أوراق من حياة المراوغ الساحر عزيز بودربالة(الحلقة الخامسة)

اقتراب موعد الإعتزال

الجمعة 20 أكتوبر 2006 - 11:36

قضى عزيز بودربالة حوالي خمس مواسم في الدوري الفرنسي، برغم كونه تلقى عروضا جديدة، إلا أنه فضل الرحيل في اتجاه فضاء آخر. فكان أن استجاب لعرض من البرتغال، وبالضبط من فريق إيستوريل الذي يلعب اليوم في دوري الدرجة الثانية، والذي كان وقتها يلعب مع الكبار.

كان بودربالة وقتها بدجأ التفكير في التوقف لأن سنه (32 سنة)، لم يعد يسمح له بالتألق كثيرا واللعب بنفس السرعة والقوة، كما كان عليه الأمر في السابق.

لم يتحدث عزيز كثيرا عن تجربته في البرتغال، ربما لأنها لم تكن موفقة بالشكل الذي كان يأمل، أو ربما لأنها صفحة من حياته المهنية التي لا يرغب في إعادة فتحها.

يبقى الأهم، أنه قضى موسما واحدا في البرتغال، وكان يأمل أن يكون الأخير له في الملاعب، ويقول بهذا الخصوص:"قررت بعد اللعب مع فريق إيستوريل أن تكون هي الحلقة الأخيرة بالنسبة لي في مسلسل طويل بالملاعب الأوروبية. مع العلم أن إيستوريل مدينة صغيرة لاتبعد كثيرا عن العاصمة لشبونة، وكان فريقها بطموحات محدودة جدا. بدأت التفكير جديا في الإعتزال، وبالفعل ارتحت بعض الوقت، لكن بعد مرور بضعة أسابيع، تلقيت عرضا من سويسرا، لكن هذه المرة من نادي سان غال الذي كان تأهل للبطولة المصغرة (البلاي أوف)، وكان يطمح إلى الصعود للدوري، ففكر مسؤولوه في الإستعانة بخدماتي".

استجاب بودربالة لعرض سان غال، ليس من أجل إثبات الذات، أو البحث عن مكسب جديد، ولكن فقط لرد الدين لفريق ومدينة استضافت ذات يوم اللاعب الدولي المغربي، ومكنته من إجراء عملية جراحية على كعبه، كللت بالنجاح، وساعده ذلك على التألق لسنوات على مختلف الأصعدة.

نجح بودربالة في المهمة التي وصل من أجلها غلى مدينة سان غال، وساعد الفريق في الصعود غلى الدوري الأول، فقرر بشكل نهائي أن يحزم حقائبه، وأن يدخل إلى المغرب قصد الخلود لراحة بعض الوقت، قبل الإنكباب على جوانب أخرى في حياته الشخصية.
يقول عزيز:"دخلت إلى الدار البيضاء، بعدما كبرت فكرة اعتزال الملاعب في ذهني، وبصراحة تعبت كثيرا، وقلت مع نفسي آن الأوان لتوديع الملاعب. لكن بعد فترة من الراحة، اتصل بي الرئيس الودادي عبد الرزاق مكوار، وأيضا بوبكر جضاهيم الذين أكن لهما كامل التقدير و الإحترام، وأقنعاني بضرورة تعزيز صفوف الوداد للمرة الأخيرة قبل اعتزال الميادين. استجبت للدعوة، ولعبت مع الفريق برفقة مجموعة من لاعبي الجيل الجديد. كان الفرق بالطبع شاسعا بالنسبة لي، لكن الأهم أنني وجدت بعض المتعة في آخر أيام بالملاعب".

توج عزيز بودربالة موسمه الأخير في الملاعب الوطنية بالفوز بلقب كأس العرش مع الوداد، جنبا غلى جنب مع رشيد الداودين وبوجمعة قصاب، ورضوان العلالي، وفوزي القدميري، وحسن بنعبيشة، وأسماء أخرى.

