"أتصور أن هذا الكتاب إضافة مهمة للمكتبة المغربية، وتعميق للتفاهم بين المغاربة والإسبان"، هكذا أوجز محمد العربي المساري حيثيات كتاب "مغاربة في خدمة فرانكو"، للأستاذة مارية روسا دي مادارياغا.
وكان محقا في ذلك، كما كان محقا في تنبيه القارئ، إلى أن الكتاب يخوض في موضوع في منتهى الدقة خلَّفَ التباسات ما زالت قائمة، ويتعلق الأمر بمشاركة الجنود المغاربة، في الحرب الأهلية الإسبانية 1936 ـ 1939، التي قادهم إليها الجنرال فرانكو، حينما تَمَرَّدَ على الحكومة الشرعية، انطلاقا من الأراضي المغربية، التي كانت خاضعة للنفوذ الإسباني.
نحن في ضيافة مارية روسا دي مادارياغا من خلال كتابها الموسوم بـ "مغاربة في خدمة فرانكو" ترجمة كنزة الغالي، منشورات الزمن الرباط، سلسلة ضفاف، الكتاب العاشر الرباط الطبعة الأولى 2006، 301 صفحة من الحجم الكبير، ومعلوم أن المُتتبع المغربي تعرف على الأستاذة مارية روسا دي مادارياغا، حينما نشرت في جريدة إيل باييس يوم 17 يوليوز 2002 نبذة مُرَكَّزة حول صخرة تاورة (ليلى)، حيث وضعت الأمور في نصابها، وأوضحت بنزاهة علمية أن إسبانيا لم تمتلك الصخرة قط، وأما الخاصة والمطلعون في إسبانيا والمغرب، ومنهم المساري، فهم يعرفون الأستاذة مادارياغا، كخبيرة بالتاريخ المعاصر للعلاقات المغربية ـ الإسبانية، خصوصا الفترة الاستعمارية، منذ بداية القرن العشرين.
قد أولت الأستاذة دي مادارياغا لموضوع الريف والتحرك الإسباني في المغرب، عناية خاصة، باعتباره مفتاحا يمكن من التعرف على جذور سوء التفاهم المزمنبين المغرب وإسبانيا، ونشرت في العقود الماضية أبحاثا عديدة في هذا الصدد، آخرها كتاب صدر في نهاية السنة الماضية بعنوان El Barranco del Lobo) وهو عن حروب إسبانيا في الريف ضد الشريف أمزيان، وابن عبد الكريم.
برأي المساري، فقد كانت لتلك المشاركة غير المرغوب فيها من لدن المغاربة، مخلفات جد سيئة، بل خطيرة على صورة المغرب والمغاربة في الذاكرة الإسبانية، ومن جراء الالتباسات التي أحاطت بتلك المشاركة، ترسبت في تلك الذاكرة، من كلا الجانبين المتحاربين، صورة كريهة عن المغاربة الذين شاركوا في تلك الحرب، وتأتي المؤرخة دي مادارياغا اليوم، لتذكر بأن أولئك المحاربين كانوا قد اقتيدوا إلى تلك المعمعة بإرادة من فرانكو، الذي ذهب بهم إلى هناك، ولهذا اقترح صاحب التقديم عنوانا أكثر تدقيقا: "الموروس الذين أتى بهم فرانكو" وبداية، مع أولى فقرات الكتاب، توضع مادارياغا أن مشاركة الجيوش المغربية، خلال الحرب الأهلية سنة 1936، إلى جانب فرانكو كانت من بين العوامل، التي عملت على تأجيج وترسيخ الصورة المتجذرة، سلفا في المتخيل الجماعي لدى الشعب الإسباني، لتنضاف إلى تلك النظرة المرعبة والملتهبة مع مرور الزمن، والتي واكبت المواجهات بين المسيحية والإسلام، بالإضافة إلى الأحداث الحربية المتتالية بعد ذلك في أواسط القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كحرب تطوان 1859-1860، ومليلية 1909/1893، ثم حرب الريف 1921-1926.
