عن منشورات دار التوحيدي، صدر للروائية خديجة صدوق، "عودة الرياح" وهي أول عمل روائي للكاتبة .
الرواية من القطع المتوسط، وتتوزع على ستة فصول، وهي كالتالي : "في أواخر ذات خريف" و"ذات صيف" و"أنت تقررين" و"ذات مطر"، و"رياح العودة"، وأخيرا "ربيع الولادة"
العمل يجمع بين دفتيه 247 صفحة.
إهداء خاص في الصفحة الأولى من الرواية، نقف عند إهداء خاص، نلمس فيه عربون محبة وتقديرا للأنثى، التي صمدت في وجه أعاصير الزمن، بروح وبعنفوان كبيرين، حملت الصخرة مع سيزيف، وعانت الحرمان وقبضت على الجمر بلا آهات، و"دفنت غيظها في ابتهالات وصلوات لا تنتهي" على حد تعبير صدوق.
الإهداء يقظة إنسانية وهمس في آذان الأنفاس اللطيفة الهائمة في بحر الوجود، وسكنت تربة الخلود، وأسلمت "الروح في سجون الجمر والحديد ليولد وطننا بنسائه ورجاله ولادة جديدة".
إنه إهداء إلى المناضلة سعيدة لمنبهي التي اكتوت بنار الجهل، واحترقت كشمعة لتضيء العتمة وتلعن الظلام.
في الفصل الأول، الذي اختارت له الكاتبة خديجة صدوق عنوان : »في أواخر ذات خريف« يطرح الفصل إشكالات نفسية داخلية، فالشخوص من قاع المجتمع، حيث يتلمس الحكي طريقه عبر حوارات داخلية للشخصية الرئيسية، أو المونولوج الذي يرغم "زهرة"على البوح، وكأني بالروائية قارئة ورائية للواقع، إذ رموزها المؤثثة للفصل، تبدو متناسقة إلى حد الانضباط، فالقارئ غالبا ما يجد نفسه منساقا مع الأحلام الصغيرة والكبيرة للشخوص، إذ البوح والتذمر حينا يستجدي مرارة الكبار، وأحيانا أخرى يداعب جفون الصبايا في عالمها البريء.
عالم الروائية طافح بالأسئلة الحارقة المقلقة، أسئلة صغيرة، إلا أنها تتدحرج ككرة ثلج وتغدو إشكالية، حيث ينتصب اليومي بمعاناته اللافحة، وبقدره الجاثم على صدور الراغبين في التحرر، الذين ينشدون عالما آخر، بمدنه الفاضلة.
الكاتبة وعبر تقنية "الفلاش باك" تبهر القارئ في أحاديث شخوصها، حتى يقتنع المرء أنه إزاء قلم خبر حياة شخوصه وقدمها في أوضاع مختلفة، بل امتح من معين الشارع والبيت والمؤسسة، فحضور اليومي بارز، بشكل يظهر الروائية خديجة صدوق، أنها لا تعتمد الصدفة في اختيار شخوص الرواية، بقدر ما تمارس غواية الإقناع، بشروط حقيقية للتخييل والمتخيل.
شخوص قريبة وجدانيا فضاء الرواية، وتحديدا في الفصل الأول، يرصد حالات وأمكنة وشخوصا قريبة وجدانيا، حيث زمن الدار البيضاء، الممتلئ بالتناقضات، إذ تتبدى صور وعي شقي، وثقافة أضرحة وأسياد، وينهض عالم »زهرة« الشخصية البطلة، وراء سراب عاشقها الذي غادر عالمها الصغير بلا استئذان، وتركها تعيش على الذكريات.
وأنت تنغمس في قراءة الرواية التي تأخذ بتلابيبك، تكشف على التو، أن الكاتبة صدوق توظف تقنية »الفلاس بلاك« كثيرا، ففي الصفحة 12، تمظهرات للغة استيعادية، استحضارية، حيث نأتي بالشاهد : »استحضرت صورة أبيها في سنوات عمره الأخيرة، صورة رجل حاضر غائب في بيت يعج بالأطفال والنساء والرغبات، والحاجيات غائب في مصحفه بركن من سطح البيت في كتب صفراء قرأها للمرة الألف.
في صلاة وتسبيح لا ينتهيان إلا ليستأنفا، كان يتناوب على هذا المكان الوحيد المنفتح على السماء مع نساء الدار : لهن حصة الصباح بين غسل الملابس وتنقية الزرع أو التوابل وتجفيفها.
وكأنه شبه معمل يلتحقن به بعد وجبة الإفطار، وتهيء وجبة الغذاء ويغادرنه ظهرا عندما تشتد حرارة الشمس به، وله فيه حصة ما بعد العصر، عندما تتكسر الحرارة له وحده في شبه خلوة استحضرت صورة "الفقيه عبد الرحمن" الذي يسكن حيهم ويحظى باحترام سكانه ".
استحضار في استحضار كما تعلن الفقرة-الشاهد.
إنها تقنية جديدة في الإبداع الروائي المغربي وتحديدا في الكتابة النسوية.
لاشك أن الروائية صدوق تفطنت إلى النقص الحاصل في الكتابة النسوية حول تجربة السجون أو ما بات يعرف في الأوساط المغربية بسنوات الرصاص، ومسلسل الاعتقالات والاختفاء القسري، ولهذا نجدها تستدعي هذه الحالات، وإن كان بشكل مضمر ومستتر من خلال »محمد« الشخصية الإشكالية في الرواية، فخلال السرد والوصف هناك إشارات قوية لتجربة السجن، فضلا عن النضال الثوري والأفكار التقدمية التي كانت مبتغى لجيل مغربي بكامله .