كان فريق الودادفي تلك الفترة (موسم 96 - 97)، فاز في طريق التتويج بكأس العرش، على كل من اتحاد سيدي قاسم بخمسة أهداف مقابل هدف واحد في دور السدس عشر، ثم النادي المكناسي في الربع بنفس الحصة بعدما انتهت المباراة الأولى بين الطرفين بالبياض، وشباب المسيرة في النصف بثلاثة أهداف مقابل هدفين. أما في المباراة النهائية التي احتضنها مجمع الأمير مولاي عبد الله في الرباط، فقد فاز فريق الوداد على الكوكب المراكشي بهدف نظيف من رجل رشيد الداودي في آخر أنفاس الشوط الإضافي الأول.

على مستوى البطولة الوطنية، أنهى بودربالة الموسم مع الوداد في المركز الثاني جنبا إلى جنب مع النهضة السطاتية، على بعد نقطتين من الغريم التقليدي الرجاء الذي فاز باللقب برصيد 55 نقطة.

هكذا انتهت مسيرة المراوغ الساحر في الملاعب، بعدما قضى حوالي 20 عاما تذوق خلالها طعم التفوق والإخفاق، وصنع لنفسه مكانا في قلوب المغاربة والسويسريين والفرنسيين على حد سواء. ليس فقط لأنه كان مراوغا وهدافا، ومبدعا يسافر بك عبر مراحل طيلة الدقائق التسعون التي تتابعه خلالها، ولكن أيضا لأنه كان إنسانا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

كان يعرف جيدا قيمة كلمة "الإحتراف"، وإطلاقا لم نسمع عنه أنه كان مصدر عراك أو فوضى في الملاعب الأوروبية التي لعب بها، ونفس الشيء طبلة الفترة التي دافع خلالها عن القميص الوطني، بل ظل دوما نوذج اللاعب المسالم.

أذكر مرة، وبالضبط في المباراة الإفتتاحية لنهائيات كأس إفريقيا للأمم 1988 التي جرت ببلادنا، أنه فقد صوابه بسبب التدخلات العنيفة لأحد مدافعي منتخي الزايير /الكونغو الديموقراطية حاليا/، وفي إحدى المحاولات، وبعدما نجح في تجاوزه، أسقطه المدافع باعتماده خشونة واضحة، وقتها نهض عزيز ووجه ضربة لمدافع الزاييري في غفلة من حكم المباراة.

قدر الجميع لعزيز تصرفه ذاك لأنه كان في حالة غضب، إضافة غلى ضغط جمهور مركب محمد الخامس، في مباراة غاب عنها بادو الزاكي وعوضه عزمي، وحضر حسن فاضل لأول مرة، وبرغم الأداء الجيد لأسود الأطلس إلا أن البياض ظل قائما غلى حدود الأنفاس الأخيرة من المباراة التي انتهت بفوز صعب بهدف يتيم.

في إحدى الفترات أحس عزيز مع نفسه أنه أخطا، فتوجه صوب المدافع الزاييري، واعتذر عن تصرفه، كما أعتذر الطرف الآخر عن خشونته.

هكذا كان بودربالة يتصرف دوما، لذلك ظل محبوبا من طرف الجمهور الودادي، بل والمغربي ككل، وبقي يحتفظ بعلاقات صداقة كثيرة في سويسرا، وفرنسا وابرتغال، وعدد من الدول الأخرى التي زارها لاعبا أو سائحا.

استفاد بودربالة من تجربته في الملاعب الأوروبية، وكسب خربة من مبارياته التي خاضها على مستوى الكؤوس القارية، برغم أن الحظ لم يحافه لبلوع منصة التتويج. لكن ذلك كله يشكل أرشيفا سيستفيد منه أبناءه الثلاثة على وجه الخصوص، الحنفي، ياسينن وكميل الذي يبدو أنه يقتفي آثار والده، وربما لن يتأخر إسم بودرباتلة في العودة مجددا إلى الملاعب، وبالضبط من البوابة الودادية.

في حلقة الغد:"الوجه الآخر خارج الملاعب"




تابعونا على فيسبوك