تشييع جثمان نجيب محفوظ في حي الحسين في القاهرة

مثقفون مغاربة: الرواية العربية فقدت رمزها الشعبي

الجمعة 01 شتنبر 2006 - 15:01
جثمان محفوظ محمولا إلى مسجد الحسين بالقاهرة للصلاة عليه (أ ف ب)

شيع جثمان الأديب المصري نجيب محفوظ الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1988 صباح الخميس من مسجد الحسين في القاهرة بناء على وصيته، بحضور عدد كبير من المثقفين والأدباء والناشرين والصحافيين وأصدقاء وأسرة الفقيد.
وشارك حوالى مائتي شخص من أصدقائه بينهم المخرج الس

قال الشاعر ياسين عدنان، إن الرواية العربية قد فقدت اليوم أكبر رموزها، وأضاف"صحيح أن نجيب محفوظ توفي اليوم عن جدارة واستحقاق، فحين نقول عن جدارة، فلأن الرجل مات أولا في الخامسة والتسعين، وثانيا لأنه مات بعد أن أتم مشروعه الروائي
فالكاتب والروائي نجيب محفوظ توقفت مسيرته منذ سنتين بصفته كاتبا، هذا يترك في النفس لوعة ليست على مستوى فقدان نجيب محفوظ "الذات" بل "الروح" إلا أن عزاءنا يوجد في ما تركه لنا من مخطوطات وروايات وكتب صارت ملكا لقارئ الرواية في العالم،
لنجيب محفوظ روايات لا يضاهيه فيها أي روائي عربي له الثلاثية التي تتضمن "بين القصرين، السكرية وقصر الشوق" ثم هناك "أولاد حارتنا"، فنجيب محفوظ في ثلاثيته قد أعطى للرواية العربية أحد أشهر شخصياتها وهي شخصية الحاج "أحمد عبد الجواد" المركبة وشخصية زوجته "عيشة" أما في أولاد حارتنا كان عملاقا بجميع المقاييس، فهي رواية صعبة رصد فيها تاريخ الإنسان بشكل عام وتاريخ الأنبياء والديانات والرسل بطريقة جعلت من الصعب على المتطرفين، أن يسجلوا عليه أي خطأ مهما كان صغيرا في تعاطيه مع الأنبياء، الذين تحولوا في هذا العمل الفني البديع إلى شخوص بسيطة يتحركون داخل حارة عادية.

أما الروائي بهاء الدين الطود، فقد كانت "الصحراء المغربية" سبب معرفته خبر رحيل نجيب محفوظ، حيث تفاجأ وعلل سبب عدم علمه برحيل نجيب محفوظ بالعطلة الصيفية التي يقضيها في البحر بطنجة.
تحدث بهاء الدين الطود عن لقائه بنجيب محفوظ "أجمل لقاء كان سببه "جمال الغيطاني"، التقيته بعد جائزة نوبل، لكن لقائي الأول به كان قبل إحرازه جائزة نوبل في إحدى التظاهرات الثقافية المغربية بالقاهرة، سنة 1987، واتضح من خلال الحوار والنقاش الذي دار بيننا جهله للثقافة المغربية والأدب المغربي.
وحاولنا من خلال نقاشنا معه تشجيعه على النهل من الثقافة المغربية، ووضحنا له أن حضوره بالمغرب جد قوي.
ومن خلال لقائي الثاني به اكتشفت أنه غريب الأطوار، فالكتب المهداة إليه لايحتفظ منها إلا بغلاف الكتاب الذي كتب عليه الإهداء فقط ليتخلص منها لأن بيته كان صغيرا جدا، نجيب الروائي أراد أن يكون روائيا فكان له ذلك وقد شرف الرواية العربية في مجال الأدب، انطلاقا من حقل الفلسفة، وطور الرواية العربية حين نهل من جميع المدارس الروائية
كالرواية الواقعية والنفسية.

أما الناقد حسن البحراوي فقد اعتبر خبر موت نجيب محفوظ كان منتظرا بفعل عامل السن وكذلك الحالة الصحية المتدهورة التي كان يعانيها "وفاته خسارة كبيرة للأدب العربي وللإبداع الروائي، فبرحيله يوضع حد للمسار الطويل الذي خاضه في الإبداع الروائي والقصصي، وكذلك السيناريو، يحسب لنجيب محفوظ أنه مؤسس لصرح الرواية العربية الحديثة، كما دشن لبداية الرواية الواقعية، كما نقل أحداث وشروط الإبداع الروائي إلى "الحارة المصرية" ويتجسد ذلك من خلال شخوصه التي تمثل الطبقة الوسطى، وهذا التوظيف يعد تأريخا للواقع المصري.
تعد جائزة نوبل التي حازها نجيب محفوظ بداية لشخصية أخرى لنجيب محفوظ العالمي
التقيت نجيب محفوظ قبل ثلاث سنوات في القاهرة بمقهى المطار، لكن الحوار الذي دار بيني وبينه كان مقتضبا، لأنه يعاني ضعف السمع، تحتاج للحوار معه إلى وساطة من قبل أصدقائه وزملاءه الذين يرافقونه، كان نجيب محفوظ يرحب بالأدباء المغاربة ويعبر لهم بصراحة عن جهله بالأدب المغربي ورواده باستثناء الأديب المغربي "الطاهر بن جلون" وهذا يدل على انقطاع الصلة بين المشرق والمغرب.
والجميل أن نجيب محفوظ له شعبية كبيرة في المغرب والدليل على ذلك أن رواياته تدرس بالثانويات، وهناك العديد من الأطروحات الجامعية أنجزت حول أدبه.

