محاولة منها لتقييم عملها وتطوير استراتيجيتها المستقبلية.

تعرض مبحثه لبعض الأسئلة التي يطرحها هذا الجدال، أهمها كيفية توسيع نطاق التجارب المحلية التي سمحت بتفعيل الصلات بين المسائل الاجتماعية المحلية والقضايا ذات البعد الإقليمي والعالمي، كما وقف عند دور المنتديات الاجتماعية، في ربط وتثمين هذه التجارب.

ما موقعنا نحن العرب في هذا الحراك العالمي المناهض للعولمة؟ ارتأت بشرى سيدي هيدا باحثة في العلوم الاجتماعية، قسم التنمية والبيئة والمجتمعات في معهد دراسات التنمية في الجامعة الكاثوليكية في بلجيكا التطرق على هذا التساؤل من خلال التوقف عند واقع الحراك المغاربي المناهض للعولمة، مستعرضة تجربة "المنتدى الاجتماعي المغربي" الذي انعقد مؤخرا تحت شعار: "مغرب آخر ممكن" لمناقشة وإعلام المشاركين بتأثيرات العولمة على المغرب العربي، وخاصة الآثار المترتبة عن اتفاقيات التبادل الحر المبرمة بين دول المنطقة وكل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وأخيرا، تكفل قاسم عز الدين (ناشط في حركة "العولمة البديلة"، بتفكيك عشرة أعمدة وهمية في هيكل النيوليبرالية، وهي كالتالي: النيوليبرالية فلسفة ليبرالية ديمقراطية جذرية، النيوليبرالية فلسفة العولمة، العولمة الليبرالية قدر محتوم، النيوليبرالية نظرية اقتصادية جديدة، النيوليبرالية نظرية من غير فكرانية، النيوليبرالية تعبير عن دينامية السوق، النيوليبرالية هي عظمة الرأسمالية، العولمة الليبرالية تخلق فرص عمل جديدة، العولمة الليبرالية تتيح ازدهار العالم الثالث بالاستثمارات، النيوليبرالية نظرية الحرية والديمقراطية.

ترفض "العولمة البديلة" أن يكون التاريخ محكوما بقوانين الاقتصاد الصرف وتؤمن أن الرفض المنظم والفعال للخضوع لموجبات هذه القوانين، كما استنباط البدائل، من شأنه أن يضع اللبنة لعالم إنساني آخر، هذا ما يجب أن يفقهه من يهمهم الأمر، وهم سكان الكوكب الأرضي برمته.




تابعونا على فيسبوك