غيب الموت الروائية مليكة مستظرف، بعد صراع مرير مع مرض القصور الكلوي، الذي رافقها منذ 1986، غير أن هذا المرض لم يكن ليضعف قوة إيمانها في الكتابة ومقاومة الألم بالإبداع.
رحلت مليكة مستظرف التي أكدت أكثر من مرة ان روايتها "جراح الروح والجسد"، نسخة من
والكتابة بالنسبة إلي هي نوع من المخدر، يلهيني عن التفكير في الألم، فإذا استمريت أفكر في الألم والمشاكل التي أعانيها صحيا، وبكل صراحة سوف أجن، أو سأنتحر، لذلك الكتابة كانت عندي نوعا من المخدر، و نوعا من المهدئ لهذا العالم الذي أعيشه، لأغرق في عوالم أخرى وشخصيات أخرى".
رحيل مليكة مستظرف تلقاه رفقاؤها بكثير من الألم والحسرة، حيث عبرت الروائية لطيفة لبصير، عن حزنها لوفاة مستظرف، لأنها لم تكن تتوقع أن تكون النهاية الآن، وقالت "كنت أثق كثيرا في قوتها وأنها لن ترحل الآن، لكن هذه القوة خدعتني، لأنه لم يمض وقت طويل على رؤيتي لها وكانت صامدة، للأسف لانجتمع حول الإنسان لحظة حياته، لم يكن اجتماع قوي بيننا للحديث حول ما يمكننا أن نقدم لمليكة مستظرف، كانت مبادرات لكنها لم تأخذ بعدها الجماعي، ولا نحس هذه المسألة إلا بعد الرحيل".
وأضافت لبصير "تعرفت عليها منذ سنوات كثيرة وكانت ساعتها بصدد إنجاز روايتها الأولى "جراح الروح والجسد" هذه الرواية التي هي نوعا ما سيرة روائية قريبة بشكل كبير من حياتها الخاصة، آنذاك عرفت مليكة مستظرف في علاقتها بالحياة اليومية وفي علاقاتها الأسرية وحتى في معاناتها مع مرض الكلي، الذي لم تكن للأسف نتيجته سوى هذه النهاية.
وأشارت إلى أن مستظرف كانت في مسيرتها الإبداعية، قوية في علاقتها بالمرض وفي علاقتها بالمحيط من حولها، وقوتها كانت تتجلى في تحديها للمرض بشكل كبير وكانت تكتب، وكتاباتها التي حملتها مجموعتها الأولى "ترانت سيس" (36) كانت قوية إضافة الى العديد من النصوص التي نشرت فيما بعد والتي لم تأخذ شكل كتاب، مؤكدة ان "الأهم هو أن للراحلة نفس خاص في الكتابة وفي السرد وحتى صوتها كان مسموعا. لها لغة قوية، لغة لا تخاف ولا تحتاج إلى حماية أو تغطية، هي لغة كلها تعري الواقع وبنوع من السخرية السوداء، لغتها تمضي أحيانا إلى البحث ولكن هي نوع من انتقاد هذا الواقع المرير الذي عاشته ونعيشه جميعا وقد جسدت كتاباتها كل ذلك".
واعتبر "حسن البحراوي" رحيل مليكة مستظرف فاجعة أليمة للعاملين في القطاع الأدبي بالمغرب، وتحدث بألم عن مسارها ومعاناتها مع المرض منذ نعومة أظافرها، والذي لم ينل من حجم عطاءاتها الأدبية والإبداعية، حيث قدمت رواية ظريفة تمثل إضافة نوعية في مجال الكتابة النسائية بالمغرب وتتميز هذه الكتابات على الخصوص ببراعة أدبية، نظرا لأنها تعالج قضايا المرأة والجنس في مجتمع مغربي تقليدي مما فتح الباب على مصراعيه لتتمكن مليكة من إضفاء بصمتها الشخصية على هذا النوع من الكتابات.
