الوجه و القناع في المسرح لأحمد بلخيري

بُعد عالمي متنوع في غياب الثقافة والمسرح العربيين

السبت 11 فبراير 2006 - 16:59
الوجه و القناع في المسرح لأحمد بلخيري

يقدم كتاب "الوجه والقناع في المسرح" إضاءات وافية على تجليات توظيف الأقنعة في الطقوس الاحتفالية والفنية، في الحضارات القديمة أو الحديثة، وكذا استعمالاته ودلالاته المختلفة لدى شعوب عديدة بمناطق متفرقة من العالم، علاوة على أنماط مقارباته النظرية من لدن الباح

الكتاب هو إعداد وترجمة قام بهما الباحث المغربي أحمد بلخيري، لكتاب القناع من الطقس إلى المسرح Le masque du rite au théâtre الذي سبق لمجموعة الأبحاث المسرحية والموسيقية التابعة للمركز الوطني للأبحاث العلمية بفرنسا أن أصدرته سنة 1985، ثم أعادت إصداره في طبعتين لاحقتين سنة 1991 وسنة 1999.

ويتضمن الكتاب خلاصة للأبحاث التي قدمت ضمن مائدة مستديرة عالمية حول موضوع "القناع في الطقوس وفي المسرح"، نظمتها المجموعة المذكورة خلال فترتين زمنيتين منفصلتين : الأولى أيام 2، 3، 4 دجنبر 1981 والثانية أيام 28، 29، 30 أبريل 1982

ولا يقتصر الكتاب على تلك الأبحاث فقط، بل يشمل أيضا أبحاث أخرى وشهادات ومناقشات للمواد التي ألقيت في المائدة المستديرة المشار إليها، ويوضح أحمد بلخيري أنه جرى تقسيم مجموعة البحث إلى ست فرق، إذ تكلفت كل فرقة بمحور من المحاور التالية: "تاريخ المسرح، فرجات واحتفالات"، "مسرح القرن العشرين"، "المسرح ظاهرة اجتماعية"، "محترف التطبيقات المسرحية اليوم"، "علم الموسيقى"، "المسرح والسمعي ـ البصري".

ويشير إلى أن ميدان أبحاث المجموعة كان عالميا، وهو ما يفسر تركيبها وموضوعات أبحاثها، لذلك، كان التنسيق مع الأساتذة الباحثين وممارسي المسرح من كل الآفاق.

وقد كانت الصدارة للبحث الميداني بالمعنى الكامل للكلمة، وبصفة خاصة بالنسبة للذين يعتبر المسرح الحديث موضوع اشتغالهم، ثم إن بحثها متداخل الاختصاصات، فهي لا تعتقد بوجود جمالية عامة للمسرح، ولكن بعلم حيث تكون التسمية ـ في أصلها الألماني ـ هي : علم المسرح، الذي تُعرف خصوصية موضوعه، ولكنه يستعير مناهجه من التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس والإثنولوجيا واللسانيات.

ويورد الباحث قولة لأوديت أسلان تفيد أن القناع غدا جوهريا في العرض المسرحي، وأنه متعدد المظاهر ومختلف المعاني ومتنوع الوظائف؛ مضيفا أن القناع استعمل بطريقة نموذجية في الدراما الإغريقية و"كوميديا ديلارتي"، وأهمل بصفة خاصة من قبل المدرسة الطبيعية.

ويستدرك بالقول إن القناع ليس ظاهرة خاصة بالمسرح، فهو يعود إلى الاحتفالات الشعائرية أو الطقوسية، إلى تعبّد شعوب غابرة، إلى طقوس الخصوبة والاحتفالات الكرنفالية.

إن التقنّع ـ في طقس من الطقوس ـ هو منح حياة إلى كائن أعلى، إلـه، عبر هاته الأشياء من الخشب، من العاج أو الورق، نجد أنفسنا في مقابلة مع "بانثيون" Panthéonمعبد الآلهة القارات الخمس، إننا نرجع إلى الإحيائية، إلى البوذية، إلى الصوفية لقد تم اقتيادنا إلى التأمل في طريقة للحياة، في نظام للتفكير وفي فلسفة.

ويتابع: إن الأقنعة والاحتفالات المقنّعة تؤدي إلى تحمّل المسؤولية الروحية للجماعة
والقناع جلد ثان على الوجه، ورأس آخر أكثر كبرا، وهو أيضا، جسد يبدو متحولا وخارجيا
غير أنه، في الواقع، متحول من الداخل، كما أنه يحيي أسطورة ويؤدي إلى شهرتها، أسطورة يكون فيها التحام الكل، ويثير أيضا الانفعالات.

