الجسد الأنثوي وحلم التنمية، إنها امرأة تذوب

زينب معادي : المرأة تنتهك حقوقها وهي في أحشاء والدتها

الأربعاء 21 يونيو 2006 - 12:03

وضعت الأستاذة والباحثة الاجتماعية زينب معادي يوم الجمعة الماضي كتابها الجدبد "الجسد الأنثوي وحلم التنمية، إنها امرأة تذوب". وذلك بمقر الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة بالدارالبيضاء.

قدم الأستاذ عبد اللطيف جهاد في بداية هذا اللقاء الفكري قراءة شمولية عن هذا الإصدار، ابتداء من عنوانه الذي يختزل حسب جهاد، أبعادا غير تلك التي ألفها القارئ في تصور جسد المرأة، بحيث اعتمدت المؤلفة النظر إلى هذا الجسد من زاوية كونه مخزونا اجتماعيا وثقافيا لا مطمعا غريزيا وشهوانيا، متساءلة في ما تلا صفحات هذا الكتاب عن الأسباب التي كانت ومازالت تقف أمام إمكانية تجاوز تلك الرؤية التي تعتبر هذا المخزون عائقا أمام إثبات كينونتها قبل الحديث عن بلوغ بعض حقوقها .

فعبارة "امرأة تذوب"، يقول هي عبارة بالغة القسوة والدلالة، إذ تنبه الأستاذة من خلالها إلى الواقع الأليم للمرأة القروية التي تظل يوميا تتقطر مثل الشمعة، وتحترق إلى حد الذوبان في محاولة لإرضاء الآخرين إلى أن، تنطفئ وتخبو نهائيا.

أما العنوان الثاني للدراسة فهو قراءة في التصورات عن الجسد الأنثوي بمنطقة الشاوية الذي يحتزل في حد ذاته الأطروحة الأساسية للكتاب، فمن خلال معاينتها لواقع المرأة القروية اكتشفت الباحثة وجود هوة كبيرة تفصل بين خطاب النهوض بأوضاع المرأة في الوسط القروي، وبين واقعها المعاش، وهو ما انعكس سلبا على واقع المرأة القروية التي تظل رغم حجم المجهودات المبذولة في هذا الإطار، الفئة الأقل استفادة من برامج التنمية على الصعيد الوطني، وهو ما تؤشر عليه معدلات محو الأمية وتنظيم الأسرة التي لم تعرف تحسنات كبيرة تذكر، مما يطرح السؤال حول أسباب مقاومة النساء القرويات لمثل هذه البرامج؟ وعما إذا كانت هذه المقاومة تعبيرا عن رفض المرأة القروية لمؤشرات العصرنة والتنمية ذاتها؟ أم أنها راجعة بالأساس لغياب خطاب تنموي يعكس تطلعات هذه المرأة وحاجياتها الفعلية.

للإجابة على هذه التساؤلات يشير جهاد، كان اختيار الباحثة الجسد الأنثوي مدخلا لرصد المرأة القروية والكشف عن العوائق التي تحول دون تطورها والنهوض بها، ولعل من بين المفارقات الأساسية التي وقفت عندها الدراسة هي تلك المتمثلة في كثافة مفرطة في استخدام الجسد الأنثوي القروي، يترجم اجتماعيا في حضور بارز لهذا الجسد على مستوى الأدوار، وتغييب واضح على مستوى المكانات التي تعطى للمرأة القروية داخل المجتمع، ذلك أن ما تقوم به النساء القرويات من أنشطة إنتاجية وأعمال سواء داخل المنزل أوخارجه، يصنف عادة في عداد الأنشطة غير المنتجة وغير المعترف بها اجتماعيا حتى من قبل الإحصاءات الرسمية، الأمر الذي يؤثر سلبا على أوضاعها القانونية والسياسية، وينعكس بالضرورة على مكانتها الاقتصادية والاجتماعية.

إن واقع المرأة القروية يؤكد الأستاذ هوالذي دفع معادي إلى البحث عن الأسباب والخلفيات التي تساهم في هذا الوضع وتقف عائقا نحو تحررها وانعتاقها، وهو ما لخصته عدة أشكال مما اسمته "الكتابة الثقافية على الجسد" .
وأعطت الأستاذة زينب معادي من خلال كلمتها أمثلة كثيرة للحيف الذي تتعرض له المرأة، واستدلت على ذالك، ببعض الصعوبات التي لاقتها أثناء قيامها بهذا البحث الميداني، والذي شمل منطقة الشاوية، مؤكدة اضطرارها لإلغاء بعض الدواوير من دراستها، نظرا لاستحالة ملاقاة نسائها بعيدا عن ضغط الرجل ومقاومته.

وأضافت زينب معادي في محور آخر أن المرأة تنتهك حقوقها وهي في أحشاء والدتها لتكرس هذه الدونية والإجحاف بعد الولادة من خلال إسناد أعنف الأعمال وأرهقها لها وغير المعترف بمردوديتها في نفس الوقت، على عكس الرجل أو الفتى الذي يعد عنصرا فاعلا منتجا وذو مردودية، وفي هذا الصدد، نادت المتحدثة بضرورة فتح نقاش طويل عن مفهوم الإنتاج في تأطير وضعية المرأة عموما والقروية على وجه الخصوص، وهل أهمية هذه الأخيرة تبقى رهينة مدى قدرتها على الإنجاب والإخصاب، أم أنها أبعد في معانيه عن هذا المفهوم الضيق.

