بين التعدد والاعتراف جديد مجلة التسامح

ليس من حقّ أحد أن يطلب منا التخلي عن ثوابتنا

الجمعة 26 ماي 2006 - 14:31

"التعدد والتسامح والاعتراف" هو المحور الأبرز في العدد الجديد من مجلة "التسامح"، وهي مجلة فكرية إسلامية رصينة، تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عمان، وتعطي دروسا ميدانية وعملية في الفروق الجوهرية بين خطاب العمل وفعل الخطاب والشعارات والمتمنيا

وكما جرت العادة، افتتح العدد بمادة لعبد الرحمن السالمي، رئيس تحرير المجلة، من خلال ترحاله التفسيري مع إحدى الآيات القرآنية، وكانت آية هذا العدد "ولا يزالون مختلفين إلا من رحِمَ ربُّك ولذلك خلقهم"، مُستنتِجا في خاتمة مقاله أن "الاختلاف يُعتبر حرية للفرد وذاتية، وفي العيش الاجتماعي والاشتراك العالمي مسؤولية وتحقيق للمصالح التي لا يمكن للأفراد والجماعات الصغرى الانفراد بتحقيقها" وكون "منهج التعارف هو المنهج الإلهي لضم هاتين الناحيتين من نواحي الطبيعة البشرية معا".

من أعمال الكتاب المغاربة في العدد، نطلع على مبحث "الحرية الدينية في الإسلام" لعبده الفيلالي الأنصاري، و"جدلية المعرفي والسياسي في الفكر الإسلامي" للعربي إدناصر، "من المقارعة إلى المطارحة في نصرة الحوار العاقل" لرشيد الراضي و"القدرة على النظر المستقبلي: النقد الثقافي مدخلا للتأليف" لمحمد همام

افتتح مبحث رضوان السيد ـ "التعدد والتسامح والاعتراف : نظرة في الثوابت والفهم والتجربة التاريخية" ـ أولى مقالات المحور الأول من العدد، ونقتبس منه تأكيدا هاما، مفاده أنه "ليس من حقّ أحد أن يطلب منا التخلي عن ثوابتنا أو حتى القول بنسبية الحقيقة.

بل المطلوب منا تطبيق منهج التعارف القرآني، الأقرب من التسامح إلى طبيعة الإسلام
والتعارف هو المعرفة المتبادلة، وهو الاعتراف المتبادل بالحق في الاختلاف مصداقا للآية الكريمة: "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربّك، ولذلك خلقهم" أما جابر عصفور، فقد توقف عند النقاش الأول في التسامح والتعصب في الفكر العربي الحديث، مُرَكِّزا تحديدا على أعمال رشيد رضا وفرح أنطون، ومُلاحظا أن هذا الأخير كان أول من عرف بين رواد الاستنارة اهتماما بالموضوع، وأكثرهم مقاربة لمفهوم التسامح.

أتحفتنا الباحثة المصرية هالة أبو الفتوح بمبحث مهم يحمل عنوان "تأويل النصوص القديمة: قراءة لتأويل شنكرا لنص الأوبانيشاد"، والأوبانيشاد بالمناسبة هي ثاني النصوص المقدسة التي ازدهرت خلال العصر القيدي والذي يؤرخ له بعام 2500 قبل الميلاد ويمتد حتى 600 (ق م)، ونظرا لأنها تحتوي على نصوص تتعلق بالذات والحقيقة الجوهرية للأشياء، فهي تعد أكثر أجزاء التراث القيدي تفلسفا حيث تمثل نضج الفكر الهندي وانتقاله من الشرك والتعدد إلى الأحادية فالتوحيد ومن ثمة كان المحور الأساسي لتلك النصوص هو تحديد طبيعة ذلك الذي تنتظم به الأشياء.

ويتمحور مضمون الأوبانيشاد على اختلاف نصوصها حول مبدأ الحقيقة الواحدة والثابتة التي لا تتأثر بالتغيرات التي تحدث في العالم الخارجي، إذ إن تلك الحقيقة هي بذاتها الجوهر العميق للإنسان، وفي هذا الإطار نلتقي عبر النصوص بحشد من المفاهيم التي ارتبطت مع بعضها بعضا لتؤدي في النهاية إلى تحقيق غاية الإنسان وهي السعادة الأبدية.