استغلال الفقر والجهل ترى المؤلفة أن الفقر والظروف الاقتصادية، كانا في جميع المستعمرات، والمغرب من بينها، الدافع الأكبر وراء التسجيل في قوائم التجنيد، لقد كان توالي سنوات الجفاف والمجاعة، سببا رئيسيا في انخراط الكثيرين من قبائل الريف في القوات الإسبانية، وخلال فترات المجاعة كان الأهالي يأكلون جذور النباتات، وحتى جثث الكلاب التي هلكت من الجوع، وهذه تأكيدات مهمة من لدن المؤلفة، وتعمدت التوقف كثيرا عند البعد الاقتصادي الصرف في خلفيات لجوء "المورو"، للحرب تحت لواء فرانكو.
كما تعمدت سرد مجموعة من الشهادات والوثائق التي تزكي ذلك ـ ومنها شهادات شفوية من رجال عاصروا فترة عبد الكريم الخطابي، حصلت عليها أثناء زيارة قامت بها لدراسة مناطق الحماية الإسبانية في عشرينيات القرن الماضي ـ وضمن هذه الشهادات ما صرح به أدكتسون نائب القنصل البريطاني بتطوان، في رسالة له بتاريخ 14 دجنبر 1920، جاء فيها بالحرف: "عانت كل الجهة من المجاعة لغاية أنه سجلت حالات تسمم كثيرة وخطيرة، نظرا لأن الأهالي كانوا يأكلون حتى جذور النباتات السامة"، لقد مكنت ظروف المجاعة من تقدم الجنود الإسبان بقيادة الجنرال سلفستري في مناطق قبائل الريف، بعد تعيينه قائدا عاما لمليلية في يناير 1920".
رَوَّجَ الفرنكاويون للذهاب لإسبانيا، من خلال شماعة "قتل اليهود"، وذلك للقضاء على اليهود الماسونيين والماركسيين، وتؤكد المؤلفة أن قلة من المغاربة كانت على اطلاع بمعاني "الماسونية" و"الماركسية"، بعبارة أخرى، نحن أمام تداخل لمفاهيم سياسية ودينية تروم تحفيز الجنود المغاربة للقتال باستماتة، وفي ما يتعلق بما سُمِّيَ "استرجاع مسجد قرطبة"، فيندرج ذلك أيضا ضمن الخطاب الديماغوجي الذي كان يُرَوَّجُ له خصوصا من طرف القياد، الذين كانوا يستغلون أمية وجهل السكان.
يبقى العامل الاقتصادي إذا، من بين الدوافع الأكثر تحفيزا وراء تجنيدهم خصوصا خلال فترات الجفاف، ولم يكن ذلك مقتصرا على المغرب وحده، وكمثال على ذلك تورد مادارياغا، نموذجا يعود للفترة نفسها في إسبانيا، ذكره القائد المؤقت لجنود الكتيبة 1937/1936 مانويل هيديلا، أنه حينما أراد فرانكو في دجنبر 1936 أن يجند رجالا لتقوية جيشه.
كان يحتاج إلى عشرة آلاف جندي، وحينما توجه لهيرالدو جندهم من فلاحي غاليسيا هم فقراء، محافظون ومسيحيون عاشوا ظروفا اقتصادية قاسية وسنوات الجفاف بالنتيجة، انخرط المغاربة بكثافة في صفوف الجيش الإسباني وكان ذلك بسبب سنوات الجفاف الأولى 1934-1935، وظروف سنوات الحرب الأولى (1937) الأمر الذي سهل مأمورية القياد، وبالمقارنة مع راتبهم الشهري كانوا يتفانون لوضع أكبر عدد من المجندين رهن إشارة فرانكو.
وبالمقابل كان الجنود المغاربة يحصلون على الأكل والشرب واللباس والراتب وبما أن ظروف العيش كانت سيئة في الريف، فقد تجند عدد هام من الريفيين في صفوف فرانكو منذ البداية هربا من البؤس والفقر.