إن "الرمايانة" أو "المهابهارتا"، الحكايات الطويلة المتدفقة التي تبرز نزاع بوذا مع نزوات مخيفة، لا تعتبر حكايات للأطفال، ولكنها تنعش من جديد القلوب وتحثها على المقاومة من أجل الخير وضد الشر.

ويبين أحمد بلخيري أن الكتاب الأجنبي "القناع من الطقس إلى المسرح" الذي أُعدت مواده وقُدمت من لدن أوديت أسلان ودينيس بابلي يُستهل بأسئلة عديدة تتمحور كلها حول القناع، من قبيل : ماذا نفهم من "قناع" في المسرح؟ هل هو هذا الشيء البسيط من الكارتون الموضوع على الوجه، أو القناع الشخصية؟ ما سبب انتمائه إلى الطقس، اللعب الكرنفالي؟ ما هي خصوصيته؟ لماذا يختفي في بعض العصور، ويظهر مرة أخرى في غيرها؟.

لماذا يرفضه المخرج المسرحي؟ ما هي الرغبة العميقة التي يتوافق معها بالنسبة للذي لا يستطيع تجاوزه؟ هل هو جمالي أو وظيفي؟ ما هي الوظائف التي تحدد له في نمط ما من الدراماتولوجيا والعرض؟ هل يؤثر في الصوت والحركة؟ ما هو اللباس الذي يناسبه وكذا الفضاء والإيقاع؟ هل يتدخل مبدع الأقنعة في التصور الخاص بالفرجة وحمل الأقنعة؟ كيف يتلقى المتفرج فرجة مقنعة؟ ومما جاء في الكتاب أن القناع يحمل السحر والعقيدة في الكوميديا، ويمنح وجه الممثل بعدا أكبر من البعد الإنساني
وبفضل البلاغة الكبيرة للقناع، احتلت "كوميديا ديلارتي" منزلة كبرى بين مختلف المسارح الكبرى، بين مسرح "أثينا" اليوناني ومسرح "النو" الياباني، بين الكرنفال وطقوس إفريقيا والشرق.

لكن، من وجهة نظر الممثل، يعتبر القناع إكسسوارا مسرحيا لا يتغير، بينما النصوص تتغير، إنه، قبل كل شيء، يغير وجهه في المسرح، بالطريقة نفسها التي يخفي فيها اسمُه المسرحي اسمَه الحقيقي، إن وضعية القناع في "كوميديا ديلارتي" هي أنه مرتبط باسم مسرح الممثلين، باعتباره علامة على الثبات وتكرار الأدوار.

لذا، يجب تخليص القناع من الرواسب البلاغية التي هي ثمرة الأحكام الجاهزة وبعد سرد عناوين الكتاب وأقسامه على النحو التالي : من الطقس إلى الكرنفال، مسارح تقليدية، مسارح الماضي، القرن العشرون، من البيداغوجية المسرحية إلى البحث عن الذات، يبدي بلخيري ثلاث ملاحظات يعتبرها أساسية، الأولى هي أن كل باحث من المشاركين في المؤلَّف قدم بحثا في مجال اختصاصه، ولم يتطاول على اجتهادات غيره، لذلك كانت الأبحاث أصيلة ومفيدة، وقد زادتها المناقشات المثبتة في الكتاب غنى على غنى

والثانية أنه بالرغم من مسعى المجموعة "العالمي"، فلا وجود للثقافة والمسرح العربيين في الكتاب؛ لقد تركزت الأبحاث حول مناطق محددة من العالم (الإغريق، أوربا، أميركا، اليابان، الصين، فيتنام، بالي، الهند، إفريقيا الغربية).

أما الملاحظة الثالثة فهي أن الأبحاث المتعلقة بمسرح القرن العشرين، كانت صفحاتها أكبر عددا بالمقارنة مع باقي الأقسام، ويأمل أحمد بلخيري أن يساهم هذا الكتاب الذي قام بإعداده وترجمته في تأسيس بحث علمي حقيقي في مجال المسرح بالمغرب، بحيث لا يكون المنطلق فيه الخلفيات والأحكام المسبقة، وإنما يكون المنطلق هو موضوع البحث ذاته.

كما يرجو أن يساهم في تصحيح تصور مغلوط للحداثة، حيث تختزل هذه الأخيرة وفق هذا التصور ـ كما يقول ـ في مجرد النقل عن الثقافة الغربية؛ بينما الحداثة في مفهومها العميق ليست كذلك، إنها تصور عقلي للوجود، قائم على الإبداع والاجتهاد والإقرار بحرية الفكر والاختلاف، حتى ولو كانت نتيجة هذا الاختلاف تنقض آراءنا وتنسفها نسفا من الأساس، وهذا في سبيل البناء العقلي للحداثة، قوام الحياة المعاصرة.




تابعونا على فيسبوك