شكل موضوع "الثقافة والتراث بمنطقة الريف"، محور الجلسة الرابعة من دورة شتنبر 2006 لجامعة الشريف الإدريسي، التي احتتمت أشغالها أخيرا، بالحسمية تحت شعار "منطقة الريف والفضاء المتوسطي".
ففي محاضرة حول "الريف في الأدبيات الاستعمارية الإسبانية"، أوضح أحمد الكمون، أستاذ الأدب الإسباني بكلية الآداب بوجدة، أن الأدب الاستعماري الإسباني "رسخ مجموعة من الصور النمطية عن الريف" سواء في ما يتعلق بالإنسان أو البيئة أو الثقافة، مازالت تكمن في اللاوعي الجماعي الإسباني.
وأبرز أن هذه الصور النمطية كانت تتأرجح بين وصف الإنسان الريفي "بالتحضر والهمجية"، فتارة يوصف بكونه "أسودا أشعثا له صفات القراصنة" وتارة أخرى يوصف بالمتسامح والمتشبث "بقيم الشرف والثأر والعقيدة والتمسك بالأرض".
وأضاف أن بعض الأعمال الفنية الاستعمارية كانت تدخل في إطار الأدب "الغرائبي" حيث كانت تقدم صورة خيالية عن المرأة الريفية مع "إحاطتها بهالة من القدسية والاحترام والإشادة بجمالها".
واعتبر أن صورة الريف في هذه الأدبيات كانت محكومة برؤية "عقائدية"، رغم كون بعض الدارسين ذهبوا إلى أنها تخفي دوافع اقتصادية موضحا من جهة أخرى أن الأدب الاستعماري كان ينطوي على "إسقاط أفكار وأحاسيس إسبانية على الإنسان الريفي".
وبعد أن أشار إلى أن صورة الريف المغربي في الأدب الإسباني لم تتغير منذ القرون الوسطى وإلى الآن، أوضح أن "تحقيق حوار متوسطي مبني على الاحترام والمساواة يمر عبر تغيير الذهنيات بواسطة الثقافة".
وتناول عبد المنعم بونو، أستاذ الأدب الإسباني بكلية الآداب بظهر المهراز في فاس، صورة الإنسان الريفي من خلال أدب الرحلات الذي أنتجه الرحالة الإسبان والبرتغال، مبرزا أن هذه الأعمال الأدبية كانت حبلى "بالتخيلات والإسقاطات والأحكام الجاهزة".
ورأى أن صورة الإنسان الريفي في أدب الرحلات كانت نابعة من ذاتية الرحالة والتمثلات التي يحملها عن الحياة والثقافة والإنسان بهذه المنطقة.
وأضاف أن الإنسان الريفي كان يظهر في هذه الكتابات ذو شخصية "غامضة وصعبة الفهم تميل إلى الوحدة" في بعض الأحيان، كما كان يوصف بالوفاء بالعهد والتمرد والامتثال الكلي للشريعة الإسلامية" أحيانا أخرى.
وخلص الباحث إلى أن كتب الرحلات الإيبيرية "تدل على تصور جماعي تتداخل فيه عناصر فكرية سياسية وثقافية يطبعها الحنين للماضي والرغبة في إثبات الذات".
من جانبه، تطرق الحسين الإدريسي أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب بوجدة إلى المشاكل التي يعيشها المهاجر الريفي بالبلدان الأوروبي عبر رصد تجلياتها في الإبداع الشعري الأمازيغي الريفي في المهجر.
فمن خلال قراءة بعض الإنتاجات الشعرية الأمازيغية، كشف الباحث عن ما تحبل به هذه الأعمال من مواضيع تهم "المعانات النفسية جراء الغربة والهروب من البؤس وظاهرة التغريب والاندماج فيها في بعض الأحيان"، و"الهوية المهددة"، و"العلاقة مع البلد الأم والدين"، و"تربية الأبناء ببلدان الاستقبال".
وشدد في هذا السياق على ضرورة الاهتمام بالشعر المهجري الأمازيغي، باعتباره قناة تعبر عن "واقع نفسي واجتماعي للإنسان الريفي بالمهجر".
وفي عرض حول المسألة الثقافية الشعبية وجدلية الوطني والمحلي، أبرز بلقاسم الجطاري، أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب بوجدة، أن الريف، رغم خصوصياته، يتلقى جميع السلوكات الفكرية والسياسية والثقافة والاجتماعية من عمق تراث المغرب عموما
وأكد أن "بعث الإبداع والتراث الأمازيغي" رهين "برفع البؤس" عن مناطق الريف وتجنب التعاطي مع هذا التراث بطريقة "فلكلورية هجينة".