من مزايا العدد، الاطلاع على أعمال مترجمة لباحثين غربيين، ونتوقف عند مبحث "وجوه الهوية الوطنية وأبعادها : موقع الجاليات الإسلامية في أوروبا" لبيتر إيدتبرغ وهو المدير التنفيذي لـ "معهد الحوار الدولي" بهولندا، ويتطرق إلى موضوع يقع في قلب النقاش الأوروبي العام، مفضلا الاشتغال عند الحالة الهولندية، ومتوقفا على الخصوص عند حدثين يؤرقان فتح ملف الجاليات أو الأقليات الإسلامية في الدول الأوروبية.

يتجسد الحادث الأول في مقتل الصحافي الهولندي تيوفان كوخ في 2 نوفمبر عام 2004 بأمستردام والذي أحدث صدمة كبيرة، ليس لدى الهولنديين بعامة وحسب، بل ولدى المسلمين من بينهم والمقيمين بين ظهرانيهم، وينبغي، يضيف إيدتبرغ، أن يكون واضحا أن الأكثرية الساحقة من الهولنديين، وخاصة السلطات أعرضت عن القيام بردود فعل سلبية.

أما الحدث الآخر الذي ترك تأثيرات عميقة في الوعي, فيرتبط بنتائج الاستفتاء الذي جرى في هولندا على الدستور الأوروبي، حيث فاجأت النتائج السلبية للاستفتاء كثيرين بداخل هولندا وخارجها وكانت العلة الأولى للمفاجأة أن الهولنديين يعتبرون من بين الآباء المؤسسين للفكرة الأوروبية وللاتحاد الأوروبي.

نتوقف أخيرا عند أهم ما جاء في مقال "تفسير جديد لأسباب انتشار الإسلام بين الأفارقة الأميركيين" لعلاء بيومي، والذي اشتغل على أعمال شرمان جاكسون الناشط المسلم الأميركي المعروف وأستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة ميشيغان وخاصة ما جاء في كتابه "الإسلام والأميركي الأسود: نظرة في الإحياء الثالث" الصادر عن مطابع جامعة أوكسفورد الأميركية (2005، ومن المتوقع أن يصبح هذا العمل إحدى الدراسات الكلاسيكية الضرورية في مجال دراسات الإسلام في أميركا.

من مواد العدد، نذكر أيضا "التعددية في الشرق الأوسط : مقاربة تاريخية" )شفيق محسن(، "المجتمع المدني والتعددية والتسامح في سياق الحضارة الإسلامية" )محمد عثمان الخشت)، "مسألة تجديد الخطاب الثقافي العربي بعد 11 شتنبر : الجدال الديني والسياسي" (معتز الخطيب).

وفي باب الدراسات نقرأ "الحضور العثماني ـ التركي في اللغة العربية : تجدد جاذبية أم تواصل ثقافي ووظيفي" (نادر سراج)، ووجهات نظر حول "قاعدة التسامح مع الآخر : نحو فهم تنويري داخل الإسلام" (تركي علي الربيعو)، "إشكالية الاجتهاد بين العقيدة والتاريخ : العرف والمرأة نموذجا" (محمد الشتيوي)، "الاتكاءة الاجتماعية والسيكولوجية لبنية الفكر المستقبلي العربي المعاصر" (محمد فوزي الجبر)، "العقلانية المطلقة وخطرها على نمو العلم" (إلياس بلكا)، "وفي باب مدن وثقافات نقرأ" موقع شعوب الشرق الأقصى القومي في المتخيل العربي: لشمس الدين الكيلاني، و"رهبان جبل أثوس والحكم العثماني المبكر" لإليزابيث أ زخاريادو، ترجمة حاتم الطحاوي.

وأخيرا، تنشر المجلة في باب المتابعات "الحداثة في تجربة التنمية العلمانية" لسعاد بنت محمد بن علي بن سليمان، تغطية لأشغال المؤتمر الدولي حول بلاد الشام في العهد العثماني، أنجزها مسعود ضاهر، ثم مراجعة في كتاب "إسلام البوسنة : جسر أوروبا إلى العالم الإسلامي" لمحمد الأرناؤوط.




تابعونا على فيسبوك