أسد الريف وخائن الريف ثمة سؤال طرح نفسه بإلحاح، في هذا الصدد : كيف أن جنودا قاوموا هم أو أبناؤهم إلى جانب عبد الكريم الخطابي ينخرطون بعد ذلك ليقاتلوا في صف جيش فرانكو الذي عمل على سحق مقاومة الريف سنة 1926 بِمَعِية الحماية الفرنسية؟ ألزمت إدارة الانقلابيين كل قائد من قياد المنطقة بتجنيد 500 جندي في قبيلته وقد برع بعضهم في هذه العملية سليمان الخطابي ابن عم قائد المقاومة عبد الكريم الخطابي.
لم تكن هناك أية قرابة بين الرجلين للفرق الشاسع بينهما وربما استمد اسماعيل لقبه من انتمائه فقط لقبيلة آيت خطاب، إحدى مشارب بني ورياغل، وفي الوثائق الأولى، قبل انتفاضة الريف، التي ذكرت الأصدقاء الموروس، ضمن ما أطلق عليه الحزب الإسباني بأجدير، ورد اسم سليمان حافيا، أو سليمان بن محمد وقد يكون نفس سليمان للتشابه في اسم الأب محمد ونذكر بأن مسؤول الحزب الإسباني بأجدير كان اسمه الشريف سي امحمد بورجيلة وكان منافسا له قبل ذلك والد عبد الكريم، أي قبل قطع علاقته بإسبانيا.
ليس هذا وحسب، فقد كانت الأخبار والمعلومات التي قدمها سليمان حول أجدير وبعض الأماكن الأخرى التي لم يكن للإسبان أي فكرة عنها، بالغة الأهمية بالنسبة لهم، ومنها معلومات عن صخور وخليج الحسيمة، على مشارف أجدير والصور التي التقطتها الطائرة كانت جد هامة في عملية إنزال الحسيمة في 8 شتنبر 1925، بحيث لم يكتف سليمان الخطابي بتقديم معلومات وأخبار هامة للإسبان، بل شارك في حركة مهمة خلال حرب الريف ضد ابن عمه عبد الكريم، وقد يكون استعماله للقب الخطابي بإيجاد من الإسبان أنفسهم لزرع البلبلة والشك بين القبائل خلال حرب الريف، وقارنوا بين الخطابي السيء (عبد الكريم) والجيد أو الطيب (سليمان).
يبقى سليمان الخطابي جنديا صديقا لإسبانيا نظرا للخدمات التي قدمها، قبل أن يُرَحَّل قسرا من الريف إلى جزيرة نكور هربا من بطش عبد الكريم الخطابي، وظل هناك محتميا بالاسبان الذين نقلوه إلى اسبانيا وأكرموه، ولم يعد إلى الريف إلا في نفس الليلة التي سَلََّمَ فيها عبد الكريم نفسه، حيث عُيِّنَ مباشرة بعد ذلك قائدا للمنطقة، جزاء على إخلاصه لإسبانيا، وعُيِّن بالتحديد باشا على مدينة الحسيمة.
وكصديق مقرب من فرانكو كان سليمان الخطابي أكثر القياد تعاونا، حيث جَنَّدَ أكبر عدد في جيش فرانكو سنة 1936 وظهر من بعده آخرون برعوا في ذلك أيضا بمنطقة غمارة مثل البقالي الصديق الحميم لكاباز أو الملالي باشا القصر الكبير، لكن يبقى القلائل مثله من تحركوا بكل حماس وكفاءة.
وبشهادة أبناء الخطابي (أسد الريف وليس خائن الريف)، فقد شعر بألم عميق من منفاه حينما سمع بانقلاب فرانكو ضد الجمهورية، وقد كان حزنه أعمق حينما عَلِمَ أن مرتزقة من الريف قد انخرطوا في صفوف جيش فرانكو، الأمر الذي دفعه إلى مراسلة وجهاء الريف يحثهم على القيام بدورهم ومنع الناس من الانخراط في القنوات المذكورة، لولا أن الأوضاع تطورت، بحيث لم يبق الوجهاء على عهده بهم، وأصبحوا كلهم من المتعاونين مع الفرنكاويين.