فالكاتبة، وبلغة شاعرية حينا وتقريرية أحيانا أخرى لمحت إلى الظاهرة، وقد لا مستها بمداد وعي شقي.
فالشخوص ينهضون من الهامش، وكذا من خلال بعض الأسماء التي التصقت برموز الحكي، نقف على معجم حكواتي صاخب، حيث الوجوه بسحنة التراب، وبعبق التاريخ، كأمي اعكيدة، اللسان الخبري في الحي، إذ تسترق أخبار الحي، وكأنها وكالة أخبار حية تشتغل دون توقف، فمنها يولد الخبر ويترعرع، ومن شفتيها يتوزع إلى باقي الأفئدة والأهواء.
حكايا أشبه بالمرايا في فصل "ذات صيف"تنسج الروائية حكايا أشبه بالمرايا التي يتقاطع فيها الذاتي مع الموضوعي، لتشكل خلفية أساسية للبوح وجسرا عاطفيا لتداعيات العاشق "محمد" الذي يظهر ويختفي ويغيب ويحضر.
نوع آخر من الكتابة، هو أقرب إلى السجال المعرفي والثقافي، يسافر الفصل بالقارئ إلى العالم الحميمي »الشبقي« للشخصية المحورية في الرواية.
عالم يفجر الجرأة من خلال حديث عابر بين ذات أنثوية وأخرى ذكورية.
اللافت أنه من خلال استحضار العاشق المناضل، ينفتح أفق جريء ليس على خلفية واحدة، وإنما على خلفيات متعددة، فانطلاقا من تبئير الحالة، وخلق عالم غرائبي وحدها »زهرة« مركزه، تتبدى ألوان سردية ووصفية معا.
الكاتبة ترصد أدق التفاصيل، كأننا أمام كتاب مفتوح ممتلئ بالمعلومات، وهي إذ توظف ثقافتها وركامها المعرفي، فهي توظف ذلك وتستثمره لصالح شخصيتها وبطلتها، قس على ذلك ما جاء في فضاء الفصل، تقول : »كانت تصاب بالهلع وهي تفكر في رجل غريب يطلب منها أن تخلع ملابسها وتفتح رجليها، وكان يزداد هلعها، عندما تفكر أنه يمكن أن يضربها هي التي كانت تنزعج من الضرب أشد انزعاج ويشعرها بالمهانة لما كانت تتلقاه من والديها كباقي الأطفال، فأحرى أن يكون من رجل غريب من المفروض أن تكون ندا له.
وكانت أمها تزيد من مخاوفها عندما تولول كلما ضبطتها متلبسة في استرخائها تقرأ
تقول لها »ستكونين ضحكة لالياتك تستلقي كالـ "عزري" ص 99 .
فصل"ذات صيف" يخترق التابوهات، ويعلن عن نفسه بكيفية جريئة، فالكاتبة لا تكتفي بالجاهز، وكل ما هو متجل في الشخصية، وإنما تذهب أبعد من ذلك، حينما تتصيد أماكن الصمت في شخوصها.
فهي تؤمن بالكتابة الحارقة، كما تؤمن بلغة الكشف والمكاشفة.
ولعمري أننا أمام حساسية جديدة وأمام كاتبة آمنت بأن العمل الذي لا يستفز حواس القارئ ولا يستنفر قارحته، عمل أشبه بإبداع يمشي على رأسه.
إن رواية "عودة الرياح"بفصولها الستة تمثل في نظرنا حالة خرق مستمر للنمطية والجمود، وخروج عن الاعتياد، إنها باختصار حالة من تجريب لا ينتهي في أوطان مجهولة، ولابد من القول إن زمن الرواية هو زمن خديجة صدوق، وأن لغة الرواية لغة قادرة ومتحكمة ومتمكنة بلا شك، هي لغة غنية تفي بغرضها وفاء القادرين، وهي لغة شاعرية تمتح من بحر اليومي، ومن الشعري ومن العامية، ومن الصوفية أيضا، وليست الصوفية هنا، فقرا أو خرقا مهلهلة ولا زهدا، وإنما لغة الوجد والعشق، فلنقرأ ما جاء على ظهر الغلاف : "في عز الابتعاد والرغبة في النسيان اقتحمها وجوده استحوذت عليها ذكراه، ذكرى رجل جاءها ذات صيف كهبة نسيم في يوم قائظ جاءها وسط الإعصار ودوخة الأشياء والناس كان عائدا من سجنه وجرحه وعرائه احتضنته داخل خوائها وكمد السنين من حولها
كان بها شوق إلى واحة تستريح في ضلالها من عناء المشي لعدة أعوام في بيداء جف فيها عودها وألبستها في قحطها قحطا، ومن لون ترابها ترابا ملأ ثغرات أحدثها آخر، واختفى كأنه لم يأت يوما لم يترك رسالة وداع ولا أدنى علامة على نية الانسحاب
ترك فوضى عارمة بداخلها لا يستقيم فيها إلا جرحه كأنه لم يشكو يوما من الجراح ".
أعتقد أن رواية"عودة الرياح"نص مهم جدا إلى جانب إمتاعه، فهو متميز، وكاشف ومضيء لحساسية الكاتبة وراؤها وهمومها.
والرواية في بعدها الإبداعي قيمة مؤكدة، بلا شك، ستنضاف إلى مجمل الكتابات الجيدة التي أثرت المشهد الثقافي المغربي.