لطالما ألصقت بالرياضة الإسبانية على مختلف أنواعها صفة »الخاسر الأكبر«، وخصوصا بعدما خرج ممثلو بلاد الأندلس في مناسبات عدة من دون إحراز النتائج المرجوة مخيبين آمال مشجعيهم والنقاد الذين توقعوا دائما أن يحمل الإسبان راية الأوروبيين في المحافل العالمية بالنظ
وتنطبق هذه المقولة بامتياز على منتخبات الألعاب الجماعية الأبرز، وهي كرة القدم وكرة السلة اللتين تعتبران أكثر الألعاب شعبية في إسبانيا، من دون نسيان أن هاتين اللعبتين بنسختهما الإسبانية تستقطبان انظار محبي الرياضة حول العالم، إذ لا يخفى أحدا أن الدوري الإسباني لكرة القدم ونظيره لكرة السلة من أفضل البطولات الوطنية بفضل استقدام النوادي للاعبين أصحاب المستوى الرفيع من الجنسيات المختلفة.
وانطلاقا من هذه المعادلة وكنتيجة منطقية لرواسبها الإيجابية، استطاع المنتخب الإسباني للسلة تغيير سمعة الرياضة الإسبانية وإعادة الاعتبار إليها بإحرازه كأس العالم في اليابان على حساب اليونان بطلة أوروبا التي كانت مرشحة بأشواط عدة للظفر باللقب وخصوصا بعد إطاحتها منتخب الأحلام الأميركي واضطرار الإسبان إلى خوض المباراة في غياب نجمهم الأول باو غاسول بداعي الإصابة
إلا أنه على الرغم من الصعاب عرفت الإرادة الإسبانية بإصرارها وعزيمتها إيجاد طريق الانتصار معتمدة على نتاج النهضة الرياضية الفريدة التي صورت في شكل »ثورة« عند الصحافة المحلية الداعية إلى إحداث انقلاب رياضي لتغيير موازين القوى ودخول دائرة الكبار عبر حصد الذهب دون سواه.
ويمكن اعتبار ارتفاع المستوى الإسباني إلى القمة في كرة السلة كما هي الحال في كرة القدم على رغم عدم توفيق منتخبها وكرة اليد وغيرها من الألعاب الجماعية، يعود في الدرجة الأولى إلى المنافسة الضارية بين النوادي الرئيسية أمثال القطبين برشلونة وريال مدريد اللذين ينقلان صراعات الحصول على خدمات افضل اللاعبين حتى إلى قطاع الناشئين.
وبدا لافتا أن النادي الكاتالوني رمى بشباكه إلى البلدان القريبة مستقدما منها حاجاته، إذ تتضمن مجموعة الناشئين لديه في ألعاب القوى بعض العدائين والعداءات من المغرب المعروف بتخريجه نخبة أبطال أم الألعاب لسنوات طويلة.
إذا كان لابد أن يفرز جذب أرقى النجوم على مختلف الأصعدة أفضل النتائج الممكنة بعد بلوغ الأداء العام أعلى المستويات، في موازاة تبني المواهب الشابة في ألعاب أخرى وصقل موهبتها في المدارس المختصة بهدف بلوغ القمة العالمية، وينطبق هذا الأمر على كرة المضرب ورياضة السيارات والدراجات الهوائية والنارية
وفي الوقت الذي نامت فيه إسبانيا على أمجاد الانتصارات السابقة لكارلوس مويا وخوان كارلوس فيريرو والبرت كوستا في كرة المضرب، إضافة الى تتويج السائق المعتزل كارلوس ساينز بطلا للعالم في الراليات، جاء الفوز السلوي ليكمل دورة سنوية كاملة من الإنجازات الإسبانية في الميادين المختلفة .