لقد توصلت الدراسة، بعد استقرائها لمختلف التصورات السائدة المتعلقة بالكتابة الثقافية على الجسد الأنثوي، ومن خلال مساءلة تمثل المرأة القروية لجسدها والوقوف عند دلالة بعض التعبيرات الصامتة لهذا الجسد إلى جملة من الخلاصات الأساسية لخصتها الكاتبة في مايلي : إن الوشم الثقافي الذي يسم الجسد الأنثوي القروي في مختلف مراحل تكونه، بدءا بمرحلة ما قبل الولادة وإلى آخر فترات العمر، يتسم بطابع التمييز وبالتحديد القبلي للمكانة الاجتماعية للمرأة القروية، وهذا الوشم لا يتحدد بناء على خصائص خالصة للجسد بل انطلاقا من خصائص موروثة تسكن التمثلات والإدراكات يتم تحويلها في النهاية لخاصية بيولوجية، ثم لمكانة اجتماعية، ويعتبر هذا عائقا أساسيا يحول دون تمتع المرأة القروية بحقوقها المدنية كاملة مما يجعل أي حديث أو خطاب يسعى لثني النساء القرويات من خلال خصوبتهن ومن خلال جسدهن بشكل عام.

كما ان التصورات والإدراكات المتعلقة بالجسد الأنثوي في المناطق القروية تلعب دورا أساسيا في تشكل السلوك الصحي للمرأة القروية، ومن أبرزها سمات هذا السلوك الذاتي في تدبير المرض استمرار النساء القرويات، عكس الرجال، في تحمل أعراض المرض إلى أن يصبح الجسد في أقصى حالات "استترافه"، وذلك لأن التصور السائد عن قيمة الجسد الأنثوي القروي يجعل من المرض منطلق تغيير سلبي في وضعية ومكانة المرأة القروية.
وأكد جهاد أن تركيزالمقاربات الجديدة للتنمية على أهمية العنصر البشري لا يجب أن تمس فقط المنتج اقتصاديا، بل كذلك العنصر البشري الذي يحس بإنسانيته، ويعبر عنها في مظاهر الفرح أيضا.

وفي هذا الصدد تضيف زينب أن الاهتمام بالفرح والاعتناء بالجسد يمكن ان يساعد على خلق وعي جديد لدى المرأة بذاتها من خلال التصالح مع جسدها، مما سيكون له انعكاسات إيجابية بالضرورة على حياة الأسرة.
وقد بينت الدراسة أن تحركات جسد المرأة القروية في المكان العام مازالت تحيط به مجموعة من القيود والضوابط التي تحد من حركته وحريته، مما يستدعي إحداث تغيير في مواقف المجتمع من جسد المرأة لجعل المكان العام فضاءا مفتوحا أمام الجميع دون تمييز
واستطرد جهاد بالقول إن الدراسة التي قامت بها زينب تشكل في حد ذاتها إضافة نوعية مهمة في مجال الدراسات السوسيولوجية لكونها انطلاقا.

وخلافا لدراسات كثيرة في هذا المجال تنبه إلى وضعية النساء اللواتي، وإن كن يشكلن الفئة الأوسع داخل المجتمع إلا أنهن ما زلن الأكثر تضررا من كل مشاريع التنمية، مما يجعل من النهوض بأوضاع المرأة المغربية، خصوصا القروية، ورفع مختلف أشكال التهميش الذي تعانينه داخل المجتمع، أحد المداخيل الأساسية لحل المعادلة التنموية ببلادنا، ومن تم تحتل أهميتها في كونها لا تقف عتد الرصد الشمولي لأوضاع المرأة في أبعادها العامة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل تبحث في بعد أساسي يبدوأنه مازال مغيبا أو على الأقل لم ينل حقه من البحث والدراسة في مجال سوسيولوجيا التنمية، وهو جسد المرأة.

يشار إلى أن الاستاذة زينب معادي حاصلة على دبلوم الدراسات العليا، (دكتور السلك الثالث)، تخصص علم الاجتماع سنة 1986، وفي عام 2002 حصلت الدبلوم في علم الاجتماع من كلية الأداب والعلوم الانسانية جامعة الحسن الثاني البيضاء ـ المحمدية
كما أنها تعتبر من المناضلات في الحقل الاجتماعي، إذ من 1989 إلى الآن وتعد عضوا مؤسسا بالمنطقة المغربية لحقوق الإنسان، وعنصرا فاعلا بالجمعية العربية بعلم الاجتماع.

هذا علاوة على أنها شغلت منذ 1999 إلى 2004 منصبا بمجلس الأمناء ومسؤولة عن لجنة حقوق المرأة بالمنطقة العربية لحقوق الإنسان.
صدر للمؤلفة زينب عدة كتب ودراسات من بينها "الأسرة المغربية بين الخطاب الشرعي والخطاب الشعبي" المرأة بين الثقافي والقدسي"و"جنسية أبناء المرأة" و قامت بدراسة حول "مكانة المرأة في مؤسسة الأسرة"، التي نشرت في كتاب مشترك تحت عنوان "الحق في المواطنة لنساء المغرب العربي".




تابعونا على فيسبوك