هذا كتاب لن يروق لذوي النزعة السياسوية المفرطة، سواء كانوا محسوبين على التيارات العلمانية أو الإسلامية الحركية، على اعتبار أن صاحبه، خالد حاجي، يتبنى بشكل صريح وجلّي خطابا أخلاقيا في التصدي لبعض قضايا الساحة العربية والإسلامية والعالمية خالد حاجي.
"من مضايق الحداثة إلى فضاء الإبداع الإسلامي والعربي" المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء الطبعة الأولى 2006، 211 من الحجم المتوسط على أن هناك معطى آخر، يضفي المزيد من الرصانة والجدية على ضيف هذا العرض، ويكمن في تنويه المؤلف بمشروع الفيلسوف المجدد طه عبد الرحمن، ويكفي أن نعلم أن عنوان الفصل المخصص لأعمال د.طه، هو عنوان الكتاب في آن، في إشارة غنية عن أي تعليق أو تأويل.
جاءت عناوين الكتاب كالتالي: محاولات النهوض بين منطق الإلحاق وإمكانات التجاوز، قضية المرأة: من منطق الضحية إلى سلطة الجلاد، مستقبل الإنسان بين الغيبوبة الثقافية ومُخطط الانتحار الحضاري، الوعي العربي الإسلامي وذكرى مايو 1968، نظرية الصراع الحضاري: من الثورة إلى القَومة، الحكمة والتداخل بين الفكري والأدبي، من مضايق الحداثة إلى فضاء الإبداع الإسلامي والعربي : طه عبد الرحمن نموذجا، التنمية: مطلوب لا يُلحَق.
نقد طرابيشي وعلي حرب
يشتغل المؤلف في الفصل الأول على تقييم أطروحات رواد النهضة العربية الإسلامية، مؤاخذا على جورج طرابيشي، عدم قدرته على مساءلة البرامج الإنمائية الإنسانية المجردة عن المرجعيات الثقافية المختلفة، مما ينهض دليلا على أن ما يُبشِّر به من فكر منعتق لا يرقى إلى مستوى تصور نهضة عربية دون الإحالة إلى تقدم الآخر، فعبثا يحاول طرابيشي أن يقنع نفسه بكونية الحضارة حتى يجد مسوغات لاقتباس منطق العولمة وتثبيت دعائم الحداثة في مواطن ثقافية متعددة بالنسبة لعلي حرب، ومن منطلق انتمائه إلى أصحاب الحداثة، فإنه يراهن على ثورة العقل من أجل موافقة الغرب ـ أي المراهنة على محاربته بأسلحة من جنس أسلحته ـ مُقترِحا الذوبان في تاريخ الغرب بِقصدِ بلوغ مستوى الخَلق والابتكار، وبَيِّن أن كلا الطرفين عاجز عن التفكير والحياة خارج إطار الحداثة والنهضة الغربيتين.
ولعل قارئ "حديث النهايات" ـ أحد مؤلفات علي حرب ـ تستوقفه عبارات لا حصر لها تدل على انبهار قلما نصادفه عند مثقف أمام منجزات العولمة، مجددا التأكيد على أن الاعتراض على العولمة هو في جوهره اعتراض على أصولها الميتافيزيقية ـ بيت القصيد المسكوت عنه في مأزق المرجعية ـ وتعبير عن رغبة صادقة في الخروج من تاريخ الغرب، هذا التاريخ الذي يعتبر محق الغيب ونفي الطبيعة شرطين أساسيين من شروط تحققه.
يراهن أصحاب الحداثة على ثورة العقل والمراهنة على محاربته بأسلحة من جنس أسلحته، ويقترح هؤلاء، مُمَثلَين في شخص علي حرب، الذوبان في تاريخ الغرب بقصد بلوغ مستوى الخلق والابتكار.
