موضوع أطروحة جامعية تقدم بها حسن نجمي

الحداثة والإبداع العربي والإسلامي

الإثنين 10 يوليوز 2006 - 15:46
حسن نجمي

ناقش الشاعر حسن نجمي، بالمكتبة الوطنية بالرباط، بحثا لنيل شهادة الدكتوراه في الأدب العربي في موضوع "غناء العيطة : مساهمة في دراسة الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية بالمغرب".


وجاء في المداخلة التي تقدم بها الباحث أمام لجنة المناقشة أن العَيْطَة فن بالأساس، فن شعري وفن موسيقي غنائي، لكنه فن تمت صياغته اجتماعياً شأن كل تعبير فني شفوي وكل تعبير فلكلوري، ولا أميز بهذا الخصوص بين ما هو تعبير فني وما هو فلكلوري، كما فعل الأستاذ عبد الله العروي في كتابه الشهير "الإيديولوجيا العربية المعاصرة"، وهو تمييز قابل للنقاش، فمن جهة، لا يمكننا أن نجرد الفلكلور من صفة التعبير الفني، ومن جهة أخرى لا يمكننا أن نربط الفلكلور بصفة "التخلف الاجتماعي"، مقابل التعبير الفني "الذي يهدف إلى جبر النقص"، أي "يشحذ الوعي الفردي والجماعي"، كما لو أن الفولكلور لا يفعل ذلك.

لقد انشغل الباحثون في حقل الدراسات الفلكلورية والتراث الأدبي الشفوي بتشييد أنساق منهجية أو بتكييف المناهج المتوافرة مع خصوصيات وسمات أشكال التعبير الفلكلوري والشفوي، والواقع أن المنهجية البنيوية هي التي كانت قد استأثرت أكثر بالاهتمام النظري والتحليلي والنقدي، نظراً لميل طبيعي وضروري لدى هؤلاء الباحثين إلى الإحاطة بعناصر التماسك التي يتوفر عليها المنطق الداخلي الخاص بكل شكل تعبيري، لكن هذه السطوة البنيوية لم تستجب مع ذلك لحاجة الباحثين إلى فهم السيرورة التاريخية أو الأطر والسياقات السوسيوثقافية لهذه الأشكال الفنية والجمالية الشفوية، من هنا، لاحظنا ميلاً متنامياً لدى الباحثين.

خاصة منهم الأنثروبولوجيون والإثنوغرافيون والإثنوموزيكولوجيون، نحو المقاربة الوظيفية للآداب الشفوية، وذلك لوصف وضبط مستويات العلائق بين التعبير الشعري والموسيقي والحاجات السوسيوثقافية و(التاريخية إلى حدّ ما)، بمعنى، محاولة فهم "الطريقة التي يدرك بها الشعب نفسه"، من خلال ما ينتجه من متون ونصوص وأشكال وطرائق تعبير واحتفال وفرجة، وبالتالي، فإن هذه المقاربة رغم اهتمامها أساساً بالتجربة الثقافية والاجتماعية للتعبير والتمثيل الشفوي، لم تهمل مع ذلك مكتسب المقترب البنيوي الذي يولي الاعتبار للأنساق الداخلية لكل تعبير أو تمثيل، ولذلك، فإن كل مقاربة منهجية للتعبيرات الشفوية لا يمكن أن تغفل عن المحددات والأبعاد الأجناسية التي بإمكانها أن تسعف على التصنيف والتنميط المُورْفولُوجيَّيْن، ومن ثمَّة، فبالقدر الذي علينا أن نهتم بملفوظ المبدعين التقليديين وبوصفهم لنظام تعبيراتهم الشفوية، بقدر ما علينا ألاّ ننساق أمام التسميات التي يطلقونها، عادةً، على هذه الأشكال التعبيرية، خصوصاً عندما تكون مضلّلة وتترجم مواقف انطباعية حسية بسيطة أو نزوعات عشائرية أو شوفينية.