وهذا الأمر ذكرت به بعض الصحف الرياضية المتخصصة صبيحة اليوم التالي للانتصار الكبير، فمن إحراز منتخب كرة اليد بطولة العالم مرورا بفوز رافايل نادال ببطولة فرنسا المفتوحة للتنس على ملاعب رولان غاروس، وإيقاف فرناندو الونسو احتكار »الأسطورة« الألماني ميكايل شوماخر لبطولة العالم للفورمولا1، ووصولا إلى منح أوسكار بيريرو القميص الأصفر الخاص بدورة فرنسا الدولية للدراجات الهوائية يتوقع منح اللقب إلى بيريرو بعد تجريده للأميركي فلويد لانديس إثر تناوله مواد محظورة، تعيش بلاد الفلامنغو سنة مجد رياضي غير مسبوق
لكن على الرغم من قيمة الإنجاز التي أشارت إليه صحيفة »ماركا« بكلمة »تاريخي« داعية قرائها لشراء وأفراد أسرهم عددها الخاص بالمناسبة والاحتفاظ به إلى الأبد، بقيت الفرحة منقوصة لأن كرة السلة التي كانت أفضل نتيجة لمنتخبها حلوله في المركز الرابع في مونديال 1982 تعتبر اللعبة الشعبية الثانية في إسبانيا بعد كرة القدم التي حصد منتخبها الخيبة في كل مرة وضعته التوقعات على رأس المرشحين للظفر الذهب
وبقدر ما افرح الفوز بكأس العالم للسلة الإسبان، أعاد لهم أوجاع الجرح القديم الجديد، الذي ازداد عمقا بعد خروج رجال القدم بخفي حنين من مونديال 2006، مما دفع الحارس إيكر كاسياس إلى الاعتراف بشعوره بالغيرة من مواطنيه عند بلوغهم الدور نصف النهائي في مونديال السلة، إذ قال /أنا سعيد وفخور بما حققه منتخب السلة، وبصراحة أشعر بالغيرة منهم آمل أن نذهب يوما ما بعيدا بقدر ما فعله غاسول ورفاقه
ولم يكن مستغربا تصريح كاسياس الذي أكد عدم تفاجئه بالإحصاءات التي أشارت إلى أن منتخب القدم كان دائما الخيبة الأكبر بالنسبة للرياضة الإسبانية، إذ بلغ طوال تاريخه الطويل الدور نصف النهائي لكأس العالم مرة واحدة عام 1950، ويبقى إنجازه الوحيد فوزه بكأس الأمم الأوروبية على أرضه عام 1964.
وتبدو المفارقة أن المنتخب الإسباني للقدم دخل مونديال ألمانيا متسلحا بمعنويات عالية بفعل عدم تذوقه طعم الخسارة في 22 مباراة متتالية، إلا أنه لاقى الخروج المرير من الدور الثاني على يد فرنسا 3/1على رغم تقديمه عروضا جيدة في الدور الأول للبطولة، فيما دخل منتخب السلة مونديال اليابان حاملا في جعبته تسعة انتصارات متتالية, أضاف إليها ثمانية أخرى كانت كفيلة بإسقاطه المقارنة القديمة التي جمعته ورجال المستطيل الأخضر
وترجم خورخيه غارباخوسا عقب الفوز شعور الشعب الإسباني بأكمله من الخيبات المتكررة لمنتخب القدم بقوله /أهدي هذا الفوز إلى إسبانيا وخصوصا إلى منتخب كرة القدم لأن لاعبيه قدموا دائما جهودا جبارة من دون أن يقف الحظ إلى جانبهم/.
وأيا يكن من أمر، فإن ما يمكن استنتاجه من هذه الصحوة الرياضية الإسبانية أن بلدا آخر نصب نفسه مرجعا في عالم الألعاب، ولم يبق أمام المنافسين إلا إتقان فنون مصارعي الثيران لإيجاد الحلول القادرة على إيقاف الغزو الأندلسي الآتي لحصد المعادن النفيسة من الميادين العالمية