وبَدَهِي أن كلا الطرفين عاجز عن التفكير والحياة خارج إطار الحداثة والنهضة الغربيتين
لا يسلم إدوارد سعيد من نقد المؤلف، ونقصد المرجعية الفكرانية لصاحب "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية"، فعلى غرار المأزق الذي سقط فيه الكثير من مثقفي مرحلة ما بعد الاستعمار، يؤاخذ المؤلف على الراحل السقوط هو الآخر في فخ الغرب من حيث أراد أن يتحرر منه.
لقد استدرجه الاشتغال بمنطق الثورة على الغرب من داخل الغرب إلى الاندراج في منظومة هذا الغرب إلى درجة التماهي، فأصبح خطابه الثائر في الأصل لا يمد الإنسان العربي بما يكفي من أسباب المقاومة والصمود.
وإذا كان هذا هو حال الخطاب الذي أنتجه الإنسان العربي العارف بباطن أمر الغرب وتاريخه، المُتَبحِّر في واقعه، يتساءل حاجي، فكيف يكون حال خطاب أنصاف المثقفين المُتشدقين ممن لم يخبروا حقيقة الغرب إلا عن بعد وعبر توسط ترجمات اتباعية رديئة في أحسن الأحوال؟ لقد ذهب هؤلاء مذهبا ملتويا فأنتجوا خطابا ملؤه التناقضات، يصرحون بالرغبة في الانعتاق من أَسرِ الغرب ويُضمِرون التقديس لعلومه ومؤسساته ومنجزاته، يحسبونه المُجَسِّد الفعلي للتطور التاريخي، ويُخَيَّل إليهم من فرط الغفلة والتبعية ـ ويقصد تبعية المغلوب للغالب ـ أن هذا الغرب يقف على قاعدة كلية مطلقة لا يأتيها الباطل بحال، وبقدر ما يضمرون التقديس للغرب، يصبون جام غضبهم على المشرق مُمَثلا في إنسانه، وفي دينه، وفي تقاليده، وفي تخلف "جاهزيته الثقافية" وفي خلوه من العقلانية.
ولا تنقصنا الأمثلة المُجسدة لرموز تيار أبدع في تكريس في بدعة "العمالة الحضارية"، بتعبير المفكر المصري أنور عبد الملك إن مآل هذا الخطاب الناقد للعقل العربي، المبخس للذات العربية والإسلامية هو الفشل الذريع في مخاطبة القوى الحية في المجتمعات التي يتحدث باسمها.
وإن شأن أصحابه هو شأن جملة مثقفي حقبة ما بعد الاستعمار الذين يجعلون سقف طموحهم هو أن يصيروا غربا آخر وأن ينتزعوا الريادة منه فينصبوا أنفسهم محله
إنهم يطمعون في أن تصير الضحية جلادا وهذا ضرب من المحال نقد الكاتب لطرابيشي وحرب وسعيد وغيرهم بالطبع، يحيلنا على إشكالية كبرى تؤرق الجهاز المفاهيمي لأغلب ما تحرره الأقلام العربية والإسلامية.
نتحدث تحديدا عن إشكالية المرجعية، ولطالما أكدنا في معرض تحرير قراءات تقريرية أو نقدية لهذا العمل أو ذاك على ضرورة الحسم في مرجعية أعمال عمرو أو زيد حتى تتضح الأمور أكثر، وحتى نكون صرحاء، مع ذواتنا على الأقل، في تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية، دون رتوش أو لف أو تقية أو ازدواجية مرجعية المؤلف جلية وصريحة، على خلاف مرجعيات العديد من أقلام البلبلة الفكرية والدعاية الفكرانية السائدة في الساحة المغربية والعربية والإسلامية للأسف الشديد
نقد الغيبوبة الثقافية الغربية
يلاحظ الكاتب أن عالم الصناعة الذي لا يبلغ الكمال إلا في المستقبل هو جوهر مقولة التطور وهو مظهر رئيس من مظاهر الغيبوبة الثقافية التي يعاني منها الغرب، فإذا كنا بفعل الاحتكاك مع الغرب نهرب نحو الماضي، فالغرب يهرب نحو المستقبل.
