بورتريه

المبدعة مليكة مستظرف فراشة في غير موعد الربيع

السبت 11 فبراير 2006 - 16:57
مليكة مستظفر

"أحب فقط ما كتبه الإنسان بدمه" هكذا قال نيتشه ذات مرة، ولهذا سبب لا أمنع نفسي من التواطؤ مع هذه الـ "مليكة"، إنها تكتب بالدم، بل تجعل من الجراح الغائرة أفقا للكتابة والانكتاب، جراحها جراحنا جميعا هي أوراقها وحبرها النازف دوما، ألقا وشموخا وابتهاجا ولو في

هناك أكثر من طريق تقود سالكها نحو عوالم المبدعة مليكة مستظرف، هناك طريق الجراح بدءا، ذات الجراح التي حاقت بالروح والجسد معا، ثمة طريق ثانية تنعرج عبر المحاورة، وليس الحوار، من خلال لعبة السين جيم ينبسط المسير نحو مليكة، فالمحاورة عندها مغموسة في التهكم السقراطي، وليست مجرد ترف فكري للإعلان عن الانتماء والحضور، وهناك طريق ثالثة عبر "الترانت سيس" من أبواب الجنون والهذيان.

فأي الطرق أمتشق لأكتشف سلالات الورد الغجري، لأعانق ريح الصمود وسط الإعصار؟ أي الطرق تقترحين يا مليكة الإصرار لكي نقترب أكثر مما تكتنزين في أعماقك المتشظية؟ وما طقوس الرحيل نحو متاهاتك المستحيلة؟ فسيدة الإصرار وفراشة الحلم ومليكة القلم الباكي جديرة بالقرابين والشموخ وكل الحب.

كما الـ "أنيس" والـ "كمال" لم ألتقها يوما، فقط كانت الجرائد تحمل إلي أخبار مأساتها التي لا تنتهي، في عز أزمتها كنت منفيا في المغرب العميق، كانت ترافقني "جراحها" الفاغرة التي أهداني إياها الزميل والشاعر العزيز محمد بلمو، أذكر أيضا أنه كان من المنتصرين لها، فلم يدع الفرصة تفوت ونحن ضيفان معا على إحدى البرامج بقناة أبو ظبي خلال مطلع الألفية الثالثة، ليذكر بمأساتها ويطالب بإصاخة السمع لمعاناتها، لكن من يستمع جيدا في هذا الـ "هنا" والآن يا بلمو؟ جميعهم صاروا كصم بكم لا يفقهون ولا يتحركون من أجل الإنسان ولا شيء غير الإنسان.

إنها الفراشة المصرة على الطيران مهما اشتد الألم و كشر الزمن "ابن الكلب" عن أنيابه، إنها فراشة في غير موعد الربيع، تحلم و تشتهي الحياة، تغرد و ترقص فرحا بالإنسان الذي مات في أعماقنا جميعا، تنثر الملح فوق الجرح الغائر، تصب ماء الحياة عليه، تضحك ملء الجنون من جنون العالم ومنطقه الأعمى.

لا تخجل من قول الحقيقة في زمن الكذب والنفاق الذي استحال "اجتماعيا" وضروريا لبلوغ قشدة المجتمع، في جراح الروح والجسد مارست الفضح بامتياز، لعنت القتل الرخيص والطابوهات المقيتة، كشفت الجراح من غير شاش أبيض، فضحت أمامنا تفاهات الوقت والأفكار العقيمة، لكن الكثيرين من ذوي القراءات الخشبية لعنوا "فعلتها" هاته، وربطوا بينها وبين الساردة، أصدروا الحكم من غير انتظار بأن جراحها جراحنا جميعا هي سيرة ذاتية، رفعت الأقلام وجفت الصحف.

عندما بدأ يشتد ألم القصور الكلوي الذي تعانقه منذ عشرين سنة، تفرق الأشياع من حولها، فقط ظل يناضل إلى جانبها ثلة من الشرفاء الآيلين للانقراض تباعا تباعا، لكنها استمرت في إدمان صناعة الحياة، إنها "امرأة التحدي القهر" كما تقول، "إنسانة لا تتصالح مع الوقت والزّمن، مسكونة بالحرف والحلم.

ترفض الانحناء، اختارت أن يكون لها اسم دون وساطة الوسطاء أو تعميد القساوسة"، لم تكن في يوم من الأيام لتلج قبيلة ما تمنحها شهادة الاعتراف والتميز، إنها تلعن كل القبائل و الإطارات الأرثوذوكسية التي صارت تفرخ "المبدعين" وتفرضهم علينا قسرا واعتسافا، فقط لأنهم يعبدون شيخ القبيلة ويحملون بطاقة القبيلة ويرددون أذكار نفس القبيلة.