كما أن مجموعتها القصصية تشكل شاهدا على ميزتها الخاصة في المشهد الأدبي القصصي النسائي بالمغرب، وتحدث البحراوي علي حضور مليكة مستظرف في المشهد الصحافي الأدبي، حيث أجرت حوارا مطولا مع الكاتب المغربي "محمد زفزاف" ونشرته بأحد اليوميات المغربية. "لقد ظلت الراحلة مليكة مستظرف تقاوم المرض ومؤتراثه وتواجه مرض أكبر هو مرضا البيروقراطية في المجتمع المغربي،" نالت مليكة مستظرف شرف العناية الملكية لكي تعالج، ولكن شاءت الظروف الإدارية والبيوقراطية، إلا أن تؤخر هذه العناية وتعرقلها إلى أن حل قدر الله.
وأضاف البحراوي "في إطار البحوث التي أشرف عليها بكلية الأداب بالرباط، أوسع الاهتمام بالفاعلين في الحقل الأدبي المغربي، لذلك كنت دائم الحرص على بعث مجموعة من الطلبة إلى مليكة مستظرف لرصد مسارها الأدبي والثقافي في بحوثهم، وكانت انطباعاتهم عنها جد جميلة، تشجع على اكتشافها عبر قراءة كافة منشوراتها، أتأسف إلى أني لم ألتق بها شخصيا، إلا أنني كنت حريصا على علاقاتها في رواياتها وقصصها، وكذلك بالاستماع إليها عبر أمواج الإذاعة المغربية.
ويواصل "الجميل أنها كانت دائما تبعث السلام مع الطلبة الذين أبعثهم لها وكأنني صديقها الوفي، وأظن ان هاته الصداقة هي صداقة إنسانية وأدبية وهي أوثق من كافة أنواع الصداقات".
أما بهاء الدين الطود فقد صدم لنبإ وفاة مليكة مستظرف، والذي علمه من "الصحراء المغربية" وحزن كثيرا على رحيلها ودعا لها بالرحمة، كما تحدث عن ذكرى بعثها "مليكة مستظرف" لمجموعتها الأدبية، حيث حرص بهاء الدين الطود على قراءتها وتوزيعها على مجموعة من معارفه وأصدقائه، الصحافيين المغاربة والعرب، والكتاب بغية الاستفادة من إبداعاتها في المشهد الثقافي المغربي عبر إبرازها إعلاميا.
أما أحمد شكر وهو قاص مغربي، فقد صدم بنبإ رحيل مليكة مستظرف، واعتبر رحيلها فاجعة للمغاربة "هل قدرنا ان نتجرع كل هاته الفواجع، أن نرمق بأعيننا توالي أسماء نعزها ونحترمها، أسماء لازالت قادرة على العطاء وفي عز شبابها؟ مليكة مستظرف هي أكثر من اسم عادي، اسم حاول أن يحفر في النهر العميق بأبجدية الحياة بنبشها في المختلف وفضح الطابو العائلي سواء من خلال روايتها "الجراح العاري" أو من خلال مجموعاتها القصصية "ترنتسيس (36)" أو من خلال كتاباتها وحواراتها المتعددة، اسم قاوم المرض لسنوات طويلة مرض ليس بالعادي وليس بالمرض الذي يمهل صاحبه.
وأضاف "وأنا أسمع خبر الرحيل يحضرني أول تعارف برواق المعرض الدولي للكتاب وهي تسلب روحها بعكاز حديدي زادها بهاءا، كانت تحضر لاعتصام صحبة جملة من المبدعين للتحسيس بخطورة مرضها وبحقها في العلاج.
ويتابع "مليكة مستظرف، إضافة نوعية ليست للكتابة النسائية بل للكتابة المغربية وللإبداع الحديث ولطريقة مختلفة في التعبير والفضح وقول لا للمؤسسة الأسرية ولكل المؤسسات. هاهي ترحل أخيرا، حاضنة حزنها وألمها مخلفة لنا حزمة من الأسى، وديوان بوح شفيف ميز مسارها وأسس لتمردها في الكتابة أو في الحياة حيث قالت لايملئ ما تحمل رتاتاها من نفس أصيل وعبق حياة فليرحمك الله مليكة وإنا لله وإنا إليه راجعون".