وكلانا مغترب على طريقته، في تكريس عملي لمبدإ النقد المزدوج الغائب قي أعمال أقلام اليوم، مضيفا أنه متى ما استطاع عقلاؤنا أن يجردوا "العلم" التقني الصناعي من جذوره المعرفية الطوبوية والمغيبة للغيب، حق لهم الاشغال به، ومتى جهلوا بالجذور المعرفية لهذا العلم، صَعُبَ عليهم الإبداع العلمي وانغمسوا في تقليد الغرب وتكريس التبعية له من حيث يظنون أنهم يواجهونه.
ولما كان سقف الطموح العربي الإسلامي يقف عند بلوغ ما يوجد في الغرب من التقانة والصناعة، خَفِيَ على المشتغلين بالعلم في بلادنا ما يشين العلم الحديث من نقائص وغاب عنهم ما يتوفر عليه الغرب ذاته من نقد لامع للتكنولوجيا ومن تنبيهات لا حصر لها من مغبة الانسياق وراء هذا العلم بأعين مغلقة، ثم سَهُل عليهم تبرير الدعوة إلى اقتباس كل مُكتشَف تكنولوجي مهما كانت عبثيته، وصَعُبَ عليهم المساهمة في التقويم الثقافي للاعوجاج الصناعي.
ولأن العديد من الأقلام العربية، وخاصة تلك المعنية بالتعليق والتعقيب على تقارير التنمية البشرية إياها، تتخذ من الحالة اليابانية النموذج الأبرز في الاقتداء، فإن المؤلف يتوقف بالذات عند هذا النموذج الحلم، ملاحظا بداية أن الثقافة اليابانية دخلت هي الأخرى في نوع آخر من الغيبوبة الثقافية، فلقد جَنَّدَ اليابانيون طاقاتهم الإبداعية وحددوا لأنفسهم هدف هزم الغرب تقنيا في عقر داره، فأصبحوا قمة في الاغتراب، يوظفون أعظم المنجزات التكنولوجية لأتفه الأغراض ويبتكرون الآلة بعد الآلة وهم يحطمون مع كل آلة جديدة مهارة إنسانية أو اجتماعية أو نفسية.
أما المجتمع الياباني، فقد أصبح قمة في الاغتراب داخل عالم الصناعة، يولون الظهر إلى الشواطئ الطبيعية وهم يتطلعون إلى بحر اصطناعي وأمواج اصطناعية وشمس اصطناعية.
ولقد أخطأ من قال بضرورة استلهام التجربة اليابانية في العالم العربي، لأن اليابان صار غربا، يدين بمنطقه وينغمس من أصابع رجليه حتى شعر رأسه في مرجعيته الاستهلاكية الليبرالية بعيدا عن روح الحكمة الشرقية.
وقد حصر معنى الثقافة لدى اليابانيون في اقتناء أغلى اللوحات الأوروبية وفي ترويض أطفال في سن الرابعة على عزف مقطوعات بتهوفن، وهنالك ضرب آخر من ضروب الغيبوبة الثقافية هو الذي كان وراء ما لحق الهنود الحمر والإسكيمو من أمراض جنسية معدية ومن إدمان على الخمور والمخدرات، أضعفت نسلهم وجردتهم من قدراتهم على المقاومة والاستمرار في الحياة في وسطهم الطبيعي وقد توقف المؤلف مليا عند قصة التقاء الرجل الأوروبي بالهنود الحمر لما لهذه القصة من دلالة عميقة تعكس علاقة الغرب بالثقافات الأخرى عموما.
