مؤلف الكتاب هو باحث وأستاذ مادة الأنثربولوجيا في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية شوقي الدويهي، وله مساهمات عدّة وكتب أخرى، رصد فيها للحركة الاجتماعية في العاصمة اللبنانية بيروت، خاصة بعد التحوّلات الكبيرة التي شهدتها، في المرحلة التي تلت إعادة
وإذا كانت الكتابات التي تناولت مقاهي بيروت كثيرة، فإن أغلبها جاء صحافياً متعجّلاً، أو كاتالوجياً جافاً، من هنا تأتي أهمية محاولة شوقي الدويهي في كتابه هذا، لجهة انطلاقه من محدّدات مختلفة: علاقة المقهى بالمكان، هوية الزبائن، طبيعة أشكال اللهو التي تُمارَس فيه، كي لا يكون المقهى مرفقاً معزولاً عن تاريخ صاحبه وهويته، وطبيعة وظيفته، أو وظائفه.
يأتي كتاب "مقاهي بيروت الشعبية" مبتعداً عن النمطَين المعتادين في معالجة موضوع المقهى، أي المقالة الصحافية غير الخالية من انطباعية ما، وكتابة الكاتالوغ، أو الدليل السياحي إذاً هي محاولة تعنى بنواح متعددة في المقهى: هوية الزبائن، أشكال اللهو التي تُمارَس داخله، علاقته بمحيطه.
محاولة تعنيها التفاصيل، دفعت كاتبها إلى التفكير باعتماد ما سمّاه المعالجة التاريخية
أي رصف المقاهي واحداً تلو آخر بحسب نشأتها، قبل أن ينتبه إلى العوز الذي قد تعانيه هذه الطريقة في المعالجة، لأنها تأتي على حساب جملة من القضايا أراد الدويهي إبرازها
يقول الكاتب: "في هذا الصدد تبيّن لنا أن الكلام على المقاهي الشعبية باعتبارها نموذجاً واحداً هو كلام يحجب، في الحقيقة، الفروقات الكبيرة أحياناً بين هذا المقهى أو ذاك.
كما تبيّن لنا أن هذه الفروقات إنما هي في نهاية الأمر إنتاج الموقع الذي يقيم فيه المقهى، أو بكلام آخر الناظم لما يجري فيه" هكذا أمكن الكاتب أن يرصد نماذج أربعة للمقاهي الشعبية، وتالياً أمكنه تقسيم كتابه فصولاً بحسب هذه النماذج النموذج الأول للمقهى الشعبي هو الذي كان يقع في ساحات وسط المدينة.
وهنا يشرع الكاتب بداية في الكلام على تلك الساحات، مقترحاً ما يشبه التعريف لها، حاكياً عنه: ساحة البرج، التي يدعوها "أمّ الساحات"، ساحة رياض الصلح، ساحة الدبّاس، ساحة النجمة من ثم متحدثاً عن علاقة المقهى بالساحة، وفئات الزبائن والرواد، ودور المقهى كمحطة تربط المدينة بخارجها.
وبحكم هذا الدور، شكلت هذه المقاهي أمكنة يؤمّها بعض الأعيان والزعامات من المناطق النائية ولأنها على مراتب ودرجات فقد اختار هؤلاء أرفعها شأناً فعلى سبيل المثال وقع اختيار زعماء الشمال والبقاع وبعض جبل لبنان وأعيانها، على "مقهى الجمهورية" في ساحة البرج، لأن هذه الساحة كانت محط رحال تلك المناطق.
كما وقع اختيار زعماء الجنوب وأعيانه على "مقهى الفاروق" في ساحة رياض الصلح، لأن الجنوبيين كانوا يحطون الرحال فيها عندما يقصدون العاصمة وبالنسبة إلى الشعراء والأدباء والفنانين فقد اختار معظمهم الأحدث من بين المقاهي، أي تلك التي لا وجود فيها للعب الورق وتدخين النارجيلة، أو أي وسيلة من وسائل التسلية.
النموذج الثاني للمقهى الشعبي هو الذي كان يقع خلف هذه الساحات، أي في الطرق الضيقة والأزقة، وهو ما اصطلح الباحثون في مجال المدن على تسميته "جوف المدينة" أو بطنها، أي المكان الذي يُطعم المدينة.
