خلص المفكر والدكتور المهدي المنجرة بعد ثلاثة عقود من الكتابات المتنوعة والتأملات المستقبلية حول سيرورة العالم بشقيه الشمالي والجنوبي إلى دور القيم في تماسك وانحلال الروابط المجتمعية والحروب العصرية، مما أوحى إليه بضرورة إصدار كتاب باللغة الفرنسية اختار له
ويتناول المنجرة من خلال كتابه الأخير الذي صدر خلال شهر غشت المنصرم، تصورات مستقبلية لعالم تصدع بفعل تهميشه لقيمه، مبرزا عبر ثلاثة محاور أساسية انتقاها بدقة وتمهل، أهمية احترام القيم في تلاحم الشعوب وتوسيع دائرة التنمية المشتركة.
الكتاب بمثابة رسالة يدق بها ناقوس الخطر حول الأسباب الحقيقية للحروب الآنية والمستقبلية التي تجري في جميع بقاع العالم.
ويتناول المنجرة من خلال كتابه الأخير الذي صدره في شهر غشت المنصرم ويقع في 276صفحة من الحجم المتوسط، تصوراته المستقبلية لعالم تصدع بفعل تهميشه للقيم التي تؤطر الحياة، مبرزا عبر ثلاثة محاور أساسية انتقاها بدقة وتمهل، أهمية احترام القيم في تلاحم الشعوب وتوسيع دائرة التنمية المشتركة.
وحدد في محورها الأول مفاهيم مجموع القيم التي أصبحت تتحكم في السوق العالمية باعتبار أن قيمة كل مجتمع ترتكز أساسا على مدى تشبعه بقيمه الحية والمتجددة والدفاع عنها ومحاورة ومعرفة قيم المجتمعات الأخرى، وعرج المنجرة إلى العلاقة بين القيم والإبداع وتناول بعدها تحليلا لمكانة الذاكرة عند وصفها للقيم.
وتندرج نصوص كتابه في سياق ما ينكب عليه منذ عقود من دراسات في علم المستقبليات والتي لا حكم لها لدى المنجرة سوى الزمن.
وتضمن الكتاب الذي صدر عن مطبعة "الجديدة" نصوصا مختلفة كتبها في الفترة ما بين 1977 و2006 أثناء ترحاله واستقراره بعدة دول غربية وعربية.
ويعتبر المنجرة ضرورة احترام قيم الآخرين ركيزة أساسية للتحاور والتواصل وضمان استجابتهم، كما يعتبر أن بلده المغرب جسر التواصل بين العالمين العربي والغربي وبإمكانه أن يتبوأ مكانة كبيرة بحسن تحصينه للجسر عن طريق أخذه لقيمه الحية والمتجددة كأساس للتنمية مع دراسة شاملة لكل ثقافات وقيم المجتمعات التي يتعامل معها وفرض احترام قيمه عليها.
واعتبر الدكتور المهدي المنجرة كتابه الجديد الذي عنونه بـ(قيم القيم) ملخصا لطموحه منذ صغره، وقال المنجرة في تصريح ل"الصحراء المغربية" أثناء وجوده بمخيم هرهورة نهاية الأسبوع المنصرم في لقاء مفتوح مع يافعي جمعية المواهب، إنه غادر المغرب وسنه 15 عاما، وأبعد من جميع المدارس الفرنسية بالمغرب إبان فترة الاستعمار، ليس لضعف مستواه الدراسي، مؤكدا أنه كان الأول في عدة مواد ولكن بسبب رفضه للشعارات التي كان يطلقها مدرسو تلك المدارس من قبيل (المغرب وفرنسا يد في اليد)، خصوصا وأن تلك الشعارات كانت تمرر حتى من طرف أساتذة مواد لا علاقة لها بالتاريخ مثل الرياضيات.
وتابع المنجرة : أبعدت من ثانوية اليوطي وكورو، وسجنت شهرا نافذا وأنا في الخامسة عشر من عمري، بعدها مباشرة قرر والدي رحمه الله إرسالي إلى الولايات المتحدة الأميركية لإتمام دراستي.
وجد المنجرة نفسه في بلاد الغربة وحيدا بعيدا عن المغاربة فأدرك قيمة تلك المدة التي قضاها في السجن، وجد فراغا... وحيدا بعيدا عن المغاربة، وعن الأب والأم، فقرر مسايرة الوضع بكل ما لديه من عتاد، وبدأ يبحث ويتعرف على حضارة و ثقافة البلاد التي وجد نفسه فيها مرغما.
وأكد المنجرة أنه يجب على كل من يلج مجتمعا آخر أن يطلع على قيمه من أجل تسهيل الحوار معه، وفي نفس الوقت المحافظة على قيمه وثقافته. وقال: "يجب المحافظة على القيم الذاتية الديناميكية والمتجددة وفي نفس الوقت ربط علاقات وانفتاح وتنوع مع الآخر لفهم قيمه".
وعن كتابه "قيم القيم" قال الباحث العالمي في علم المستقبليات، إنه كان يبحث منذ صغره في مجال القيم، وكتب عدة نصوص في الموضوع منذ سنة 1977، وأضاف أن فكرة إصدار النصوص في كتاب جاءت من أجل جعل الكل يتحدث عن القيم ودورها الحقيقي في الوقت الذي أصبحت تتداولة الألسنة كموضة للعصر.
وقال المهدي إنه بعد تأليفه لكتاب الحرب الحضارية كانت له جلسة مع مراسل إحدى القنوات الإذاعية الدولية وأكد له أنه حربا ستندلع قريبا، واستدل حينها بكون بوش الأب نطق بكلمة القيم، حيث قال: "لا نسمح لأي أحد أن يغير نوعية حياتنا وقيمنا"
وأضاف المنجرة: "حينها فهمت أن الناس لا يسلكون طريق الحرب من أجل النفط أو الاقتصاد ولكنهم يتحاربون من أجل الدفاع عن قيمهم"، مشيرا إلى أن المفكر العربي ابن خلدون أعطى أهمية كبيرة للقيم وضرورة المحافظة عليها وتجديدها.
وأضاف المنجرة أن الحديث عن القيم لا يعني العودة إلى القرون الوسطى ولا اعتماد الكتب الصفراء كمرجعية أو الرجعية بالمفهوم المتداول، وإنما المحافظة على القيم التي تتطور وتتجدد حسب قيمة كل مجتمع في كل متطلبات الحياة (القانون، الجغرافية، الفنون...)، باعتبار أن القيم هي مجموعة عناصر متكاملة تجسد سلوك الأشخاص والمجتمعات وتتحكم في سيرورتها، وأن التخلف نتيجة لانعدام المرجعية وغياب القيم، وأشار إلى تجربته الطويلة بدولة اليابان.
ورفض المنجرة أن ينعث اليابانيين بالمقلدين لإبداعات الغرب، موضحا أن التقليد يقتل الابتكار والتجديد والخلق والإبداع، وأن الشعب الياباني يسير بخطى تابثة وسريعة في مجال البحث العلمي، بعد أن استفاد من تكنولوجيا الغرب، ولم ينقلها كما هي حفاظا على أصالته وقيمه وثقافته، فبعد أن ترجم البانيون كل ما يسبح في فضاء العلم والمعرفة إلى اللغة اليابانية، وقضوا نهائيا على عاهة الأمية وحثوا على تعليم اللغات الأجنبية إضافة إلى البحث العلمي، تمكنوا من رسم فضاءات خاصة بهم للتجديد والإبتكار بلغة وثقافة وقيم يابانية.