وضمن نفس الرؤية النقدية المزدوجة، يٌندد حاجي بالمسؤولية الذاتية للعرب والمسلمين، في تكريس "التهميش الحقيقي لحضارتنا ولديننا ولأنفسنا"، حيث يعتبر أن مصدره دواتنا وتقاعسنا أولا وقبل كل شيء، متوقفا مثلا عند طبيعة التناول الإعلامي العربي لذكرى مرور ثلاثين سنة على اندلاع ثورة 68، ومُستنتِجا أننا "لا نملك الشجاعة الكافية لنتحول إلى دارسين لتاريخ الغرب ولحضارته".
حاجة الحداثة إلى عبادة
في تقاطع مع أطروحة "الزمن الأخلاقي الإسلامي" لطه عبد الرحمن، يرى خالد حاجي أن المسلمين مدعوون أكثر من غيرهم إلى التكَفُّل بما يصفه "التأطير" الروحي لحركات الاحتجاج ضد النزعة المادية التسلطية المفصح عنها في الخطابات الاقتصادية والسياسية والفلسفية والعلمية المتحدثة باسم الغرب، حتى أنه يقرأ ظاهرة "الهيبزم" و"البانك" بمثابة تعبير عن تضايق الإنسان الغربي داخل فضاء الحداثة وتشوف إلى طريقة أخرى في مزاولة الحياة وممارسة الوجود، مُلاحِظا أن الصراع الحقيقي اليوم هو تدافع ما بين قوى تستند إلى مرجعيات مختلفة : إما إلى مرجعية دينية تُملِي على الإنسان طلب ترسيخ الذات الإنسانية في الكون مع تحصيل المَعِيَّة الإلهية، وإما إلى مرجعية حداثية غربية تستحدث الإنسان على طلب ترسيخ الذات الإنسانية في تنكر تام للذات الإلهية.
وتتمخض عن هاتين المرجعتين الدينية الفطرية والحداثية الغربية مجموعة من التصورات المتضاربة والقيم والسلوكيات المتصادمة والمرجعية الدينية إجمالا، ومنها مرجعية المسلمين بالتحديد، تستند في تأسيسها إلى صوت النبوة، فلذلك نجدها مرجعية تقيم وزنا للغيب، لا تجعل من المعرفة وسيلة للإحاطة بالمجهول ولجعل كل ما يقع متوقعا فكلما عزف الإنسان المصغي لصوت النبوة المؤمن بالغيب عن الاشتغال بالمعرفة التي تدعي الإحاطة بالواقع والمتوقع، يؤسس لضرب من المعرفة يمتزج فيه النزوع الفطري نحو بسط النفوذ الإنساني على الواقع والمتوقع بالنزوع التعبدي نحو طلب التسديد في القصد والتأييد في الفعل من القوة الإلهية التي يسع علمها كل شيء.
في آخر محاضرة له حول عوائق الحداثة، أشار المفكر المغربي عبد الله العروي بشكل لا لبس فيه إلى عائق مجتمعات عربية ومسلمة لا يمكن أن تكون حداثية لأنها تلجأ إلى الغيب في معيشها اليومي. لا نظن اليوم، يضيف حاجي في إشارة دالة، أن نجد صرخة أقدر من صرخة "الله أكبر" و "الله أعلم"، على التعبير عن الرفض لمنطق الاستعلاء المضمر في "نسقية" العولمة والنظام الذي يُبَشِّر به أصحابها، ومن هنا تبرز مسؤولية المسلمين اليوم أمام تحديات الساعة، ويصفها خالد حاجي بالمسؤولية المزدوجة، أو الدور المزدوج: فعلاوة على ضرورة صدهم "للغرب المباسل" الذي لا سبيل إلى التحاور معه، عليهم إيقاظ العالمين، بما فيهم الغربيين وتذكيرهم بحاجة الحداثة إلى عبادة يؤاخذ خالد حاجي على العرب والمسلمين عدم امتلاك الشجاعة الكافية لأن يتحولوا إلى دارسين لتاريخ الغرب ولحضارته.