وبسبب موقعها شكلت هذه المقاهي المكان الذي تستقبل فيه المدينة كل ما يخرج على السويّ من السلوك، أو ما يعتبر كذلك: لم يكن بين هذه المقاهي فروقات كبيرة، لا من حيث الشكل أو التجهيز أو الحجم إنما كانت الفروقات تكمن في "حجم القمار" الذي يُمارَس داخل كل منها، وفي اللعبة المعتمدة فيها، وأخيراً في نوعية هذه اللعبة.
فقد كان البعض يعرّف لعبته بـ "الكبيرة"، والبعض الآخر بـ "الصغيرة"، تبعاً لحجم المراهنات وما تفضي إليه من خسارة أو ربح في وسط كهذا، يتألف من مقامرين وحشاشين وأناس يمتهنون السرقة، يبدو وجود الغانية أمراً طبيعياً
والغانية هنا ليست في الضرورة تلك التي تمارس مهنتها فقط في "السوق العمومي"، بل أيضاً تلك التي كانت تقيم في النُزُل المنتشرة حول المقاهي خلف الساحات، أو تلك التي تتخذ من النزل مكاناً لاستقبال زبائنها، أو حتى "علّيات" المقاهي طبعاً لم تكن الغانية تتردد إلى المقهى، إلا في وصفه مكاناً لاصطياد الزبائن عبر وسيط هو عادة من رواد المقهى، وأحياناً هو النادل، أو حتى مدير المكان.
كما أن اللواط كان يطاول نوعين من الأشخاص : الأولاد الذين كانوا يعملون في الأسواق المنتشرة خلف الساحات، وتحديداً في المقاهي داخل غرف خلفية أو في الحمامات والمثليون الذين كانوا يأتون من أكثر من مكان في المدينة، متجمّعين في زاروب عُرف بـ "زاروب الطنطات"، الواقع في أحد الطرق الضيقة في "السوق العمومي".
وكان هؤلاء يأتون إلى هذه المقاهي سعياً وراء من يمارسون الجنس معه، حتى أن البعض منهم أجرى عمليات جراحية حوّلته أنثى النموذج الثالث هو مقهى الأحياء، حيث يغلب السكن على غيره من الأنشطة.
وهذا المقهى كان يخضع في عملية اختيار اسمه إلى منطقَين اثنين : الأول تسميته باسم صاحبه، وأحياناً باسم من يديره: مقهى الحاج سعيد حمد، مقهى أبو بيار، مقهى الشامي والثاني تسميته باسم المكان الذي يقع فيه: مقهى الجميزة، مقهى الرميل، مقهى الباشورة، مقهى راس بيروت.
يتحدث الدويهي عن سيرة هذا المقهى بين انكفاء الحي على نفسه وتحوّله معبراً، متخذاً ظاهرة انتشار دور السينما في بعض الأحياء دليلاً على انكفاء الحي على نفسه، وهي دور أخذت بإغلاق أبوابها تدريجياً بدءاً من أواسط الستينات من القرن المنصرم، يوم بدأت علامات انفتاح الأحياء على مناطق أخرى تمركزت فيها أمكنة اللهو والترفيه
ويبقى النموذج الرابع الذي هو مقهى شاطئ البحر طبعاً ربما يؤخذ على هذا المنحى في المعالجة جعل المكان حي سكني، ساحة، شاطئ البحر محدِّداً وحيداً لهوية المقهى، وهذا يصح عندما يتعلق الأمر ببعض التفاصيل التي تميز بين مقهى وآخر حتى إن وُجدا في المكان نفسه لكنه في حال النظر إلى السياق العام الذي تندرج ضمنه طريقة اشتغال المقهى، تبدو التفاصيل نوافل.
لقد صنع شوقي الدويهي في كتابه هذا عملاً مهماً لكل باحث في تاريخ المقهى الشعبي البيروتي بين عام 1950 وعام 1990، وتالياً لكل باحث في سيرورة التحولات التي وسمت المدينة وأهلها بميسمها، حتى صح القول "محرَّفاً"، بعد قراءة هذا الكتاب اللافت : كلُّ يغنّي على مقهاه.