يرى العازف العراقي على آلة العود رائد خوشابا أن الأوضاع التي تعيشها بلده أثرت بشكل كبير على عازفي العود والفنانين والموسيقيين، إذ أن أجودهم هاجر إلى الخارج ، وأن الأمر يحتاج إلى 20 أو 30 سنة ليسترجع العراق مبدعيه ونجومه في مجال الفن والموسيقى.
ويعتبر آلة العود دستور وسلطان الآلات الموسيقية حيث يعود تاريخها إلى عصور غابرة، ظل أثرها حاضرا في رسوم و نقوش الحضارات القديمة، وأنه رغم قدمها مازال لها دور وحضور ومستقبل في الأمد البعيد.
وعلى هامش مشاركته في المهرجان الدولي الثامن للعود الذي احتضنته مدينة تطوان أخيرا، كان لـ "الصحراء المغربية"لقاءا مع رائد خوشابا، فأجرينا معه الحوار التالي :
٭ ماذا يمثل لك هذا المهرجان؟
ـ أولا لابد أن أتقدم بالشكر إلى كل القائمين على تنظيم هذا المهرجان وذلك لأسباب عديدة، أولا لأنه يعمل على الرقي بآلة العود، وتمثله من تاريخ قديم وعراقة لكل الآلات الموسيقية في الحضارة العربية الإسلامية عموما، فمنذ ظهور آلة العود، حقيقة أثرت على الموسيقى من خلال نقلها إلى أوروبا، والتطور الذي حصل على الآلة من خلال النسيج الموسيقي لآلة العود والكمان، و للأسف الشديد لم تعد هذه الآلة موجودة بالشكل الذي يجب أن تكون، فحقيقة فالمهرجان هو شيء جميل وأن ينظم بمدينة تطوان وذلك بمبادرة من وزارة الثقافة التي تعيد إحياء هذه النشاطات، كما أن هناك مسألة مهمة وهي أن الكثير من الثقافات موجودة وحاضرة في هذا اللقاء وليس العود العربي فقط ، بل هناك مدارس من أوروبا وهذا شيء جميل جدا.
٭ ماذا تمثل بالنسبة إليك آلة العود ، وما دورها في الموسيقى العربية؟
ـ بالنسبة إلي العود هو قلبي الذي ينبض، ويمثل أشياء كثيرة، فعمري كله مع الآلة، وهو يفهمني وأنا أفهمه.
أما ما تمثل آلة العود في الموسيقى العربية فهو يعتبر سلطان الآلات، فكثيرا من الباحثين والمنظرين الكبار في الموسيقى العربية نظروا من خلال العود، ويعني أن تنظيراتهم الموسيقية كانت على أساس هذه الآلة، فهي تعتبر في الحقيقة دستور الآلات لأنه كثير من المنظرين منذ الفرابي والكندي اشتغلوا على وضع النظريات الصوتية على أساس الأبعاد الصوتية لآلة العود وهذه الأبحاث موجودة إلى يومنا هذا، كما أنها هي آلة يسهل حملها، وموجودة وشائعة جدا في أغلب البيوت العربية، ولها مكانة كبيرة في الموسيقى العربية.
٭ وكيف يمكن تطوير آلة العود في المجال الموسيقي؟
ـ تطوير آلة العود يحتاج حقيقة إلى دارسين موسيقيين حقيقيين، لأن الموضوع يحتاج إلى دراسة وتأمل، ونحن في الزمن القديم أفرزنا أسماء عازفين كبار، وغيرت المجرى أو النسيج الموسيقي لآلة العود، فمحيي الدين حيدر مؤلف تركي ولكنه ثائر على العود غير مجرى هذه الآلة، وهناك أسماء كبيرة كجميل بشير، لكن من يستطيع أن يؤلف أو يعد المناهج ؟، لأن مناهجنا في آلة العود معدودة فهناك ثلاثة أو أربعة موسيقيين الذين أثروا في هذا المجال، فنحن لسنا فقط في حاجة إلى عازفين جيدين بل في حاجة ملحة إلى منظرين لتطوير تقنيات آلة العود.