فالباحث مطالب ببناء رؤية تركيبية إلى الأشكال أو الأنماط على أساس الأنساق والعناصر التكوينية لكل شكل، أي أن مهمة الباحث بهذا الخصوص هي استنباط البنية التي توجد داخل خطاب شفهي لايكون فيه المتلفظ ـ سواء كان راوياً أو مغنياً ـ والسامعون بالضرورة مدركين وواعين بهذه البنية بهذا المعنى، يمكننا القول بأن المَيزات البنيوية لعدد من أشكال التعبير العَيْطي، الشعري الغنائي، الموسيقي التقليدي، تكشف ـ كما سنرى ـ عن وحدة النوع وتعدد الأنماط، وحدة الأصل وتشظّي الفروع، وسواء احتكمنا إلى البناء الشعري، أو النسق الموسيقي، أو إن شئنا الاستناد إلى المستوى اللساني(الصوتي، التركيبي، الدلالي)، أو قمنا برصد علائق المتون مع السياقات التاريخية والثقافية والاجتماعية، أو أنجزنا خريطةً للتِّيمات المركزية…، سنجد أنفسنا أمام نوع مركزي واحد وحيد تتعدد مظاهره وظواهره وأشكال عرضه وتمثيله، وأحياناً معاجمه ونبراته اللهجية، هل أمتلك الحق ـ هنا والآن ـ لأؤكد بأن العَيْطَة كنوع (جنس) لا تضللنا أسماؤها المتعددة عن نواتها المركزية الصلبة الكامنة وراء التعدد والفروق البسيطة بين الأنماط التي تشكل نفس الفسيفساء، وأكثر من ذلك، فإن بعض التكوينات والعناصر الشعرية أو الموسيقية في العَيْطَة التي قد تبدو للبعض كملكية إثنية أو قبلية، محلية أو جهوية معينة ومحددة، إنما هي تكوينات جوهرية في التعبير العَيْطي ككل بالمغرب، بَلْ إنها تكوينات غالباً ما تكون حاضرة في تعبيرات شعرية وموسيقية شفوية إنسانية أخرى تتجاوز حدود المغرب.

والأمر شبيه بما يحدث في الحكاية الشعبية، إذ يتصور المغربي أن حكاية شعبية سمعها من جدته لن تكون إلا حكاية مغربية، ثم يكتشف أنها هي نفسها التي تحكى في حضارات متوسطية أخرى، بل وفي جغرافيات ثقافية وحضارية بعيدة، مع اختلافات بسيطة في أسماء الشخصيات أو أسماء الأمكنة، أو ما شابه ذلك، بينما تظل "مورفولوجيا الحكاية" هي هي، ومن هنا حاجتنا القصوى إلى دراسات إثنوميزوكولوجية مقارنة بين التعبير العَيْطي في المغرب وتعبيرات شعرية موسيقية شفوية في بلدان أخرى، عربية وغير عربية، لندرك حجم التشابهات التي يعتبرها من ليست له نظرة واسعة خصائص محلية ملتصقة بهوية محلية، وفي ذلك خطأ بيِّن، واليوم عندما نتأمل تحققات الفعل الإبداعي العيطي، حيث يتحقق كنص شعري، وكنص موسيقي، وكغناء، وكرقص، ثم يتحقق أيضاً كعناصر مصاحبة ومحيطة (السياق، الزمن، الجمهور)، فضلاً عن تحققه المتواصل على مستوى التلقي والامتدادات، أي كنص فرجوي مركب مما هو شعري، وما هو جمالي، وما هو اجتماعي وثقافي، لا يبدو لنا من محيد منهجي عن الإمكانات التي يتيحها علم موسيقى الشعوب LEthnomusicologie للإمساك بكل هذه التحققات، ولتظل هناك إمكانات أخرى أمامنا كي ننفتح على المجرى التاريخي للعيطة، وكي نظل على صلة بالجغرافيا الثقافية لهذا التعبير، وبمختلف تخاطباته وتعالقاته، وأوضاعه التلفظية، ووضعه الاعتباري وأنساقه الدلالية والرمزية.




تابعونا على فيسبوك