من الشهادات المُقرِفة الواردة في كتاب رائع، تلك الصادرة على لسان إحدى صغيرات أحفاد سليمان الخطابي، وتدرس بغرناطة، وتقول فيها للمؤلفة : "كان جدي إسبانيا أكثر من الإسبانيين وفرنكاويا أكثر من فرانكو وحقا، غريب أمر هذا الرجل، الذي بدا وكأنه يريد أن يمحي صورة الخطابي الآخر، أي عبد الكريم، ليتألق هو وحده كخطابي، لكنه لم يفلح الكل يعرف بأن الخطابي هو عبد الكريم وأن الآخر لم يكن إلا "باشا الحسيمة".
هنيئا لماضي الأندلس بدي مادارياغا نختتم هذا العرض بالتوقف عند إشارات متفرقة من الكتاب، وتهم الأولى موقف الحركة الوطنية في الشمال إزاء مشاركة مقاتلين مغاربة في صفوف فرانكو، والذي وصفته المؤلفة بالموقف البراغماتي، إذ أنهم وازنوا بين سلبية حكومة الجمهورية الإسبانية إزاءهم من 1931 إلى 1936، وبين الآفاق التي فتحت أمامهم حينما سمح لهم الجنرالات الانقلابيون بتأسيس حزب سياسي، والتحرك في المجالين السياسي بالداخل وفي مجال العلاقات مع المشرق.
وبالمناسبة، كما يلاحظ المساري، قدمت دي مادارياغا نبذة عن الحركة الوطنية المغربية وتوجهاتها الرئيسية لدى نشأتها، وهي معطيات قلما نُقِلت إلى القارئ الإسباني.
أما الإشارة الثانية، فتبعث على التقزز، مادمت مرتبطة بأعمال وحشية صدرت عن الجميع، وليس عن "المورو"، هناك أو الجنود الإسبان، لولا أن ازدواجية بعض المستشرقين تحول دون تمرير قراءات منصفة فيما وصفه يوما عبد الكبير الخطيبي بالنقد المزدوج.
وبيت القصيد هنا أن صور المورو أُلصِقَت بكل الأعمال البشعة، لأنها في نظر الإسبان لا يمكن أن يمارسها إلا متوحشون، حينما مُورِست في المغرب، كان يُنظر إليها على أنها طبيعية، لأنها ضد "همج"، لكنها لم تُقبَل في إسبانيا لأنها مورست في بلد متحضر وضد أناس "متحضرين".
كان الاعتداء والسلب والنهب والسرقة والعنف مكونا أساسيا للحرب في المغرب، وكذلك بتر الأعضاء والتنكيل بالجثث، وقد بقيت صحف تلك الفترة لمدة طويلة تنشر صورا من ذلك الصنف خصوصا خلال حرب الريف، مشاهد مقاتلين ريفيين مقطوعة رؤوسهم ومرفوعة فوق البنادق.
وفي شتنبر 1925، بعد إنزال الحسيمة، قام بريمو دي ريبيرا بجولة داخل وحدة الكتيبة الأجنبية فأبدى تفززه من منظر رؤوس الجنود المُعَلَّقة، وكان يكره السلوك من كلا الجانبين، لقد كان قطع الرؤوس والأذان والخصي أمرا متداولا بين النظاميين واللفيف الأجنبي لأننا في حاجة إلى عقد مصالحة مع ذات الآنا والجار، فلا يسعنا إلا أن نُجَدِّد التأكيد على أن مارية روسا دي مادارياغا اجتهدت من خلال عملها هذا، وأعمالها السابقة، في تعميق التفاهم بين المغاربة والإسبان فهنيئا لها بذلك.