٭ ومن ساهم في تطوير آلة العود؟
ـ هناك عازفون وآخرون منظرون ساهموا في تطوير آلة العود وألفوا أشياء كثيرة منهم محي الدين حيدر الذي وضع مناهج غير فيها التفكير في آلة العود ، وبشير جميل ابتكر العزف باليد اليمنى، فهناك أشياء كبيرة ابتكرت، واليوم قد تنسى ولكنهم حقيقة هم الذين ساهموا مساهمات كبيرة، فسالم عبد الكريم وضع دراسات عديدة للعود، وبالتأكيد هناك مدارس كثيرة في تركيا ومصر والمغرب العربي و يصعب أن أستعرضها كلها.
٭ وماهو صدى العود في الموسيقى الشبابية؟
ـ المشكلة ليست في هؤلاء الشباب، المشكل في وسائل الإعلام، لأنه عندما يكون شاب يتذوق موسيقى معينة، فقد تعود سمعه على ما تنقله وسائل الإعلام ويتأثر به، ونحن حقيقة نحتاج أن يدخل العود ضمن اهتمامات المناهج الدراسية، وفي تجربة بسيطة ففي ألمانيا تنظم حفلات لأطفال عمرهم ست سنوات، بحيث يرون البيانو والفرقة تعزف أنواع موسيقية ، ويجلسون في الأوبرا ويسمعون ساعة ونصف من هذه الحفلات التي تنظم، فنحن لم نعلم أبناءنا الاهتمام بالموسيقى بالشكل الكافي.
٭ وهل مازال للعود جمهوره بالمقارنة مع ما حظي به من اهتمام وتتبع في الماضي؟
ـ بالتأكيد فهو مازال له جمهور، لأنه شيء جميل وأصيل، وله تأثير على المستمعين، فالأوروبيون يتذوقون العود، فكيف المواطن العربي أن لا يستمع إلى نغمات هذه الآلة
وأنا واثق بأنه مازال للعود عشاقه، وهذا ما لوحظ من خلال هذا المهرجان، إذ كان الإقبال كبيرا على متابعة كل فقرات هذا اللقاء، وأدهشني هذا الجمهور الرائع الموجود بالمغرب وخاصة بمدينة تطوان حيث يتذوق ويتفاعل مع نغمات العود بشكل مؤثر.
٭ وأي مستقبل للعود في ظل قرصنة الأعمال الفنية؟
ـ في العالم الغربي لايمكن لأحد أن يفعلها، فهناك مراقبة صارمة في هذا المجال، حيث مؤسسات تحمي حقوق الفنان سواء كان أديبا أو فنانا أو موسيقيا، ونحن في حاجة إلى نقابات موسيقية لحماية حقوق الفنان.
٭ وهل سبق لك أن شاركتم في مهرجانات دولية، وماهي مشاريعك الفنية مستقبلا ؟
ـ شاركت في العديد من المهرجانات، فأنا مقيم في ألمانيا، وعزفت في معظم العواصم الأوروبية لندن، باريس، وفي العديد من المدن الألمانية، وفي مهرجانات كبيرة للجاز وللموسيقى الصوفية، ولدي مشاريع موسيقية موجودة، وهي إن صح التعبير أفكار مع مجاميع موسيقية يعني مع عازفي الجاز، مع فلامنكو، أورناكاصانبل، شرقي، عراقي، بالإضافة إلى العزف المنفرد.
وأعمل على دمج بين المدرسة العراقية للعود ومدرسة الفلامنكو كحوار بين المدرستين، ولنا مجموعة موسيقية تشتغل على تقديم هذا الحوار في إطار جماعي.
وبعد الحرب على العراق مباشرة قمت بعدة تسجيلات لأن الدمار الذي حصل في الإذاعة والمتحف دمر تراث البلد، وأخذنا على عاتقنا رفقة الأصدقاء مهمة تسجيل أكبر عدد من القطع الموسيقية القديمة، لحماية هذا التراث ولدي مشروع قادم مع عازف البيانو ألماني فهو حوار بين عود بيانو، بالإضافة إلى مشاريع موسيقية أخرى.
