أوراق الجارح لخالد إسماعيل

تجربة إنسانية مسكونة بالحزن

الجمعة 19 ماي 2006 - 14:59

صدر كتاب "أوراق الجارح" عن الدار للنشر والتوزيع لخالد إسماعيل، وهي أوراق تحمل تجربة إنسانية بسيطة ممزوجة بالهم العام للوطن، تجربة مليئة ومسكونة بالمواقف الحزينة، قرر خالد إسماعيل نشرها لتكون بين يدي تلاميذ وأصدقاء ابن عمه الجارح عبد الباري صاحب هذه الأورا

كان من الأفضل إعادة صياغتها كرواية أو سيرة للجارح مما يثري التجربة وأبعادها، فقد تضمن الكتاب مقدمة بقلم ورؤية خالد إسماعيل وهي عبارة عن ملخص لحياة وظروف الجارح، يليها بعض من أوراق الجارح وقصة قصيرة بقلمه ونماذج لشخصيات من قريته كوم النجار، أوراق الجارح لم يتجاوز عددها 130 صفحة، ولكنها تحمل الكثير من المعاني والدلالات.

وتثير العديد من التساؤلات حول إمكانية موت الإنسان بانهيار أفكاره؟ وحول الضعف والعجز الإنساني؟ واذا كان الوطن يستحق مثل هذه التضحيات؟ أوراق هي أقرب إلى مذكرات شخصية للجارح، انتهى من كتابتها عام 1992، أوراق فيها خلاصة آرائه وخبراته ومعارفه، ومواقف وأحداث توضح غياب العدالة، والتفاوت الطبقي، صعوبة الحصول على وظيفة، غياب الأخلاق تحت ضغوط الجوع والحرمان، محاولة القضاء على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، كانت قضيته الأساسية الدفاع عن الفلاحين والعمال في مواجهة البرجوازية الحاكمة، بدافع من إيمانه الشديد بالفكر اليساري الذي بدأ من خلال قراءة رواية الأم لمكسيم جوركي، وقراءة قصة حياة "لينين" الذي جعل من روسيا البلد المتخلف بلداً عظيماً حسب تعبيره، ومن ثم انضمامه الى الحزب الشيوعي، كان متأثراً جداً بالاتحاد السوفياتي ومعتزاً بوقفته مع مصر في العدوان الثلاثي وفي بناء السد العالي، لذلك كان يرى أنه من الممكن أن تتحول قريته إلى نموذج يحتذى من خلال تطبيق أفكاره الثورية.

كان يرى أن الاشتراكية هي طريقه للخلاص في الحياة بتطبيق أفكارها الحقيقية، وليست بنظام الدولة البوليسية الناصرية حسبما ذكر، فحاول استقطاب عدد من أولاد القرية لمشاركته فكره ومشروعه لخدمة القرية، إلا أنه وجد عدد كبير منهم توقفت أحلامهم عند مشروع الزواج والاستقرار والوظيفة، كان يتصرف من منطلق أن الثوري لا يحق له أن ينشغل بأحلام الزواج والاستقرار والإنجاب والامتلاك على حساب النضال السياسي ضد البرجوازية الحاكمة، فأعطى أبناء قريته من عقله وحياته الكثير، أصدر مجلة صوت الجماهير، والمجلة الحائطية "الشرارة" التي كانت نافذة لشباب القرية الموهوبين في القصة والشعر والرسم والتحليل السياسي، كما فتح فصلي محو الأمية للرجال والنساء، وفكر في جمع التراث الغنائي في كوم النجار قبل أن يندثر.

وحاول تشكيل كورال غنائي من أبناء وبنات القرية، إلا أن العادات والتقاليد حالت دون ذلك وتصدوا شيوخ القرية له ومن خلال أوراقه تتابع الظروف العديدة التي تضافرت لوأد تجربته الإنسانية الاجتماعية، عانى في حياته من مضايقات وشائعات ضباط ومرشدي مباحث أمن الدولة، ونفاق ونذالة رؤسائه، وبعض شيوخ وزارة الاوقاف الذين لعنوه وكفروه في خطب الجمعة بتحريض وأوامر مباشرة من أحد المسؤولين عن مكافحة الشيوعية، وعندما ظهرت جماعات الإسلام السياسي تصدى لأفكارهم السلفية التي استهدفت ابعاد الناس عن الصراع الطبقي الحقيقي، بالإضافة إلى أزمات أدت إلى معاناته نفسياً وعصبياً منها، صراعه مع والده بعد تأسيسه فصول محو الأمية، وانتهى الصراع بالقطيعة والمطاردة في المحكمة ومركز الشرطة والنيابة، بالإضافة إلى انتحار والدته، وزواج حبيبته من ابن خالها، بعدما رفض والده زواجه منها، لأنها تنتمي إلى عائلة الحمارين "أي الذين كانوا أفرادها يحملون المسافرين وامتعتهم على حمير، وقد ترك هذا الرفض في نفسه جرحاً كبيراً لأن والده لم يعر انتباهاً إلى أن والدها كان مناضلاً من أجل الوطن، ومن ثم صراع أخوته على التركة بعد موت والدهم، وأتى انهيار الاتحاد السوفياتي لتنهار معه كل الأفكار التي عمل من أجلها" بأنه أنفق سنوات من عمره من أجل أن يجد أهالي "كوم النجار" الدواء والغذاء والحرية، ولكنه انتهى وحيداً لا يجد ثمن الدواء ولا الراحة ولا الصديق الذي يثق فيه، بالإضافة إلى نبذ الأهل له، تعب كثيراً لمواصلة الطريق قائلاً.

"لقد تعبت حقاً ولن أستطيع مواصلة هذا الطريق، ليس لأنني كرهت أجمل حلم وأنبل عقيدة، وليس لأنني أصبت بالأمراض الجسدية والنفسية، لكن لأنني بذرت بذور "الفكرة" في أرض لا تصلح، أو لأنني قاصر التفكير، غير قادر على معرفة أسرار المكان وكيفية التعامل معه، وأنا لا أريد أن القي اللوم كله على الناس، رغم أن العقل والمنطق يقضي بأن هؤلاء الذين كافحنا من أجلهم يتحملون جزءاً من هذا الخراب والفساد والعبء الواقع عليهم".
بترتيب مع إيلاف




تابعونا على فيسبوك