هذه الفراشة القوية لها حكايا استثنائية مع الموت، إنها تحمله معها كما قال الراحل زفزاف، في سنة 1986 حكم الأطباء عليها بالموت، لكنها امتهنت الحياة، في سنة 1990 سيصدرون مجددا الحكم عليها بالرحيل، لكنها واصلت صناعة البهاء، وفي سنة 1992 أقسموا بأغلظ الأيمان أنها لن تستطيع الاستمرار لكونها غاصت في غيبوبة فادحة، وحاقت بها الهشاشة والألم الغائر، لكنها لم تمت، ولم ترحل حتى في المرة التي اختارت فيها الرحيل قصدا بمحاولة الانتحار، منذئذ صارت تصادق الموت، تسخر منه أحيانا بل دائما بالحلم والحرف والسؤال، هكذا هي الفراشات أبدا تحلق وترقص فرحا على حافة الموت، لا تأبه لما يحيق بها من أخطار، فقط تتزيا بأبهى الألوان، تسافر عبر الحقول والأزهار، تموت حبا في النور، ترقص حوله رقصة الانتماء وتواصل المسير ضدا في القبح والانتهاء.

كلما فكرت في مأساة هذه الـ "مليكة" الفراشة كلما تساءلت بإلحاح : ماذا لو لم تكن مليكة مدمنة حرف وسؤال؟ هل تستطيع المسير في طريق ملآى بالأنذال ؟ ماذا لو لم تكن حالمة ومغردة للحياة؟ وماذا لو جاءت مليكة في غير هذا الزمن الكئيب؟ ألم تسبق زمنها أم أنها أخلفت موعد الربيع المفتقد؟ في "الترانت سيس" الذي يحيل مغربيا على الجنون، على "طيران الفريخ"، وعلى انفراط سبحة الانتظام العقلي و"الحريك" نحو عوالم أخرى، عبر كل هذه الإحالات تمارس مليكة مستظرف نفس اللعبة، لعبة الفضح لتناقضاتنا الماسخة، لخبثنا العلائقي، لغرقنا المشين في الرداءة و القحط المعنوي.

لا تتخلى مليكة في "ترانت سيسها" كما في جراحها عن الحلم والحب، لا تمنع نفسها من التحليق في أقاصي الروح والجسد، في خرائط الفجيعة والخذلان، بالسكر مرة وبالملح و"الماء القاطع" مرات أخرى لا تداوي الجرح، بل تداعبه وتجعله بارزا للعيان، فقط لأنها تكره الأقنعة وترفض لعبة الغميضاء.

غائر هو الحزن في أعماقها، عميق هو الألم في جسدها النحيل، لكنها تفيض حبا، تضج حياة وأملا ضدا في الموت الجبان، هكذا أتمثلها، تسخر منه كما تسخر من خريفنا الدائم، من مبدعي القبيلة، من المثقف الفصامي الذي لا يقيم أية علاقة مقبولة بين الخطاب والممارسة، ذلك المثقف الذي اعتبر كتابتها إيروتيكية، لكنه عندما التقاها انضم إلى جوقة لاعقي الأحذية حتى يؤكد، ليس لها طبعا، بل لمالكي وسائل الإكراه والتدبير أنه مثقف ومناضل وحداثي وديموقراطي و"ثامن مارسي" وفاعل جمعوي.

"هذه بلاد مزقتها الطوائف" هذا ما قاله المسرحي سعد الله عبد المجيد الذي خذلته الخشبة هو الآخر، قالها على لسان أبي الفتح الإسكندري في مسرحية "المقامة المراكشية"، لكنه استمر في ممارسة المسرح، في اعتناق الحلم و الحياة في عز اليأس والخذلان.

الربيع أخلف موعده في بلاد مزقتها الفداحة والرداءة، الأحبة يغادرون الواحد تلو الآخر، قبائل وشيع الثقافة والسياسة تخذل كما العادة، الشرفاء ينقرضون في صمت بهيم، الحب صار عملة غير مقبولة في أسواق النخاسة، الدار البيضاء كما كل مدن الجنوب في العالم الجديد فقدت هويتها واحترفت الدعارة والقوادة، كل شيء ينمسخ ويسير في اتجاه اللامعنى، فما العمل يا مليكة ؟ لا أطالبك بالجواب، الجواب باختصار يكمن في محاورات بطعم التهكم السقراطي، في جراح وانكسارات الروح والجسد، في أرض ضاقت ذرعا بالعقلاء فاختارت الجنون بديلا للقهر، ألم يقل نزار؟ هل ثمة قهر، في التاريخ، مثل هذا القهر؟ في ذاك كله تنجلي صورتك وتنكشف حقيقتك وأنت تهزمين اليأس المعتق، وتمارسين الشموخ والبهاء نكاية في الموت والخبث والعفن الطافح من كل جانب، في ذلك كله تبدو مليكة مستظرف فراشة في غير موعد الربيع، تغرد وترقص برفقة الألم والضياع في زحام وطن لا يكتمل إلا في الأحلام.




تابعونا على فيسبوك