٭ الأوضاع الحالية في العراق هل تظن أنها أثرت على أداء العود، والموسيقى، وعلى الفن والموسيقيين العراقيين عموما؟
ـ بكل تأكيد هذه الأوضاع التي يعيشها العراق أثرت بشكل كبير، والدليل وهو أن معظم الفنانين والأساتذة الأكاديميين الجيدين هم خارج العراق، وهذا في حد ذاته يحتاج للوضع أن يتغير، فمن الصعب تعويضهم، فالأمر يحتاج إلى عشرين أو ثلاثين سنة حتى يظهر فنانون آخرون.
٭ وهذه الوضعية التي يعيشها الفنان العراقي، هل تتجلى في أدائه ؟
وإلى مدى تأثر الفن الموسيقي بهذه الأوضاع ؟ ـ أكيد، هذه المسألة يمكن أن تكون متباينة، فكل فنان يمر بمسارات وظروف عامة تؤثر على أدائه وتوجهاته الفنية، والفنانون قد تكون في كثير من الأحيان مساراتهم التجارية يعيشون بشكل جيد، لكن الفنان على عاتقه أن يقدم فن بالشكل الذي يؤمن به، وأكيد أنهم مازالوا في مجال التطوير والبحث والعمل.
٭ العراق بلد ساهم في تكوين وبروز فنانين وعازفين كبار مثلا ناظم العراقي ، ناصر الشمة، ما السر في ذلك ؟
ـ حقيقة أول ظهور لآلة العود واليوم أصبح مسلم بهذه المسألة، فبروز هذه الآلة يرجع للعصر القديم وهناك أثار مازالت موجودة في المتحف البريطاني، هذا الظهور لا يعني أنه يجب أن يكون هناك أفضل عازفين، لكن هي في كل الحضارات التي مرت بالعراق كانت آلة العود موجودة، في الآثار، وفي النقوش، و في الرسوم الإسلامية، وفي فترة ازدهار الدولة العباسية، ونجد كل المنظرين اشتغلوا على آلة العود من الكندي، الفارابي، كلهم استغلوا هذه الآلة من خلال تنظيرهم.
بالإضافة إلى بداية القرن العشرين عمل محيي الدين حيدر على تأسيس معهد الفنون الجميلة ببغداد، ودرس به موسيقيون أصبحوا فيما بعد من رواد الموسيقى العراقية، من جملتهم جميل بشير، منير بشير، سلمان شكور، طارق حداد، وأسماء كثيرة أخرى، أصبحوا نجوما وأسماء كبيرة، ودرسوا عشرات من الأجيال، فأصبحت هناك قاعدة كبيرة للعود في العراق، وطبعا الآن هي متأثرة كثيرا بسبب الأوضاع هناك، ولكن في العقود الماضية كانت قاعدة رهيبة للعود في العراق، من خلال تواجدهم بالمعاهد الأكاديمية الموسيقية.
٭ وكيف يمكن حماية هذا الفن في ظل هذه الأوضاع ؟
ـ حماية هذا الفن هي متروكة على عاتق الفنانين بأنفسهم، فكل من تعلم في مدرسة معينة يجب أن يحافظ عليها، لأن وضع البلد صعب، فالثقافة تنهار دائما عندما تسوء الأوضاع في أي مكان، وليس هناك حل إلا أن يقوم الفنانون في الاستمرار في دراستهم للعود.
٭ هناك فكرة لجعل يوم 3 غشت يوما عالميا للعود، هل أنت من أنصار هذه المسألة؟
ـ ليس عندي معطيات حول هذا الموضوع، لكنها فكرة جيدة، أتمنى ذلك، على كل مدارس العود أن يشاركوا في نشر هذه الفكرة.
٭ ماذا يمكن أن تقول لجمهور العود ؟
ـ على كل متعلمي العود، قبل أن يدرسوه بشكل مباشر، أن يطلعوا على أساليب مدارس العود، كيفما كانت سواء مغربية، عراقية، أو تركية، ويتقن العلوم الموسيقية، ونظرياتها، وتاريخها، وعلى عاتق معاهدنا أن تفتح أبوابها لكل المهتمين والدارسين.