من جانبه أوضح الشاعر السوري المقيم في المغرب، شهاب جنبكلي، أن نجيب محفوظ هو الأديب الألمعي الفريد من نوعه في العالم العربي، الذي قدم خدمات رائعة للعالم، وأجهر بما يسمى بالروايات والقصص التي أذيعت ونشرت وترجمت الى لغات عديدة، فكان له الحظ الكبير وكان هو الرجل الذي احترف كتابة الرواية من خلال لقاءاته بالمقهى، لقاءاته مع الناس، فكانت رواياته حية وواقعية، فعبر بكلماته الرقيقة عن واقع العالم العربي وخاصة في مصر، في عاداتها الاجتماعية والعقائدية، وكان له الفضل الكبير في ان ترجمت رواياته الى لغات شتى، فكان له من جراء ذلك أن حاز جائزة نوبل للآداب، وكان يستحقها فعلا فكنت معجبا به وبكتاباته وكنت أدرس بعض قصصه لأقسام الباكلوريا، لأن فيها دروسا وعبرا وهي مرآة للعالم العربي وبخاصة مصر.
وأضاف شهاب جنبكلي ان روايات محفوظ الخالدة هي التي منحتها العالمية، فهو رجل عظيم ذو خيال واسع، وكان يتلقى القصة الواقعية من الشارع ومن المقهى، وقد صادفته باستمرار في مقهى شعبية في القاهرة ، ومن هناك كان يصنع قصصه التي يسمعها من الناس، ويرتبها ويكتبها، كان عبقريا لأنه كان يكتب الرواية بخياله الواسع ويدعمها بمرطبات، بمعنى أن الإنسان عندما يقرأ رواياته يجب نفسه مدفوعا لاتمامها، فهو يجعل القارئ يحس برغبة التمسك بالرواية حتى النهاية.
وأشار إلى أن كتابات الراحل كانت كتابات شعبية، وليست باللغة العربية الفصيحة، موضخا انه كان يكتب بلغة يفهمها المتوسط في العلم، أي الإنسان العادي، فلم يكن يكتب للخواص بل كان يكتب للعوام، رواياته تعتمد لغة عادية جدا, وكانت انشغالاته السياسة حاضرة في أعماله من خلال الرمز، فهو يرمز اليها فقط من خلال الفقر ومن خلال الحرية والديموقراطية، وكان أحيانا يرمز الى وجود الاستعمار الإنجليزي في مصر وتسلطه، فمحفوظ كان يكتب ويرمز للاستعمار بأنه كان شديد الوقع على الشعب المصري
فرحمة الله عليه وأسكنه فسيح جنانه، ونحن حزينون على فقده لأنه ترك أثرا لاينسى مدى الدهر.

واعتبر القاص محمد بوزفور مسار نجيب محفوظ هو مسار الرواية العربية الحديثة، بدأ كما هو معروف بالرواية التاريخية عن المرحلة الفرعونية ثم دخل في مرحلة واقعية، تجلت في ثلاثيته الشهيرة "بين القصرين"، "قصر الشوق" "السكرية" ودخل بعد ذلك في مراحل تجريبية بالقصة القصيرة وفي الرواية، وعالج في جميع الأجناس التاريخ الحديث المصري بشكل عام والقاهرة على وجه الخصوص.
وأضاف "الجميل أنه كان يتقدم ويتطور باللغة العربية ويجعلها متطورة مع المستجدات الأدبية على المستوى الفني، وكذلك التاريخ الاجتماعي فيمكن أن نلخص مسار نجيب محفوظ في مسار الرواية العربية والشرق العربي الحديث في شكله الشمولي، فأدب محفوظ هو نموذج حي وممتاز للدراسة والإبحار به يقول بوزفور "للأسف لم يسعفني الحظ في لقائه، لقد لاقيته في نصوصه منذ الستينات، وأنا معه كنت أتتبع جديده باستمرار"
نجيب محفوظ كان يفضل ملاقاة الناس في رواياته وأدبه عبر الحديث عنهم فشخصية محفوظ اتسمت بالحكمة والدماثة والطيبوبة بحيث يمكن أن يستفيد منه ملتقيه أشياء كثيرة.

أما الكاتب والروائي إدريس بلمليح، فقد اعتبره من العبقريات الإنسانية الخطيرة التي وشمت ببصمتها وروحها المصرية الفذة الأدب العالمي اليوم، وليس العربي فقط، فانشغالاته بخصوصيات الإنسان المصري البسيط كانت بدايته، بدايته الأولى كانت منطقية وعادية بالنسبة إلى كاتب مبتدئ، إلا أن الخطير في هذه البداية والمهم فيها أنه استوعب البساطة المصرية وأصالتها ووظفها أحسن توظيف منذ بداية الحرب العالمية الأولى إلى حدود هزيمة العرب سنة 1967
نجيب محفوظ بدأ المعاصرة بشكل تقليدي، تطور هذا الشكل مع تطور العقلية العربية وتدرج الى الواقعية ثم الواقعية الجديدة
بعد ذلك حاول أن ينفتح على العالمية عبر بعض أعماله الفلسفية والشمولية مثل روايته "أولاد حارتنا" و"الحرافيش"، بعد هاتين الروايتين انساق محفوظ إلى الاشتغال على كل ما هو إنساني، ففي موت نجيب محفوظ علامة بارزة على أن الرواية المصرية والعربية حققت بعدها الإنساني.
نستطيع الآن أن نقول "تشيكوف" "نجيب محفوظ"، "بالزاك"، قبل نجيب محفوظ لم نكن نستطيع أن نقول هذا الكلام".
فالبعد المقارناتي والتصنيفي مع أدباء عالميين أصبح الآن في متناولنا مع نجيب محفوظ.




تابعونا على فيسبوك